((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اليوم!! الهجرة من النفس السفلى
إلى النفس العليا

الهجرة النبوية فاصل بين رسالتين!!

الهجرة النبوية فاصل بين رسالتين!!


لم تكن الهجرة النبوية تمثل مجرد انتقال من مكة الى المدينة وانما كانت، في الحقيقة، تمثل تنزل من مستوى الخطاب لأمة (المسلمين)، الى مستوى الخطاب لأمة (المؤمنين).. تنزل من مستوى آيات الاصول (القرآن المكي) الى مستوى آيات الفروع (القرآن المدني).. تنزلا من مستوى السنة الى مستوى الشريعة.. هي هجرة معنوية، وهجرة حسية، معا، وفى نفس الوقت... لقد دعيت الامم، جميعا، منذ عهد آدم، وقبل عهد محمد، الى (الايمان) وهو المستوى العقيدي من الدين ولم يدعوا الى (الاسلام) وهو المستوى العلمي من الدين!! ففي حين كان (الاسلام) هو المستوى من الدين الذي كان عليه الانبياء المسلمين، كان (الايمان) هو المستوى من الدين الذي كان عليه اتباعهم من الامم!! و(الاسلام) هو الاستسلام التام لله.. تعالى، ظاهرا وباطنا، عن علم يقيني به.. والايمان هو التصديق بما نُبئ به النبي، المسلم لله، عن الله.. ففي حين ان المؤمن مصدق لغيره من المستيقنين، فإن المسلم مستيقن بالله لنفسه بنفسه!! أما إسلام الأعراب فهو إسلام للنبي، لا إسلام لله، وهو دون الإيمان... لأن الإيمان تصديق قلبي بالله يصدقه العمل بالجوارح: (قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم).. ونحن إنما نعني بالإسلام الإسلام الذي هو فوق الإيمان.. ولقد كان النبي الكريم، وحده، المسلم ذلك الإسلام، في حين كانت أمته (مؤمنة): (قل إن صلاتي ونسكي، ومحياي، ومماتي، لله رب العالمين * لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين!!)
لقد دعي الناس في مكة الي الإسلام، فنزلت هناك آياته، وهن أصول القرآن، وجاء الخطاب (بالإسلام) (للمؤمنين) هكذا: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون!!) فقال الأصحاب: أينا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته يا رسول الله؟؟ فنسخت الدعوة الي (الإسلام)، ونسخت آياتها، ودعي الناس الي (الإيمان) ونزلت آياته، فاستجابوا له، وجاء الخطاب للأصحاب هكذا: (فاتقوا الله ما استطعتم) الآية.. وكذلك، خوطب الناس، في مكة، بآيات الإسماح والمسئولية التي ترسي الحقوق الأساسية للإنسان، ومنها (وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)، فلم يستجيبوا لها، فكانت الهجرة الي المدينة التي وقتت نسخ تلك الآيات، ونزول آيات الإكراه، والوصاية، مثل: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) الآية.. وآيات الإكراه والوصاية إنما هي لاحقة بالدعوة الي (الإيمان)، أما آيات الإسماح، والمسئولية، فهي لاحقة بالدعوة الي (الإسلام).. أما النبي (كمسلم) فقد قام عمله، وأستمر، على آيات أصول القرآن، وعمله (كمسلم) هو سنته أما قوله كمشرع لأمة (المؤمنين) فهو الشريعة.. فمن سنته صلاة الثلث الأخير من الليل، وإنفاق ما زاد عن الحاجة الحاضرة، فكانت صلاته تلك، وزكاته تلك فرضا في حقه، تطوعا في حق أمته (المؤمنة).. فشريعة الأمة (المؤمنة) دون سنة النبي ببعيد.. كانت سنته هي المسئولية الفردية، والحرية الفردية، وكان على هذه السنة وحده، في ذلك المجتمع القاصر الذي استوجب وصايته.. ولذلك قامت شريعة الأمة على آيات الوصاية: فالمسلم وصي على غير المسلم، والحاكم وصي على الرعية، والرجل وصي على المرأة.. وكان النبي الكريم، كما كان الأنبياء المسلمون، أصيلا في سنته، وقد تلقاها من ربه، فلم يكن مقلدا فيها لأحد من العالمين حتى ولا نبي من قبله.. فسنته شريعة فردية بهذا المعنى، بينما كان سائر أفراد أمته (المؤمنة) مقلدين له، متلقين منه هو، وليسوا أصلاء متلقين من ربهم مثله، فشريعتهم شريعة جماعية.. فسنة محمد، في جوهرها، هي هذه الأصالة.. هي كونه على شريعة فردية لا يقلد فيها غيره..
والتغيير الديني المنتظر، اليوم، إنما هو، في الحقيقة هجرة حسية، ومعنوية، أيضا!! هجرة، في طريق الرجعى، الي ذلك الأصل في الدين الذي نسخ بالهجرة الأولى.. وستكون اليوم الهجرة الثانية الي (الإسلام)، فيدعي الناس إليه، كما دعوا إليه أول مرة بمكة، فلم يستجيبوا، لأن وقت الإسلام لم يكن قد جاء بعد ولكنهم، في هذه المرة، سيستجيبون إليه فتخرج منهم الأمة (المسلمة) التي بشر بها النبي الكريم، وأشتاق إليها حين قال: (وآ شوقاه لإخواني الذين لما يأتوا بعد!!) فلما سأله أصحابه (أولسنا إخوانك يا رسول الله؟؟) قال (بل أنتم أصحابي!!) فلما سألوه ثالثة (ومن إخوانك يا رسول الله؟؟) قال (قوم يجيئون في آخر الزمان للعامل منهم أجر سبعين منكم!!)..
إن الوقت هو وقت إحياء السنة.. هو وقت الهجرة الي السنة، الي أصل الإسلام الذي بدأ غريبا بمكة (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها).. ذكر السنة، ولم يذكر الشريعة.. ذلك بأن البشرية اليوم أكثر استعدادا، في جملة أفرادها، للأخذ عن النبي، والتأسي به، من البشرية الماضية، في جملة أفرادها.. ولذلك فستكون هناك هجرة حسية يهاجرها النبي الكريم، عبر عنها القرآن بقوله (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك الى معاد!!).. ستكون هجرة محمد الثانية بمثابة العودة الي العهد المكي ليقع على الجماعة تطبيق ما فرض الله على النبي من القرآن، وهو سنته كنبي، ارتفاعا عن مستوى ما فرضه من القرآن على الأمة المؤمنة، وهو شريعته كرسول، حتى يقوم المنهج الفردي على السنة، وحتى يقوم التنظيم الجماعي على أصول القرآن التي قامت عليها السنة، بالتطوير من فروع القرآن التي قامت عليها الشريعة.. وذلك حتى تجيء من البشرية الحاضرة الأمة المسلمة – أخوان النبي الكريم.. فالهجرة النبوية الثانية هي هجرته الي إخوانه الذين يحيون سنته، ويجسدون شمائله، ويتأسون به في أخذ شرائعهم الفردية من الله تعالى كفاحا، ليكونوا أصلاء مثله!! وستكون الهجرة الي مكان غير المكان.. ستكون الي الأرض التي تحيا فيها سنته، والي الفئة التي تحيي هذه السنة.. حتى تعم هجرته الأرض قاطبة..
هذا هو التغيير الديني المنوط بالمسلمين، والمنتظر للبشرية.. وهو ما يجب أن يشد المسلمون إليه الرحال مهاجرين فليس أمامهم سواه من قبلة.. والأمر إنما يقتضي استشعارا لنقصهم، وعزما على تغيير حالهم، وفهما دقيقا، جديدا لدينهم، ولعصرهم.. فليس الأمر نبوءة جديدة، أو كتابا جديدا.. فالمستوى المكي من الدين الذي لم يطبقه سوي النبي أحد، وهو السنة، إنما هو رسالة ثانية بالنسبة لإنسانية القرن العشرين، تصبح به شريعة النبي الفردية شريعة عامة لكل الناس، بينما المستوى المدني من الدين الذي طبقته الأمة الماضية، وهو الشريعة، إنما هو رسالة أولى لم تعد صالحة للوفاء بتطلعات، وإمكانيات إنسانية القرن العشرين... وهكذا فإن الهجرة النبوية فاصل بين رسالتين... ومن ههنا تستمد قيمتها الدينية، والإنسانية.. فعلى المسلمين إدراك هذه القيمة، وتحويلها الي حركة تغيير ديني شامل، هو الموعود السماوي المنتظر.