في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي

الشعراوي يدافع عن الحكم الوراثي


ان الحديث عن الإسلام انما ينبغي ان يكون من أجل بعثه من جديد، في مستوى قامة الإنسان المعاصر، ليقدم له أرقى، انواع الحكم، وأكثرها تحقيقا لكرامة الفرد البشري الذي عالجت الشريعة الإسلامية قضاياه بما يتناسب ومستوى المجتمع في القرن السابع.. ولكنا نجد الشيخ الشعراوي، في حديثه عن الإسلام، ينزل دون مستوى الشريعة نفسها.. ومن أمثلة ذلك رأيه في الحكم الوراثي – الملكي، فهو يدافع عنه، مع أن الأمر في الإسلام، حتى في الماضي، واضح ومحسوم، اذ لا وراثة في الحكم، بل ان السنّة النبوية قد امتنعت حتى عن توريث المال: (انّا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)..
ولكن الشيخ الشعراوي يتجاوز هذا، وغيره، فيسوق دفاعا غريبا عن الحكم الوراثي.. فقد قال في كتاب (الشورى والتشريع في الإسلام) ص ١٩ ما يلي: (عندنا مثلا قضية وراثية الحكم التي تهاجم كثيرا الا يجوز ان نتركها بدون نص أو رأي، جاء لحكمة لا ندركها. أليس من الجائز ان وراثية الحكم قد تمنع لغطا اجتماعيا وتطاحنا على السلطة واهتماما بها ربما لا يوجد إذا كان الحكم وراثيا) انتهى..
ولكن ينبغي ان يكون واضحا، ومفهوما، ان الذي ظلّ يهاجم، ومنذ أن تحولت الخلافة الى ملك عضوض، انما هو الحكم الملكي وقد قال النبي في ذلك: (الخلافة ثلاثون عاما ثم تصير الى ملك عضوض).. فالملكية هي التي تورّث الحكم، وهي التي أفسدت في الأرض، وسفكت الدماء.. والإسلام من ذلك بريء، فهو ضد توريث الحكم بشكل قاطع، لا لبس فيه، ولا غموض.. ثم انظر الى محاولته التزهيد في الاهتمام بالسلطة!!

النبي وابو بكر وعمر لم يورّثوا الحكم


وشاهدنا على ذلك قول النبي، وعمله وعمل خليفته، فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة، اشارة واضحة، فهمها الأصحاب، بأن الأمر من بعده انما يتولاه أفضل الناس دينا، ولقد وردت تلك الإشارة عندما قال في مرضه الذي توفى فيه (مروا أبا بكر فليصلّ بالناس).. وغضب عندما رأى مراجعة من بعض أزواجه في هذا الأمر فقال (انكّن صويحبات يوسف، مروا ابا بكر فليصلّ بالناس)!! وقد صلّى بهم ابو بكر بالفعل.. وإنما (السنّة) ان يكون امام الناس في الصلاة هو ولي امرهم في شؤونهم كلها، وفي قمة تلك الشؤون يجيء أمر الحكم، لأنه وسيلة تنفيذ احكام الله – وفي سيرة ابن هشام ورد ان النبي في مرضه الأخير قد خطب الناس فقال:-
(انّي عبدا من عباد الله خيّره الله بين الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله).. قال ففهمها ابو بكر، وعرف ان نفسه يريد، فبكى وقال بل نحن نفديك بأنفسنا وابنائنا، فقال على رسلك يا ابا بكر، ثم قال: انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد فسدوها الاّ بيت ابي بكر، فاني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه) انتهى.. وعلم الناس من ذلك ان امامهم، وخليفتهم هو ابو بكر، وعلى هذا بادر سيدنا عمر بمبايعته، في الوقت الذي كان كل منهما زاهدا في الخلافة، ورعا، وخشية، وتأدبا، حتى ان سيدنا ابو بكر قد قال في سقيفة بني ساعدة، بعيد وفاة النبي، مما يرويه سيدنا عمر: (قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا ايهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد ابي عبيدة ابن الجرّاح وهو جالس بيننا. ولم أكره شيئا مما قاله غيرها، كان والله أن اقدّم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك الى اثم، أحب اليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم ابو بكر)..
وبسط عمر يده فبايع ابا بكر.. ثم لمّا حضرت ابا بكر الوفاة لم يجعل الأمر وراثيا وإنما وضعه في يد أفضل الناس بعده فأختار عمر: (وجعل يستشير فيه كل من دخل عليه من الصحابة، فأثنوا عليه جميعا).. ومما قاله سيدنا عثمان بن عفان (اللهم علمي به ان سريرته خير من علانيته وانه ليس فينا مثله)، وأملى هذا الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عهد به ابو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحالة التي يؤمن فيها الكافر ويتقي الفاجر، إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب فان برّ وعدل فذلك علمي به، ورأيي فيه، وان جار وبدّل، فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل إمري ما كسب (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) روى ذلك ابو داؤود – وإنما كان اختيار سيدنا أبي بكر لسيدنا عمر مبنيا على تفضيل النبي له، ومما رويّ أن النبي كان كثيرا ما يقول: (كنت أنا وأبو بكر وعمر)..
ثم وضع سيدنا عمر عند وفاته ايضا الأمر في ستة ليختاروا أحدهم، وهم قد كانوا أفضل الناس.. ولم يجعل ابو بكر، ولم يجعل عمر الأمر في ابنائهما، وذلك اقتداء بالنبي، ومعرفة بالدين، بل ان سيدنا عمر قد أكدّ استبعاد وراثية الحكم تأكيدا، في توجيهه لهؤلاء الستة الذين أختارهم، فيما رواه البخاري، حيث قال له الناس: (أوصي يا أمير المؤمنين!! استخلف، قال ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفى رسول الله وهو راض عنهم، فسمّى عليا وعثمان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء).. ووجود عبد الله هنا ليرجح بصوته احدى الكفتين إذا تساوت الأصوات.