ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




الثورة الثقافية

الثورة الإسلامية الأولى

الثورة الإسلامية الأولى


إن الثورة حين تكون عنيفة ، إنما تحمل عناصر فنائها في عنفها لأنها لا تملك ، مع العنف ، أن تعتدل ، فلقد وردت كلمة عن المسيح يقول فيها: "من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ" ولكن الثورات لا تملك أن تجد طريقها ميسراً ، حتى تستغني عن العنف ، ذلك بأن رواسب قانون الغابة ، وأفكار عهد الغابة ، تبرر في نظر المغلوب ، العبارة المأثورة: "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة" .. والقوة عندهم هنا ليست كما هي عندنا في العبارات التي إقتبسناها من كتاب "لا إله إلا الله" .. وإنما القوة هنا مرادفة للعنف.
إن التحول ، والتغيير ، والثورة ، التي تتم عن طريق الإقناع ، والفكر ، هي التغيير المأمون العواقب ، الثابت ، الذي يطرد كل حين ولا ينتكس .. ولكن محاولة مثل هذه الثورة الفكرية السلمية ، إنما هي محاولة مكتوب عليها الفشل ، إذا جاءت في غير أوانها .. ويمكن القول ، على التحقيق ، بأن التغييرات التي حدثت في المجتمع البشري جمعيها ، قد كانت القوة فيها مدفوعة إلى إستعمال العنف ، لأن المستوي البشري ، في الماضي ، وإلى يوم الناس هذا ، لم يبلغ المستوى الذي يغني القوة عن إستعمال العنف .. والثورة الإسلامية مثل من أبلغ الأمثلة في التاريخ ، على اضطرار الثائر للجوء إلى العنف ، بعد محاولة طويلة ، وجادة ، في تجنبه .. لقد جاءت الدعوة الإسلامية في القرآن ، تركز على الإقناع ، وتمنع العنف ، بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ .. يقول تعالى لنبيه: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن .. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وهو أعلم بالمهتدين* وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين* واصبر !! و ما صبرك إلا بالله .. ولا تحزن عليهم .. ولاتك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" ويقول تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة .. ادفع بالتي هي أحسن ، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا ، وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم" .. ويقول تعالى: "فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر" ويقول تعالى: "لا إكراه في الدين ! ! قد تبين الرشد من الغي" .. قوله "لا إكراه في الدين" منع للعنف واضح .. قوله: "قد تبين الرشد من الغي" دعوة إلى تبيين الحق ، من الباطل ، بلسان الحال أولاً ثم بلسان المقال .. وهي دعوة إلى القوة ـ قوة الخلق ، وقوة الفكرـ اللذين بهما يكون الإقناع .. ويقول تعالى ، في موضع آخر: "وقل الحق من ربكم ، فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر .."واستمر القرآن على هذا النهج ، يدعو إلى القوة ، و يمنع العنف ، مدى ثلاث عشرة سنة ، يبتغي التغيير عن طريق الإقناع .. وكان المجتمع مجتمعاً عبودياً .. وقد جاءت دعوة القرآن إلى التحرير ، وإلى المساواة بين الناس .. فهي تقول: "ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى" .. وتقول: "كلكم لآدم و آدم من تراب .. إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وهي تدعو إلى التوحيد ، وتقول للناس قولوا "لا إله إلا الله" .. ومعنى هذه هو القول للمستضعفين والمسترقين .. للعبيد من أمثال بلال وصهيب .. يا بلال !! أنت و سيدك إلهكم واحد !! وأن عندك الفرصة في أن تكون خيراً منه ، إن كنت أتقى لله منه .. "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" .. و لما شعر الأقوياء على العهد الجاهلي ، وأصحاب الامتياز ، وملاك العبيد ، أن هذه الدعوة ستقوض نفوذهم ، وتحرر عبيدهم ، وتهدم القاعدة الإقتصادية عندهم ، وتغير ميزان القيم في مجتمعهم ، قاوموها .. وكعادة دهاء أصحاب النفوذ ، قاوموها بدعوى الدفاع عن آلهة الأجداد ، ودين الآباء .. وقالوا: إن هذا الداعية الجديد يسب آلهتنا ، ويسفه أحلام آبائنا .. و ليست هذه هي الأسباب الحقيقية .. فقد كانت آلهتهم أصناماً من الحجر .. وكانوا هم ، على التحقيق ، أذكى من أن يدافعوا عن هذه الأحجار ، ولكن الأحجار كانت ، في الواقع رمز نفوذهم ، وسيادتهم ، وامتيازهم على العرب .. فهم إذن إنما كانوا يدافعون عن مصالحهم المادية .. و تفلت ألسنتهم ، الفينة بعد الفينة ، بالسبب الحقيقي لعداوتهم للدعوة الجديدة .. قالوا مرة مثلاً: "إن محمداً يفسد علينا غلماننا" .. لقد قوومت الدعوة الجديدة إلى التغيير ، إذن ، بدوافع من الحرص على الإبقاء على الامتياز المتوارث .. ولم تنجح حيلة من الحيل في إقناع أعدائها بالتنازل عن امتلاك رقاب البشر .. و لم يبق إذن إلا أن تلجأ القوة إلى العنف .. وشئ آخر ، فإنه ، حتى المستضعفين ، لم تستطع الدعوة الجديدة أن تكسبهم إلى جانبها ، وما ذاك إلا لأنهم قد سقطوا فريسة لتضليل أصحاب النفوذ الذين كانوا يستغلون جهلهم ، ويحركون عاطفتهم إذ يتحدثون عن ميراث الآباء ، والأجداد ، وهم لا يهمهم من ذلك إلا استمرار نفوذهم .. يقول تعالى في الحكاية عنهم: "أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟؟ * بل قالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على آثارهم مهتدون * وكذلك ، ما أرسلنا ، من قبلك ، في قرية ، من نذير ، إلا قال مترفوها: إنا وجدنا آباءنا على أمة ، وإنا على آثارهم مقتدون * قل: أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم؟؟ قالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون" .. وقال تعالى عنهم: " ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات ، وما في الأرض ، وأسبغ عليكم نعمه ، ظاهرة وباطنة ؟؟ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ، ولا هدى ، ولا كتاب منير * وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا .. أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير؟؟". ثم إنهم لما قويت معارضتهم للدعوة الجديدة ، التي ترمي إلى التغيير من غير عنف ، تفننوا في تضليل السذج ، والبسطاء ، ليقفوا ضد مصالح أنفسهم ، وأصبح واضحاً أن ليست هناك فرصة للإقناع ، ووجدت الدعوة الجديدة نفسها مضطرة للجوء إلى العنف ، سحبت آيات الإسماح ، ونزل قرآن الجهاد ـ القرآن الذي يأمر القوة باستعمال العنف .. وقد ظن بعض الناس أن الإسلام لم يستعمل العنف إلا دفاعاً عن النفس .. وإنما ساقهم إلى هذا الخطأ بعض ملابسات التاريخ الإسلامي في نشأته ، وظنهم أن إستعمال العنف ، من حيث هو ، أمر معيب ، وحرصهم على الدفاع عن الإسلام مما يعتبر نقصاً في حقه ، في اعتبار خصومهم .. والحق أن سبب لجوء الإسلام إلى السيف إنما يجيء من جهتين ، أولاهما: المقاومة التي لقيها من أصحاب النفوذ وممن وقعوا تحت تضليلهم ، أو تحت إرهابهم من المستضعفين .. و اخراهما: إستحالة الاقناع في وقت لم تكن العقول فيه مستنيرة بانتشار التعليم ، ولا القلوب فيه سليمة بتوفر أسباب الأمن .. وإنما بدأ القرآن بتقديم آيات الإسماح ، وبالتركيز عليها ، لكونها الأصل . ثم لما ظهر ، ظهوراً عملياً ، أن الوقت غير مهيأ لتطبيق هذا الأصل ، نزل عنه على حكم الوقت ، واستبدله بالآيات الفرعية لتكون مرحلة تعد الناس للارتفاع إلى مستوى الأصول وذلك بأن يكونوا قادرين على رؤية الحق ، وعلى التمييز الدقيق بينه ، وبين الباطل .. ويومئذ تكون قوة الحق كافية لإحداث التغيير إلى الأحسن ، بين الأفراد والمجتمعات ، من غير حاجة إلى اللجوء إلى العنف ..
إن الأصل في اللجوء إلى العنف ، إنما هو مصادرة حرية من يسيء التصرف في إستعمال الحرية .. فإن الناس لم يخلقوا عبثاً ، وإنما خلقوا لحكمة .. هذه الحكمة هي أن يعرفوا الحق ، وأن يلزموا الحق ، وأن يكونوا بالحق أحراراً .. وقد قال الله في تقرير هذا: "وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزقٍ ، وما أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين" .. فإذا كانت الحكمة من خلق الناس هي أن يعبدوا الله ، ثم أن الله أسبغ عليهم نعمه من جميع أنواعها فكفروا بها ، وعبدوا الحجارة التي ينحتونها بأيديهم ، مهدرين بذلك كرامة عقولهم ، وإنسانيتهم ، فأرسل الله إليهم رسولاً ، يعرفون فيه كمالات الصدق ، والخلق ، وأنزل عليهم قرآناً معجزاً ، ثم لم يكن ردهم على كل أولئك ، إلا الإصرار على الضلالة ، والغواية ، والكفر ، فقد دل ذلك على أنهم لا يحسنون التصرف في حريتهم ، وأنهم لا يزالون في حاجة إلى وصاية عليهم تحملهم على الجادة ، وتصادر من حريتهم القدر الزائد عما يطيقون حسن التصرف فيه .. إن سبب العنف ، هو سوء التصرف في ممارسة الحرية من المدعوين ـ سبب استعمال السيف هو نفسه سبب العقوبة بالنار في الآخرة ، ولذلك فإنه تبارك وتعالى قد قال: "فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينا إيابهم * ثم إن علينا حسابهم *" ففي قوله تعالى: " فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر *" أمر للإسماح بالحرية و منع للتسلط بالقوة ، وحد السلاح .. ثم جاء نسخ النهي عن التسلط في حق من تولى وكفر فقال: "إلا من تولى ، وكفر" .. فكأنه قال .. أما من تولى و كفر فقد جعلنا لك عليه سلطاناً .. هذا يؤخذ من قوله: "فيعذبه الله العذاب الأكبر" .. ففي عبارة "العذاب الأكبر" تنطوي عبارة العذاب الأصغر ، وهو العذاب بالسيف .. ومن أوضح الدلائل على ان سبب العنف في الإسلام هو الكفر قوله تعالى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين لله .. فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين" .. هذا هو سبب القتال في الإسلام. و لكنه لم يبدأ إلا بعد أن قوي المسلمون بالقدر الكافي ليستطيعوا أن يناجزوا ، وإلا بعد أن أعطى الكافرين الزمن الكافي ليرعووا .. وكل هذا وضع طبيعي ، ومنطقي .. وهذا الإمهال هو الذي ضلل من ظنوا أن الإسلام لم يقاتل إلا دفاعاً عن النفس .. قوله: "وقاتلوهم" أمر صريح بالقتال .. قوله: "حتى لا تكون فتنة" غاية صريحة من وراء القتال .. والفتنة معناها الشرك .. و حتى "يكون الدين لله" أمر صريح أيضاً في سبب القتال .. ثم قال: "فإن انتهوا" يعني عن الشرك .. قال: "فلا عدوان إلا على الظالمين" عنى بالظالمين الخارجين على القانون ممن دخلوا في ظل الإسلام .. فكأنه أمر بمصادرة حرية من يسيء التصرف في الحرية على مستويين: على مستوى السيف ، وعلى مستوى القانون . فأما الذين يرفضون الدخول في ظل الإسلام فليس هناك قانون لمصادرة حريتهم التي أساءوا التصرف فيها ، بإصرارهم على الكفر ، إلا قانون الحرب ـ إلا السيف ـ ومن ههنا يجيء لجوء القوة إلى العنف .. والمستوى الآخر هو مصادرة حرية الذين يظلمون الناس ، ويعتدون على حقوق الآخرين ، ولكنهم هم قد دخلوا في دعوة الإسلام .. فهؤلاء يقع "العدوان" على حريتهم ، حين أساءوا التصرف فيها ، بالقانون ، لأنهم مذعنون لجملة الأمر ، فلا موجب لقتالهم .. ومن ههنا جاء قوله تعالى: " فلا عدوان إلا على الظالمين" ، بعد أن قال: "فإن انتهوا" .. أقرأ مرة أخرى: "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين".
إن الأصل في الإنسان كل إنسان أنه حر حتى يعجز عن حسن التصرف في حريته ، فإذا عجز صودرت حريته بقانون دستوري .. وغرض القانون ، حين يصادر حرية العاجز ، إنما هو تربيته ليكون كيساً ، فطناً ، قادراً على حسن التصرف في حريته ، في مستأنف أمره .. وهذا هو السبب الذي جعل الإسلام "القرآن" يبدأ بعرض الحرية على الناس في عهده المكي ، وذلك بإنزال آيات أصول الدين ، ثم بالإستمرار على ذلك ثلاث عشرة سنة .. فلما ظهر ، ظهوراً عملياً ، أن الناس ، بحكم الوقت ، عاجزون عن حسن التصرف في الحرية ، صودرت حريتهم ، باستبدال آيات الأصول بآيات الفروع التي بها وقعت مصادرة الحريات ، في مستوى السيف للجاحدين ، وفي مستوى قانون الوصاية للمؤمنين .. إن الإسلام في عهده الأول ، قد استعمل السيف كما يستعمل الطبيب المبضع ، لا كما يستعمل الجزار المدية .. فقد وجهت قوته الحكمة والرحمة ، ما في ذلك ريب ، ولكن قد كانت القوة فيه مقترنة بالعنف ، ما في ذلك ريب أيضاً "يا أيها النبي جاهد الكفار ، والمنافقين ، واغلظ عليهم ، ومأواهم جهنم وبئس المصير" .. "يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وليجدوا فيكم غلظة .. وأعلموا أن الله مع المتقين" .. فلكأن تاريخ البشرية ، في جميع صوره الماضية ، قد اقترنت فيه القوة بالعنف ، حتى في الصور الملطفة التي يمثـلها الجهاد في سبيـل الله في الإسلام .. ولكن مستقبل البشرية سيدخله حدث جديد يتمثل في طلاق القوة من العنف .. وهذا هو جوهر دعوتنا ، نحن الجمهوريين ، إلى بعث الإسلام ، ، ببعث "لا إله إلا الله" في مستوى آيات الأصول ، التي كانت ، في عهد الإسلام الأول ، منـسوخة ، وهو أمر قد تحدثنا عنه باستفاضة في كتابنا: "الرسالة الثانية من الإسلام" .. فليراجع في موضعه.