في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي

الرق عند الشعراوي باق


ان الإسلام لما جاء وجد الرق في المجتمع الجاهلي يأتي من مصادر عديدة، فجعل مصدره واحدا: هو الجهاد الذي يقاتل فيه المسلمون الكفّار.. فكان من يقع في يد المسلمين اسيرا يسترق. ثم أوجد الإسلام في تشريعه وجوها عديدة لتفتيت هذا الرق، حتى يجيء اليوم الذي يبطل فيه تماما، وذلك بانتهاء مصدره.. فالرق ليس أصلا في الإسلام، وإنما الأصل الحرية.. والحرية قد صودرت بالسيف في الماضي، لأن الناس قد أساءوا التصرف فيها.. وسيرد التفاصيل عن هذا الأمر، عند الحديث عن الجهاد ومرحليته، في موضعه من هذا الكتاب..
ولكن الذي يهمنا ان نوكده هنا هو ان الناس، اليوم، بفضل الله، ثم بفضل ما أحرزوه من تقدّم اجتماعي، لا يخطر على بالهم مطلقا ان يكون هنالك رقيق، وإنما هم يناضلون ليرفعوا عن كاهلهم حتى صور الاستغلال الملطفة، المتمثلة في الرأسمالية – هم لا يريدون ان يستغل مواطن عرق مواطن آخر لزيادة دخله، خلّ عنك أن يكون هذا المواطن (رقيقا) ضمن المال الشخصي لمواطن آخر، يتصرف فيه كما يشاء يستخدمه، أو يبيعه!! لا!! هذا من المحال في عالم اليوم!!
وفي سبيل التحرّر من كل صور الاستعباد والاستغلال يطالب الناس اليوم بالاشتراكية، والديمقراطية، والمساواة الاجتماعية.. ولكن رغم هذا المطلب العصري المدوي، المتسق مع لب الإسلام، نجد الشيخ محمد متولّي الشعراوي يتحدث عن ميزة الرق الإسلامي، مقارنا بين الرق والإبقاء على الحياة وحسب!!
فهو في كتاب (معركة التشكيك في الإسلام) ص ٤٤ يقول:
(ان الرق الذي نتحدث عنه يأتي من المصدر الوحيد الذي أبقاه الإسلام وهو رق الحرب.. إذا قارنّا بين رق وحرية تكون المقارنة خطا انما نسأل لماذا جاء هذا الرق، انه جاء في الحرب، حرب بين مؤمن وكافر وحين يدخل المؤمن مع الكافر في سعراء الحرب الحق سبحانه وتعالى لا يريد من المؤمن أن يسفك دما ولو كافرا فانه ما استأصر ليستأسر ولا يقتله فإنه يجب ان تكون المقارنة بين رق وابقاء على الحياة)..
ان الشيخ الشعراوي لم ينفذ الى أصل الإسلام فيرى مرحلية الرق، ليصل، من ثم، الى أن الإسلام انما جاء ليجعل الناس أحرارا، ليس فقط من ربقة بعضهم بعضا، بل ليعتقهم من رق كل الأشياء، حتى يغدو خالصين لله، غير مدينين لأحد، أو لشيء غيره: (الا لله الدين الخالص).. ولكن الشيخ الشعراوي، وبما انه مقيم فقط على الفهم التقليدي للإسلام، لا يملك ما يبلغ به هذا المدى الذي ينتهي فيه الرق، ولذلك نراه يحاول فقط ابراز (حسن معاملة الرقيق) في الإسلام، ويقارن بين فقدان الأسير لحياته والإبقاء عليه حيا وهو رقيق!! فهو يقول، في المصدر السابق ص ٤٣- ٤٤: (ولا رق الا بحرب مشروعة).. (وبعد ذلك حينما يبقى على حياته ويأخذ اسيرا ويكون رقيقا فما المعاملة الإسلامية التي يعامل بها، انها ليست موجودة في أحدث النظم الإنسانية)..

ليس في النظم الحديثة، ولا في أصول الإسلام، رق!!


نحن نعتقد ان الإسلام في اصوله، لا في تشريعه الماضي، يبز جميع الفلسفات المعاصرات بقامة تتقطع دونها الأعناق، وذلك بما يحقق للإنسان المعاصر من الحرية والكرامة، ولكن الشيخ الشعراوي يتحدث عن صور من التشريع صلحت للمجتمع الماضي ذلك المجتمع الذي كان قد خرج لتوه من جاهلية غليظة متخلّفة، فأراد الإسلام أن يدرّجه ويخرجه من تخلّفه وغلظته، هونا ما، بذلك التشريع الذي قام على فروع القرآن لا على اصوله..
ولذلك فان تلك الصور من التشريع، ومن بينها (الرق) لا تصلح مقارنتها مع ما اسماه الشيخ الشعراوي (أحدث النظم الإنسانية)، ذلك بأن هذه النظم قد جاءت بعد تطور كبير بلغه المجتمع الإنساني خلال اربعة عشر قرنا من الزمان، وعلى هذا فان هذه النظم، على علاّتها، ليس فيها للرق مجال، لا بحرب ولا بغير حرب!!
بل ان أسرى الحرب الذين كانوا في الماضي هم مادة الرق قد بالغت (النظم الإنسانية الحديثة) في حمايتهم وحفظ كرامتهم الإنسانية، وقد ضمّن هذا في الاتفاقات الدولية، ومنها معاهدة جنيف الثالثة – ١٢/٨/١٩٤٩ – التي نصّت في المواد من ١١ الى ١٩، على "وجوب المعاملة الإنسانية للأسرى، احترام السلامة الشخصية، توفير الغذاء والكساء والمسكن والعلاج، المعاملة المتساوية، لجميع الأسرى، الحفظ بعيدا عن مواقع القتال لضمان سلامتهم".. وفي كتاب القانون الدولي العام للدكتور علي صادق ابو هيف جاء ما يلي، في باب معاملة أسرى الحرب، ص ٨٨١: (كانت الهمجية في العصور الأولى تدفع الدول المتحاربة الى قتل الأسرى، ثم رؤي بعد ذلك الانتفاع بهم فحلّ الاسترقاق محل القتل ثم أصبح يمكن افتداء الأسرى بالمال. واستمر التطور تحت تأثير فكرة الإنسانية والشرف حتى انتهى الى اقرار الاكتفاء بحجز الأسرى أو وضعهم تحت المراقبة مع العناية بهم حتى يتقرّر الإفراج عنهم في نهاية الحرب وتخضع معاملة أسرى الحرب في الوقت الحالي للقواعد التي وضعتها لائحة لاهاي للحرب البرية (المواد ٤ - ٢٠) والاتفاقية المبرمة في ١٢ أغسطس ١٩٤٩ بشأن معاملة الأسرى) انتهى..
وهذا انما يدل على التدرج، والتطور الذي مرت به معاملة الأسرى، وارتقت، حتى بلغت هذه الصورة الرفيعة التي ليس هناك ما هو أرفع منها الاّ انتهاء الحاجة الى الحرب نفسها، وذلك أمر مقضي بغير شك، وذلك بفضل الله، ثم بفضل هذا التقدم الإنساني الذي سيتوجه الإسلام..
ان الفهم الذي يطالعنا من حديث الشيخ الشعراوي عن (الرق)، انما خلّفه الزمن، وتجاوزه الإسلام في أصوله، التي تصلح لإنسانية القرن العشرين، إنسانية القانون الدولي، واعلان حقوق الإنسان، والأمم المتحدة.. هذه الإنسانية التي سيلم بها الإسلام وينفخ روحه العملاق في حصيلتها الكبيرة هذه، فيحقق بها المدنية الجديدة التي ستملأ بها الأرض عدلا كما ملئت جورا..
خلاصة القول هي أن الرق ليس أصلا في الإسلام، ولكنه كان لازمة من لوازم الحرب، وواقعا موروثا من الجاهلية التي بعث الإسلام ليغيرها، بالحكمة، والتدرّج... ويحسن هنا أن نشير على القارئ بمراجعة كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) للأستاذ محمود محمد طه ص (١٢٤)، موضوع: (الرق ليس أصلا في الإسلام)..
ان الشيخ الشعراوي يتحدث عن الرق وكأنه أمر طبيعي، يمكن أن يعود من جديد، وهو يبث حديثه هذا حتى في تلفزيون السودان، في الوقت الذي عانى فيه المجتمع السوداني في الماضي الأمرّين من قضية الرق ولمّا يزل يعاني من رواسبه..