في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي

خطأ تاريخي وتهوين وتطفيف للقيم:


وعلى هذا النحو المنحرف سار الأمر في العهد العباسي ايضا.. ولكن رغم هذا الانحراف الخطير الذي انتصر به أهل الدنيا على أهل الدين، ولأول مرة في تاريخ الإسلام، رغم كل هذا يقول الشيخ الشعراوي بغير تردد: (وشكل الحكم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يختلف كثيرا عن شكله في عهد عمر بن عبد العزيز أو الحكم في العهد العباسي).. ان هذا ليس خطأ تاريخيا فحسب، وإنما هو تهوين لأمر خطير، وتطفيف للقيم التي ركز عليها النبي، وعض عليها خليفتاه بالنواجذ.. فالنبي وخليفتاه كانوا يحرصون أشد الحرص على أن يتولى أمر الناس أفضلهم دينا، على النحو الذي ذكرناه آنفا، ويزيد بن معاوية وهو البعيد كل البعد عن الدين، يورثه ابوه عنوة، ويقسر أفاضل الصحابة على مبايعته، ويقتل يزيد هذا سبط النبي الحسين، ظلما، وعدوانا، من أجل هذا الملك العضوض، من أجل ما أسماه الشيخ شعراوي (وراثية الحكم)، ثم هو يريدنا بعد كل هذه الدماء الزكية التي أهدرها الأمويون ثم العباسيون من بعدهم بسبب انحرافهم عن سيرة النبي، وسيرة خليفتيه، في اختيار الحاكم، ان نظن، وان نتوهم ان وراثية الحكم – اقرأ (الملكية) – تجنّب الناس الفتنة والتطاحن من أجل السلطة، فقد قال: (أليس من الجائز ان وراثية الحكم قد تمنع لغطا اجتماعيا وتطاحنا على السلطة؟) – كتاب الثورة والتشريع ص ١٩ – نعم، يقول الشيخ شعراوي هذا القول، وأسوأ من ذلك يقول أيضا: في نفس المصدر السابق الذكر (ما الذي يضيرني لو ان من اخترته للبيعة العامة وجعلته مأمونا على ديني وعلى أمري، استخلف عليّ من يراه هو أهلا لذلك المستوى؟).. ان هذا قول منكر أشد النكر في ثقافة عصرنا الحاضر وان صدروه باسم الإسلام من داعية إسلامي لمن الكبائر شديدة الضرر بالإسلام..

تسليم السلطة للشعب لا وراثية الحكم:


ان هذا المستوى الذي يريدنا الشيخ شعراوي ان ننحدر اليه لم يكن حقا، ولم يكن صالحا، حتى في القرن السابع، لأن وراثية الحكم لم يعمل بها النبي، ولم يعمل بها أكبر اصحابه، ابو بكر وعمر، ثم ان توريث الحكم يجيء، في غالب الأحوال، بالقاتل، الفاسق بالجارحة، كما هو الحال مع يزيد بن معاوية، فكيف بنا ونحن في أخريات القرن العشرين، في الوقت الذي صار فيه الشعار السائد هو تسليم السلطة للشعب، بإشاعة اللامركزية، بالحكم الشعبي المحلّي، وبالحكم الإقليمي، وحيث الإلحاح في الدعوة لأن يمارس رجل الشارع مسئوليته في اختيار ممثليه، في أجهزة الحكم، من قاعدتها الى قمتها، وبهذه الممارسة تتم التوعية الشعبية، ويتحقق صلاح الحكم حيث يكون الحاكم مواجها بمراقبة الشعب، ومحاسبته المستمرة.
ثم انه لم يعد هناك، بعد النبي، رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، ولذلك حرص سيدنا أبو بكر، مع رفعة شأنه، أن يفتح أعين الناس على هذه الحقيقة، فقال، عند توليه الحكم: (أيها الناس لقد ولّيت عليكم ولست بخيركم، فان رأيتموني على حق فأعينوني، وان رأيتموني على باطل فسددوني، أطيعوني ما اطعت الله فيكم، فان عصيته فلا طاعة لي عليكم).