((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اليوم!! الهجرة من النفس السفلى
إلى النفس العليا

القيمة السلوكية للهجرة النبوية

القيمة السلوكية للهجرة النبوية:


إن لأحداث الهجرة، والتي جرت في الآفاق، دلالات عرفانية وسلوكية عميقة في النفوس.. وهي دلالات لا غنى عنها، مطلقا للسالك في طريق محمد.. فالسالك في طريق محمد إنما يوطن نفسه على أن يهاجر، في كل وقت، وباستمرار، من خلق سيء إلى خلق حسن.. فهو دائم النظر في دخيلته، مشغول بعيوبه، يواجهها، ويستعظمها، ويندم عليها، ويعمل على قطع الطريق أمام العودة إليها، ويستغفر عنها.. وذلك عند محاسبته نفسه، في وضوئه، وفي استغفاره بالأسحار، وفي استعداده لنومه.. وهو لذلك شديد المراقبة لنفسه حتى لا تعود الي نقائصها. وهو في أدائه الواجب المباشر في تصحيح أخطائه، وتنمية فضائله، إنما هو شديد الاعتماد على العون الإلهي.. والعبادة، في جوهرها، ضعف بإزاء القدرة الإلهية... وأفضل دعاء مأثور عن النبي الكريم في ذلك هو: (اللهم أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت).. والنفس دائما إنما تحب عاداتها حتى ولو كانت ذميمة، وتكره التغيير، وما يصحبه من مواجهة نفسية، ومشقة جسدية، مما يقتضي السالك التماس العون عند الله.. ولذلك دعا النبي الكريم، في الهجرة، بهذا الدعاء: (اللهم أخرجتني من أحب البلاد الي، فأسكني في أحب البلاد إليك).. ولقد تجلى مبلغ تحقيق النبي الكريم لوحدة الفاعل، من تركه ناقته تستقر به حيث شاءت، بقوله للمهاجرين والأنصار عند دخوله المدينة: (دعوها فإنها مأمورة)!! ومثل هذا التحقيق لوحدة الفاعل هو مطلوب كل (مهاجر) سالك في طريق محمد..
والهجرة السلوكية حاديها ودليلها الفكر.. فقد كان النبي متجدد الفكر بالاستغفار العرفاني.. وقد قال: (إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة) وقال: (إنه غان أنوار لا غان أغيار)، فكأنه، بهذا الاستغفار العرفاني إنما يقطع في عروجه الي الله كل يوم وليلة سبعين درجة.. وهذا الإحصاء إنما هو للتمثيل لا للحصر.. (والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم).. والنبي، في ذلك، متخلق بالأخلاق الإلهية: (كل يوم هو في شأن) وهذا هو معنى هجرته الروحية المتصلة التي هي، في الحقيقة، سنته الحقيقية..
ومن أدب الهجرة صدق النية، وخلوص العمل... ولذلك حرص النبي الكريم على دفع قيمة الراحلة التي هاجر بها الي أبي بكر، حتى تكون هجرته لله بكامل نفسه، وماله.. ولذلك كان المهاجرون يحبون أن يموتوا في دار الهجرة، بالمدينة، دون سواها، وما يحبون أن يموتوا بمكة!! ومن أدب الهجرة انتظار الإذن بعد إعداد العدة، فالسالك (المهاجر) إنما هو كلف بتجويد واجب العبادة، والمعاملة، لا يستعجل أمرا مستأنفا سوي هذا التجويد حتى يأتيه الإذن به.. وهذا الإذن إنما هو بمثابة ما يثمره عمله من نور يهديه الطريق (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا...) وقد أري النبي دار الهجرة، ثم ظل ينتظر الإذن بها، هو وأبو بكر، حتى ظفر به، فأنفذه لا يلوي على شيء..
ومن أدب الهجرة عدم التلفت كما كانت سنة النبي في مسيره من مكة الي المدينة.. وكما هو الأمر الإلهي (ولا يلتفت منكم أحد).. والتلفت أكبر عيوب السالكين وهو إنما يتمثل في تقديم المفضول على الفاضل – في تأخير واجب من واجبات الدعوة الي الله، عن أي عمل سواه.. وفي تفضيل أية صحبة على صحبة زملاء طريق الهجرة الي الله، ويتمثل التلفت أيضا في السالك وفي تقاعسه عن بذل أقصى الطاقة المتاحة فيما يثمر التطور الروحي المطرد.. ومن التلفت أن يقدم السالك نفسه، ويرى لها مزية خاصة على زملاء طريقه، وأن تفتر همته عند تقدمهم عليه وأن تشوب محبته لزملاء الطريق شائبة..
ومن أدب الهجرة استشعار معية الله.. وقد طمأن النبي أبا بكر في غار ثور بقوله: (يا أبا بكر لا تخف... يا أبا بكر ما بالك بإثنين الله ثالثهما؟؟؟).. واستشعار معية الله، عند السالك (المهاجر) إنما تكون طلبا لعونه في الشدة، وخشية منه في الخلوة، والجلوة.. وفي الحقيقة أن في كل واحد منا (إثنين) قلبه، وعقله، والله ثالثهما..
ومن أدب الهجرة حسن الصحبة، وقد كان لأبي بكر، في ذلك مكرمة لا تجاري.. فقد كان رفيقا، شفيقا، بالنبي، في تلك الهجرة، حريصا على سلامته، شديد الالتصاق به، شديد الاشتغال بواجب الهجرة معه، رفيع الأدب معه، يقدم النبي في الخير، ويتقدمه في المكروه..