في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

المسيح

بسم الله الرحمن الرحيـم
(أفعيينا بالخلق الأول ؟! بل هم في لبس من خلق جديد !)

المقدمــة:


نخرج هذا الكتاب في الاحتفال بذكرى ميلاد السيد المسيح ، عليه السلام ، ولقد درجنا في الآونة الأخيرة على الاحتفال بهذه المناسبة العظيمة ، بإخراج كتيب للناس ، بغية نشر الوعي الديني الذي به تتم ، بإذن الله ، حركة البعث الديني التي ظللنا نرقبها ، ونعمل لمجيئها .. ولقد كان آخر كتيباتنا ، في هذا الصدد ، كتيبا أصدرناه في مثل هذا الوقت من العام الماضي ، أسميناه: (عودة المسيح) .. ونحن عندما نحتفل بميلاد السيد المسيح ، عليه السلام ، إنما نحتفل به للصلة القائمة بين المعاني التي دعا إليها هو ، وبين المعاني التي ندعو إليها نحن فيما أسميناه: (الرسالة الثانية من الإسلام) .. هذه الصلة هي ما جعل أكثرية المسلمين يظنون أن المسيح المنتظر إنما هو عيسى الإسرائيلي عليه السلام .. وحقيقة الأمر بخلاف ذلك .. ولسوف نتعرّض لذلك في موضعه من هذا الكتاب .. ولكن الذي يهمنا بيانه ، هنا ، أن الإسلام في عودته سوف يعود بوجهه الذي يلي المسيحية .. وهذا هو ما انطوت عليه البشارات النبوية بعودة المسيح ليملأ الأرض عدلا ، كما ملئت ظلما ، وجورا ..
إن اليهودية ، والنصرانية ، ليستا سوى مقدمة لمجيء الإسلام وهما إنما يمثلان طرفي الافراط والتفريط منه .. ولقد احتوى القرآن معاني الديانتين ، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق ، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ، ومهيمنا عليه) .. فقوله تعالى: (مصدقا لما بين يديه من الكتاب) ، إنما يعني أن القرآن قد جاء حاويا لقيم كل من اليهودية والنصرانية .. وأما قوله تعالى: (ومهيمنا عليه) إنما يعني مسيطرا ، ومطورا لكليهما وموحدا لهما في سمط واحد .. هذا السمط الواحد إنما هو الإسلام .. فاليهودية حين قالت: (العين بالعين ، والسن بالسن) ، جاء السيد المسيح ليقول: (سمعتم أنه قد قيل لكم: "عين بعين ، وسن بسن" ، أما أنا فالحق أقول لكم: لا تقاوموا الشر .. من لطمك على خدك الأيمن فأدر له الآخر كذلك ..) .. ولذلك فإنه ، في الوقت الذي جاءت فيه اليهودية في طرف البداية ، حين قررت أنه من حقك أن تقتص لنفسك الصاع ، بالصاع جاءت المسيحية في الطرف الآخر ، لتنهى عن القصاص .. ولا بد هنا من الإشارة إلى أن وصايا السيد المسيح لم يعشها في وقتها فرد غيره من أمته ، لا ، ولا تلميذه الأكبر بطرس ! وذلك لأنها كانت في طرف النهاية ، حتى أنه ليمكن القول بأنها إنما جاءت من المستقبل مما جعلها غير عملية في ذلك الوقت ..
بين هذين الطرفين جاء الإسلام جامعا لخصائص كليهما .. ففي الوقت الذي جاءت فيه اليهودية في جانب التفريط في الروحانية ، وجاءت فيه المسيحية في جانب الافراط في الروحانية ، جاء الإسلام قسطا موزونا بينهما ، قال تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ..) وهو ما أوجزه المعصوم في عبارته: (الدنيا مطية الآخرة) ..
وميزة الإسلام على كلتا الديانتين إنما تكمن في امتلاكه للمنهاج العملي الذي يضع السلّم بين اليهودية ، مطوّرة ، في القاعدة ، وبين المسيحية ، مطوّرة ، في القمّة ، ثم هو يتجاوز في النهاية ، معاني المسيحية نفسها ، وهو ، بنهجه القائم على المزاوجة ، إنما يفتح الطريق للتطور المطرّد الذي لا تحده حدود ، ولذلك فلقد جاء القرآن ليقرّر: (وجزاء سيئة ، سيئة مثلها) ، يكاد يقابل في اليهودية (العين بالعين ، والسن بالسن) ، لأنه هو عندما أعطى الفرد أن يقتص لنفسه ، الصاع ، بالصاع ، اتجه لينفّر عن ذلك الصنيع ، فقال: (وجزاء سيئة ، سيئة مثلها) ، فوصف رد السيئة بـ (سيئة مثلها) أما قوله: (فمن عفا) فهو يكاد يقابل قولة السيد المسيح: (فأدر له الآخر كذلك) .. وأما قوله: (وأصلح) فأكبر من وصية السيد المسيح عليه السلام ، لأنها إنما تتعدى مستوى احتمال الأذى فيما دعت إليه المسيحية ، إلى مستوى الإصلاح .. والإصلاح إنما يكون بالنهج العملي الذي توفرت عليه شريعة أصول الإسلام .. ولذلك فإن احتفالنا بذكرى ميلاد المسيح عليه السلام إنما هو احتفال ، في ذات الوقت بمجيء المسيح المحمدي الذي يطبّق أصول الإسلام التي تجعل وصايا المسيح الإسرائيلي ، وأكثر منها ، ممكنة التحقيق ، وفي الحق فإن حياة السيد المسيح لم تكن سوى إشارة متقدمة إلى ذلك المستوى المقبل من الكمالات الإنسانية التي ستتحقق بفضل الله ، ثم بفضل الإسلام ، على ظهر هذا الكوكب ..