في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

تعلموا كيف تصلون

الفكر


الفكر هو طريق العودة فليس بيننا وبين الله مسافات نقطعها، وإنما بيننا وبينه حجب نرفعها.. والفكر هو طريق رفع الحجب.. وهذه الحجب الحائلة بيننا وبين الله تقع في مستويين: مستوى حجب الظلمات، ومستوى حجب الأنوار.. وإنما جاء الدين، بأوامره، ونواهيه، ليؤدب العقل بأدب الشريعة، وبأدب الحقيقة، حتى يستقيم، فلا يميل، يمنة، ولا يسرة.. ذلك بأن الجولان السريع بين اليمين واليسار هو آفة الفكر.. فقد كانت النفس صماء، ففتقها الخوف، ونتيجة لهذا الفتق نشأ العقل.. والفكر إنما هو وظيفة العقل.. الفكر هو جولان العقل بين الذاكرة والخيال.. أو قل بين النفس، والروح.. والروح إنما هي الطرف اللطيف من النفس.. وصحيح، أيضاً، التعبير بأن النفس إنما هي الطرف الكثيف من الروح.. آفة الفكر، كما قلنا، هي خفة جولانه بين طرفين: في أحدهما الإفراط وفي ثانيهما التفريط.. والفكر السليم هو الفكر المستقيم في نقطة الجمع بين الإفراط والتفريط.. ونقطة الجمع بين الإفراط والتفريط هي المسماة بالاستقامة.. وهي هي السراط المستقيم الذي وردت الإشارة إليه في أم الكتاب: ((اهدنا السراط المستقيم * سراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين)).. هذا: ((السراط المستقيم)) هو السواء، الوسط بين طرفين، في أحدهما: ((المغضوب عليهم))، وهم ((المفرطون)) في ((المادية))، وفي ثانيهما (الضالين) وهم ((المفرطون)) في ((الروحانية)). والاستقامة أعز مطالب الرجال، لأنها هي مرتبة الوجود الكامل، الذي لا يتوزعه الوهم بين ماضٍ قد انقضى ومستقبل غائب، لما يحن حينه بعد.. فالاستقامة هي العيش في ((اللحظة الحاضرة)).. فإن أنت استطعت أن تعيش في ((اللحظة الحاضرة)) مشتغلاً بتجويد الواجب المباشر، من غير أن تذهب نفسك أسفاً على الماضي، ولا وخوفاً من المستقبل - من غير أن يستخفك النصر، إذا نجحت، أو أن يقتلك اليأس، إذا أخفقت، فإنك تكون قد وردت معين الحياة الكاملة، التي منها صدرت، في سحيق الآماد.. وتكون بذلك مستمتعاً بكمال حياة الفكر، وكمال حياة الشعور، في داخل حصن آمن، ليس للشر إليه من سبيل.. هنالك الحياة الآمنة، من جميع الآفات، من المرض، ومن الشيخوخة، ومن الموت.. ذلك موعود الله، وإنما ينال موعود الله بفضل الله، ((والله ذو الفضل العظيم))، ثم بفضل الفكر السليم، المستقيم.. والاستقامة أصعب الأمور على العارفين.. ولذلك فقد قال المعصوم: ((شيبتني هود وأخواتها)) قالوا: يشير بذلك إلى قوله تعالى من سورة هود: ((فاستقم كما أمرت، ومن تاب معك، ولا تطغوا.. إنه بما تعملون بصير)) وفي مقام الاستقامة يحصل ((التوقف الفكري)). و((التوقف الفكري)) هو ما يعرف ((برفع حجاب الفكر)).. وبرفع حجاب الفكر هذا يتم الشهود الذاتي.. والشهود الذاتي هو ما اتفق للنبي الكريم، في المعراج العظيم، بعد أن تخلف جبريل، عند سدرة المنتهى.. وفي هذا المقام - مقام الشهود الذاتي - فرضت صلاة ((الصلة)).. وقد حكى القرآن عن حالة النبي، في ذلك المقام، فقال: ((إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر، وما طغى)) قوله: ((ما زاغ البصر، وما طغى)) إشارة إلى عدم جولان فكر النبي بين الماضي والمستقبل.. فكأنه أشار إلى رفع حجاب الفكر، فقد كان النبي، في هذا المقام، وحدة ذاتية، في وحدة زمانية، في وحدة مكانية - خرج عن الزمان، والمكان، فرأى من لا يحويه الزمان، ولا المكان - رأى ذات الله.. وهو قد قال، عن هذا المقام، يصف وحدة ذاته: ((ليلة عرج بي انتسخ بصري في بصيرتي، فرأيت الله)).. ثم إن النبي، عند عودته، وعند نزوله إلى مقام سدرة المنتهى، فرضت عليه ((الصلاة الشرعية)) صلاة ((المعراج)) وأمر أن يعرج بها، في ليله، ونهاره، يبتغي أن يبعثه الله ذلك المقام الذي بلغه في لحظة ((الجمعية الذاتية)) في مقام الاستقامة المطلقة، أو تكاد، حيث: ((ما زاغ البصر، وما طغى)).
والفكر مؤوف بآفات لا حصر لها، وسببها، جميعها، الخوف.. والطمع طرف من الخوف.. والهوى صنو الطمع.. وإنما جاء الدين - الإسلام والقرآن - ليطب لآفات الفكر.. ولذلك فقد بدأت الشريعة بتقرير حقيقة كبرى، حواها قول المعصوم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)).. وقد جاء في مقدمة كتابنا: ((أسئلة وأجوبة))، الكتاب الأول الطبعة الأولى، شيء عن تسديد الدين للعقول لتستوي، وتستحصد، يحسن بنا أن نسوقه للقراء ههنا:
(الإسلام والقرآن وسيلة، وإنما من أجل رياضة العقول على ((أدب الحق)) و((أدب الحقيقة))، حتى تقوى على دقة التفكير، جاء الإسلام، وأنزل القرآن وشرعت الشريعة.. فأنت، إذا سئلت عن الإسلام، فقل لهم: إنه منهاج حياة، وفقه تراض العقول، لتقوى على دقة التفكير.. والله، تبارك وتعالى، يقول، في ذلك: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.. ولعلهم يتفكرون)).. قوله تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر)) يعني القرآن المحتوي على الحقيقة، كلها، وعلى الشريعة، كلها.. الحقيقة التي هي أعلى من مستواك، والحقيقة التي في مستواك، والحقيقة التي في مستوى أمتك.. وعلى الشريعة التي هي في مستواك، والشريعة التي في مستوى أمتك - قوله تعالى: ((لتبين للناس ما نزل إليهم)) يعني لتفصل لهم الشريعة التي يحتاجونها، وطرفاً من الحقيقة التي يطيقونها، مما يزيد في فهمهم، واحترامهم للشريعة.. قوله تعالى: ((و)).. من قوله تعالى: ((ولعلهم يتفكرون))، يعني مرهم أن يعملوا بالشريعة، بعقول مفتوحة، وقلوب حاضرة.. قوله تعالى: ((لعلهم يتفكرون)) هو المعلول، وراء كل العلل، والمطلوب، وراء كل المطالب، والمقصود، وراء كل المقاصد.. يتفكرون في ماذا؟؟ في السموات والأرض؟؟ لا!! ليس فحسب!! فإنما هذا تفكير مقصود لغيره.. مقصود بالحوالة!! وأما التفكير المقصود بالأصالة فهو تفكيركم في أنفسكم.. قال تعالى: ((وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم!! أفلا تبصرون؟؟))..