((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الثورة الثقافية

الثورة الإسلامية الثانية

الثورة الإسلامية الثانية:-


ثورة الإسلام الأولى إذن اقترنت فيها القوة بالعنف ، وإن كان عنفها يختلف عن العنف الذي تراد به السيطرة من القوي على الضعيف في غير حكمة نفع يعود على الضعيف ، إلا نفعاً يجيء عن طريق عرضي ، غير مراد من القوى .. ولكنه عنف على أي حال .. وقد حاولنا تبيين ذلك .. وأما ثورة الإسلام الثانية ، التي بها تكون عودته من جديد ، فإنها ثورة تقوم على القوة المبرأة من العنف ، وذلك بفضل الله ، ثم بفضل حكم الوقت ، حيث أن البشرية قد تقدمت تقدماً كبيراً ، وأصبحت مستطيعة أن ترى الحق ، وأن تتخذ الحق سبيلاً حين تراه .. قال تعالى في حق بعث الرسول: "وما أرسلناك إلا كافة للناس ، بشيراً ونذيراً ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون" .. فالنبي مبعوث بثورة الإسلام الأولى وبثورة الإسلام الثانية .. وهو في كلتيهما بشير ، ونذير ، ولكن حظ البشارة ، في الثورة الأولى ، قد كان قليلاً ، وحظ النذارة كبيراً .. وسيكون حظ البشارة ، في الثورة الثانية ، كبيراً ، وحظ النذارة قليلاً .. إن الإسلام ، في ثورته الأولى ، لم يكن دين تبشير ، وإنما كان دين جهاد .. ولم يكن التبشير به بعد أن شرع الجهاد ليتعدى أمر الدعوة إلى المصحف ، قبل الشروع في القتال .. فقد كان المجاهدون المسلمون إذا لقوا عدوهم لا يبدأونهم بالقتال ، وإنما بدعوتهم إلى الإسلام .. يقولون: أسملوا تكونوا إخواننا .. لكم ما لنا ، وعليكم ما علينا .. فإن هم أبوا عليهم هذه يقولون: أدوا إلينا الجزية ، تعيشوا بيننا ، نحميكم ونحمي معابدكم .. فإن هم أبوا هذه قاتلوهم .. والحكمة وراء أخذ الجزية منهم إنما هي الحرص على الدم البشري ألا يراق إلا لدى الضرورة القصوى .. فإنهم ، حين يدفعون الجزية ، ويعيشون في المجتمع الإسلامي ، إنما يعيشون فترة إنتقال يعرفون خلالها الإسلام ، مطبقاً ، و معاشاً ، في حياة المسلمين .. وسيغريهم الحال بالانتقال من حالة دفع الجزية ، وهي حالة مهانة ، إلى حالة دفع الزكاة ، حيث وجبت ، وهي حالة كرامة .. ذلك لأن مال الزكاة عبادة ، ومال الجزية عقوبة .. لم تكن البشارة ، في ذلك العهد ، تتعدى هذا الحد ، و كانت السيادة للنذارة .. و لذلك فقد جاءت أول آية من آيات البعث ـ بعث النبي ليكون رسولاً ـ جاءت أول آية من آيات الرسالة بالنذارة: "يا أيها المدثر قم فأنذر" .. ومن يومئذ جاء تقديم النذارة على البشارة .. وإنما عن النذارة جاء إستخدام القوة للعنف. ولقد كانت الثورة الأولى ثورة مرحلية لتعـد الأرض للثورة الثانية ، حيث لا مكان للعنف وإنما هو الإسماح .. وآية الثورة الثانية من كتاب الله: "لا إكراه في الدين .. قد تبين الرشد من الغي" هذه هي آية البشارة .. وقد كانت منـسوخة في عهد النذارة لأنها كانت أكبر من المجتمع يومئذ .. وهي صاحبة الوقت اليوم: "لا إكراه في الدين .. قد تبين الرشد من الغي .. فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها .. والله سميع عليم" قوله تعالى: "لا إكراه في الدين " ، منع للعنف .. قوله: "قد تبين الرشد من الغي" ، تقرير بأن الرشد قد تبين من الغي ، وذلك بنزول القرآن الموضح لفضائل الإيمان ، ورذائل الكفر .. وهو أيضاً أمر ، ومطالبة بتبيين الرشد من الغي ، وذلك بأن يطبق الدعاة ما يدعون إليه قبل مباشرتهم هذه الدعوة ، حتى تكون دعوتهم إلى الرشد مبينة بلسان الحال ، قبل لسان المقال .. فقد جرى حديث قدسي إلى عيسى قال فيه ، جل من قائل ، "يا عيسى عظ نفسك ، فإن إتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستحي مني" .. والدعوة بلسان الحال هي أصدق الحديث .. و لا خير في الدعوة بلسان المقال ، إذا لم يكن مصحوباً بلسان الحال ، فإنه وارد عن النبي في هذا الأمر قوله لإبن عمر: "دينك !!دينك !! يابن عمر!! ولا يغرنك ما كان مني لأبويك .. وخذ ممن استقاموا ، ولا تأخذ ممن قالوا" ..
و حين لم يكن الإسلام ، في ثورته الأولى دين تبشير ، وإنما كان دين جهاد ، فإنه ، في ثورته الثانية ، دين تبشير ، ولا مكان للسيف فيه ، على الإطلاق .. والذين يتحدثون عن عودة الإسلام و يتحدثون عن السيف ، يخطئون حقيقة الإسلام ، ويخطئون حكم الوقت ، في آنٍ معاً .. وهم يحسنون ، إلى انفسهم ، ويحسنون إلى الإسلام ، إذا تركوا هذه الدعوة المعوقة ..
لقد تحدثنا عن ثورة الإسلام الثانية في كتابنا .. "الرسالة الثانية من الإسلام" .. فالرسالة "الثانية من الإسلام" إنما تعني ما تعنيه "ثورة الإسلام الثانية" فليراجع هذا الكتاب بتـأنٍ ..
لقد أسلفنا القول بأن النبي مبعوث "بثورة الإسلام الأولى" ، "وبثورة الإسلام الثانية" .. وقلنا أنه في كلتيهما بشير ، ونذير .. وقلنا أن حظ البشارة في الثورة الأولى قد كان قليلاً ، وحظ النذارة كبيراً ، ومن ثم جاء السيف .. وقلنا أن حظ البشارة في الثـورة الثانية سيكون كبيراً ، وحظ النذارة قليلاً .. ولن يتعدى حظ النذارة التنفير من الجهل ، والتشجيع على العلم .. وهذا معنى قوله ، من الآية التي تمنع الإكراه ، و التي أوردناها قبل قليل: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ، لا انفصام لها .. والله سميع عليم" ..
والتبشير بالإسلام أمر يتطلب أن يكون المبشر، من سعة العلم بدقائق الإسلام، وبدقائق الأديان، والأفكار، والفلسفات المعاصرة، بحيث يستطيع أن يجري مقارنة تبرز إمتياز الإسلام على كل فلسفة اجتماعية معاصرة، وعلى كل دين، بصورة تقنع العقول الذكية.. وأن يكون من سعة الصدر بحيث لا ينكر على الآخرين حقهم في الرأي .. وأن يكون من حلاوة الشمائل بحيث يألف، ويؤلف من الذين يخالفونه الرأي.. وهذه هي الصفات التي لا تكتسب إلا بالممارسة.. أعني ـ أن يمارس الداعي دعوته في نفسه، وأن يعيشها ـ أعني أن يدعو نفسه أولاً، فإن إستجابت نفسه للدعوة دعا الآخرين.. فإن شر الدعاة هم الوعاظ الذين يقولون مالا يفعلون.. ففي حق هؤلاء وارد شر الوعيد.. قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون* كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".. ومقت الله شر ما يتعرض له العبد..
الثورة التي لا تقترن فيها القوة بالعنف إسمها الدقيق "التطور".. وهي، إذ تسمى ثورة، إنما تسمى من قبيل سرعة التغيير الذي يجري بها، فإنه من المألوف أن "التطور" وئيد، وأن "الثورة" سريعة.. وإنما كان التطور وئيدا لأن الذكاء البشري قد كان متخلفاً، وقد كانت العادة هي المسيطرة، والحائلة دون التجديد، بل حتى دون الفضيلة، في بعض الأحيان.. قال تعالى في النعي على العادة: "وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها.. قل إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله مالا تعلمون؟؟ * قل أمر ربي بالقسط، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه، مخلصين له الدين، كما بدأكم تعودون".. والتقدم البشري جميعه إنما هو محاولة أن يقوى الذكاء البشري و يتولى قيادة سفينة التغيير في مدارج التطور المستمر..