في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

هذا هو الشيخ
محمد متولي الشعراوي


حتى السلطنة العثمانية هي حكم إسلامي عن الشعراوي؟!


بل ان الشيخ الشعراوي ليرى في (الخلافة العثمانية التركية) صورة مثلى، وفي السلطان عبد الحميد شخصية الحاكم الذي ما كان ينبغي ان يفرّط المسلمون فيه فقد قال في كتاب (الشورى والتشريع في الإسلام) ص (٢٠) ما يلي:
(فمسألة القضاء على الخلافة العثمانية لم تكن سوى خدعة جازت على العرب، وإذا رجعنا الى مذكرات هرتزل لوجدنا كيف كان السلطان عبد الحميد أمينا على مصالح العرب وكيف قاوم مؤامرات الصهيونية لإنشاء دولة اسرائيل حتى اجبروه على التنازل عن العرش)..
فلماذا هذا الحنين الى عهد الخلافة العثمانية، وهي ملكية، وراثية، غير إسلامية، وهي فاسدة، وقد بلغت أوج فسادها، واستبدادها، وتدهورها على يد السلطان عبد الحميد الثاني الذي يتحسّر الشعراوي على سقوطه.. وعبد الحميد هذا قد لقّب بالسلطان الأحمر لكثرة ما سفك من دم وقد خلع عام ١٩٠٩ ثم انتهت الخلافة أو على الاصح – السلطنة العثمانية عم ١٩٢٢ – وقد كان السلطان عبد الحميد، كسائر السلاطين العثمانيين الذين يتمسحون بالإسلام، ويستغلون عاطفة المسلمين للإبقاء على حكمهم الملكي البعيد عن الإسلام.. وعن ذلك جاء في دائرة المعارف الإسلامية مجلد ٥ – ص ١٨٩ ما يلي: (وكان السلطان عبد الحميد يضع جل اعتماده في تقوية مركز الخليفة على هذه النعرة الإسلامية بيد أن حاشية السلطان الذي كان ظنّه بالناس يزداد سوءا اصبحت على مر الأيام من أرذل الخلق وكانت صيحات الوطنية تصادر بأقصى وسائل العنف واضطر كثير من المفكرين الى الالتجاء الى خارج البلاد)..
وهل في الإسلام ملك وعرش يتنازل عنه، حتى يقول الشعراوي عن السلطان عبد الحميد (حتى اجبروه على التنازل عن العرش)؟ ثم ان الحكم العثماني، وان لبس لبوس الإسلام، فهو حكم علماني.. في قوانينه وادارته، نصل عن الشريعة الإسلامية، ويمّم شطر النظم الغربية من غير ان يظفر منها بطائل.. وعن ذلك جاء في دائرة المعارف الإسلامية مجلد ٥: (وأدخل رشيد باشا بعد عام ١٨٣٩ مباشرة نظاما جديدا للإدارة في الولايات على النسق الفرنسي (ثم عادت الدولة الى التعسّف في فرض الضرائب لأن جبايتها المباشرة لم تزود خزانة الدولة بالمال الكافي)..
(وكان أول قانون عام هو القانون التجاري الذي صدر عام ١٨٥٠ وكان في معظمه مأخوذا من القانون الفرنسي كما هو الشأن في القانون الجنائي الصادر عام ١٨٥٨) انتهى..
ويلاحظ ان الدولة سارت على النهج الغربي في أمر الاقتصاد فكانت الضرائب الباهظة التي أثقلت كاهل الشعوب المغلوبة على أمرها هي مورد الدولة.. وطبعا ليس في الشريعة ضرائب وإنما هي الزكاة!!
ولقد كان الأتراك العثمانيون مستعمرين، يسفكون في هذا السبيل دماء المسلمين، وقد رأينا كيف كانت استباحتهم لأرضنا ودمائنا، على يد محمد علي باشا عام ١٨٨٢ – حيث أعطاه (الباب العالي) في الإستانة فرمان فتح السودان!! ورغم كل ذلك يتحسّر الشيخ شعراوي على ذهاب هذه السلطنة، ويحمّل مسئولية ذلك للاستعمار الغربي!!
مع ان الذي ذهب بهذه الإمبراطورية هو فسادها الداخلي، والذي أجبر عبد الحميد على التخلّي عن السلطة هو مواطنوه من الشعب التركي أساسا، وليس غيرهم، حتى يقول الشيخ شعراوي: (حتى أجبروه على التنازل عن العرش) وهو يشير بذلك الى الاستعمار!!
ان الدور الأساسي في خلع السلطان عبد الحميد، ثم القضاء، بعد ذلك، على السلطنة، والخلافة العثمانية، نفسها، انما يرجع الى الحركة الوطنية التركية، والى الجيش التركي، الذي تكوّن بعد القضاء على (الانكشارية).. ولكي نعطي القارئ بعض معالم المناهضة الوطنية التركية للحكم العثماني، فانّا نورد هذه الفقرات، نقلا عن دائرة المعارف الإسلامية – المجلّد الخامس – صفحة ١٨٩، ١٩٠:-
(استطاعت المعارضة، للاستبداد الآخذ في النمو، ان تنظم صفوفها في ولاية مقدونيا التي كان يحكمها من عام ١٩٠٦ وال تركي تحت اشراف الأوربيين واصبحت سلانيس مركز حركة تركيا الفتاة، وكانت أكثر يقظة من سابقاتها، يتزعمها حزب الاتحاد والترّقي ويناصرها الجيش الى حد كبير.. وقد شارك هذا الجيش مشاركة فعّالة في تقوية الروح الوطني التركي وكان له شأن خطير في الثورة.
(أرغم نفوذ هذا الحزب السلطان على اعلان دستور مدحت باشا ثانية في الرابع والعشرين من يونيو عام ١٩٠٨ والمبادرة الى الغاء الرقابة والتجسس. ثم حاول السلطان في الثالث عشر من ابريل عم ١٩٠٩ استعادة ما كان له من نفوذ وعندئذ لم يجد أنصار مذهب تركيا الفتاة بدا من احتلال العاصمة بواسطة الجيش المقدوني وخلع السلطان في السابع والعشرين من ابريل) انتهى.
واما دور الاستعمار في القضاء على الخلافة العثمانية فهو دور مساعد وقد تمثل في استغلاله لانهيارها، وخروج ولاياتها عليها، الواحدة تلو الأخرى، فمكّن لنفسه في هذه الولايات، بخاصة في البلاد العربية.
ومما يدل على قوة الحركة الوطنية التركية، وعلى دورها في القضاء على الخلافة، النهضة التي شهدتها تركيا على يد كمال اتاتورك الذي أنشأ الجمهورية التركية وقاد نهضة تركيا الحديثة – راجع دائرة المعارف الإسلامية، مجلد ٥-.