((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




هذا هو الصادق المهدي!!

نحن والصادق وثورة مايو

نحن والصادق وثورة مايو:


ربما كان الصادق يقصد بحديثه عن مهادنة، ومخادعة، الحكام في الدول الإسلامية، تأييدنا لثورة مايو.. فنحن قد ظللنا نؤيد ثورة مايو منذ قيامها تأييدا مبدئيا، وندعوا الشعب لتأييدها والصادق موتور بصورة خاصة من تأييدنا هذا لثورة مايو، لأنه يشكل عقبة اساسية امام طموحه، وسعيه المحموم للسلطة... وهو قد قال في بداية حديثه عنا: (ودعوة الأخوان الجمهوريين التي ولدت في السودان منذ ربع قرن ولكنها بقيت ضعيفة حتى قيام حركة الخامس والعشرين من مايو 1969.. بعد قيام تلك الحركة دخلت الدعوات الإسلامية في السودان في نزاع مع السلطة الجديدة وانحاز الأخوان الجمهوريون اليها، فوجدوا مجالا للتمدد والإنتشار ولهم الآن عدد من الجيوب في بعض المدن السودانية وبعض المعاهد والجامعات وهي "دعوة الأخوان الجمهوريين" تجد من النظام الحالي في السودان نوعا من الإعتراف يشهد عليه تعيين اثنين من زعمائها "سيدة وأستاذ" في لجنة تطوير الإتحاد الإشتراكي التي باشرت اعمالها في بداية هذا العام) انتهى..
فالصادق يزعم انه بعد قيام ثورة مايو دخلت الدعوات الإسلامية في نزاع مع السلطة ما عدا الجمهوريين الذين ايدوا النظام الجديد.. وتخصيص الصادق للدعوات الإسلامية في معاداة النظام اراد به ان يقول ان سبب المعارضة هو سبب ديني، وهو يشير بذلك إلى تهمة احتواء الشيوعيين لثورة مايو.. ولكن هل حقا عارض الصادق وجماعة الإنصار، ثورة مايو بسبب تهمة احتواء الشيوعيين لها؟ فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ظل يعارضها بعد ان قامت بضرب الشيوعيين الذين قاموا بانقلابهم العسكري ضدها؟! ففي 19 يوليو 1971 دبر الشيوعيون انقلابهم العسكري ضد ثورة مايو، ووصلوا بالفعل إلى السلطة، ولكن بفضل الله تم القضاء على هذا الإنقلاب، الذي جاء ولم يمض على مايو الا حوالي العامين.. ومنذ فشل ذلك الانقلاب ظلت الشيوعية هي العدو الأول لثورة مايو، ولكن رغم ذلك استمر الصادق في معاداته للنظام، حتى قيام المصالحة الوطنية في 1977، اي حوالي ستة اعوام، مما يؤكد ان سبب هذه العداوة لا علاقة له بناحية دينية، ولا يرجع إلى تهمة احتواء الشيوعيين لثورة مايو، وانما سبب عداوة الصادق للنظام هو مطمعه في السلطة، لا أكثر..
ثم هل حقا عارضت جميع الدعوات الإسلامية ثورة مايو؟ وما هي هذه الدعوات؟ أولا، إن طائفة الختمية قد ايدت مايو، وهي لا تزال تفعل.. وقد عارضت جماعة الأخوان المسلمين نظام مايو، وحاربته مع الصادق بالسلاح، ثم عادت فصالحته.. واعضاء هذه الجماعة هم اليوم يشاركون في السلطة في مختلف المواقع، بما في ذلك الوزارة، وعضوية اللجنة المركزية للإتحاد الإشتراكي.. والصادق نفسه قد حارب النظام ثم عاد وصالحه، وادي قسم الولاء له.. ولذلك فإن الجماعات الإسلامية في السودان قد ايدت نظام مايو اما منذ البداية، او بعد حين، فالحقيقة على عكس ما زعم الصادق.. والصادق لا يستطيع ان يزعم ان معارضته لنظام مايو تنطلق من منطلق ديني، فإن لمايو من الفهم الديني التقدمي ما ليس للصادق.. وقد كان هذا الفهم منذ البداية، الا انه تبلور اخيرا في كتاب (النهج الإسلامي لماذا؟) وان لمايو من الإلتزام الديني، ما ليس للصادق كما ان الصادق، وهو يتعاون مع الشيوعية الدولية ويدعو لصداقتها كما بينا، لا يستطيع ان يدعي ان معارضته لثورة مايو تنطلق من منطلق ديني.. فالصادق، كما بينا، انما يعادي النظام بسبب سعيه الطموح للسلطة، وهو في سبيل هذا السعي يستعين بالشيوعية، أعدى اعداء الدين..

اعتراف السلطة:


قال الصادق ان دعوة الاخوان الجمهوريين تجد نوعا من الاعتراف من نظام مايو، ويشهد على ذلك تعيين اثنين من زعمائها... وقد اراد الصادق ان يقول ان هذا الاعتراف هو السبب في انتشار دعوة الجمهوريين، وقوتها، بعد ان كانت ضعيفة.... ولما كان الصادق ليس بداعية، وانما طالب سلطة، فهو لا يستطيع ان يتصور ان الدعوات انما تنتشر بما لها من قوة فكر، وما فيها من حق... ولقد كان الصادق في قمة السلطة في هذه البلاد، وله سند طائفي كبير فلماذا لم تنتشر افكاره؟ ثم هل اشتراك جماعة او تنظيم يعتبر اعترافا رسميا بهذه الجماعة وبافكارها؟؟ إذا كان الامر كذلك، لماذا اذن، لم يتحدث الصادق عن اعتراف النظام بدعوة الاخوان المسلمين، وهم اليوم شركاء في السلطة وقد اشتركوا في اللجنة الشعبية لتطوير الاتحاد الاشتراكي، التى يتحدث عنها الصادق، بل اشتركوا في الوزارة، واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي... بل ان الصادق نفسه قد اشترك في اللجنة الشعبية ممثلا باحد اتباعه، فهل هذا يعتبر اعترافا رسميا بالصادق ودعوته؟؟ وباللجنة الشعبية بعض الاخوان الجنوبيين، من المسيحيين، فهل هذا اعتراف بهم وبافكارهم؟! وإذا كان النظام يعترف بكل هؤلاء، وغيرهم، ممن اشتركوا في اللجنة الشعبية، فلماذا يريد له الصادق الا يعترف بالجمهوريين بالذات، ودون غيرهم؟!
اما زعم الصادق بان حركة الجمهوريين كانت ضعيفة ثم قويت بسبب اعتراف النظام بها، فهو قول متهافت، وظاهر البطلان.. فاذا كانت الدعوة الجمهورية قبل مايو ضعيفة فلماذا انزعج لها هو، ومن معه من زعماء الطائفية، والاحزاب التقليدية، حتى انهم دبروا ضدها مكيدة محكمة الردة 1968، تلك المكيدة السياسية الرخيصة؟! ان الصادق المهدي هو اول من يعرف قوة الفكرة الجمهورية، فهى قد ظلت تواجهه هو، وغيره من زعماء الطائفية، عبر تاريخ الحركة الوطنية، والحكم الوطني... وقوة الفكرة الجمهورية ليست في الكثرة العددية لاتباعها، وانما هى في الحق الذي تقوم عليه، وفى قوة فكرها ووضوحه، فاذا كان لابد للصادق ان ينزعج من الدعوة الجمهورية، فلينزعج من هذا الجانب، فهو الذي يشكل الخطر على طموحه، وعلى سعيه المحموم للسلطة.
لقد دخلنا نحن اللجنة الشعبية، وهي لجنة قومية ذات مهمة محددة دخلها حتى بعض معارضي النظام.. وقد كان دخولنا، عملا تمليه المصلحة الوطنية اذ انه جزء من نشاطنا في العمل على تماسك الجبهه الداخلية، في وقت كانت فيه البلاد تتعرض للتآمر من الداخل والخارج.. ولما كان الصادق على رأس المتآمرين على البلاد فقد انزعج لاسهامنا في تماسك الجبهه الداخلية، لانه يفوت الفرصة عليه.

الصادق والموقف من مايو:


اننا في تاييدنا لثورة مايو ننطلق من موقف مبدئي ثابت لا تمليه رغبة في كسب سياسي، ولا تحركه نزعة للاحتواء والوصاية.. ونحن قد بينا اسباب تاييدنا لثورة مايو في كتابنا (لماذا نؤيد سلطة مايو)، ولذلك نحن لا نحتاج ان نفصل في هذا الامر هنا... ويمكن ان نلخص هنا اسباب تاييدنا لثورة مايو في النقاط التالية: -
1) لقد اوقف نظام ثورة مايو المد الطائفي الذي كاد ان يعزز سلطته الدينية بالسلطة الزمنية الشاملة، وقد قطعت مايو الطريق الى السلطة امام الطائفية، واجهضت كل محاولاتها لاستعادة مراكز نفوذها القديمة، وهي الآن تقف سدا امام الطائفية، وهذا بالذات ما يجعل السيد الصادق يحقد علينا وعلى مايو معا...
2) قامت مايو بحل مشكلة الجنوب فاوقفت بذلك سفك الدماء بين الاشقاء...
3) اتجهت مايو الى اللامركزية والى تسليم السلطة للشعب..
4) اتجهت مايو الى التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية..
5) وقفت مايو ضد الخطر الشيوعى الذي يهدد البلاد..
6) اتخذت مايو سياسة خارجية واعية، خصوصا بالنسبة لمشكلة الشرق الاوسط، ووقوفها الى جانب المرحوم السيد انور السادات الذي قاطعته جميع الدول العربية ماعدا السودان وعمان والصومال..
ولكن لماذا عارض السيد الصادق ثورة مايو في البداية، ثم صالحها، ثم عاد يعارضها من جديد؟! ان السبب في جميع هذه الحالات واحد، فالصادق عندما يعارض هو يسعى الى السلطة وعندما يؤيد هو يسعى للسلطة ايضا.. فالهدف دائما واحد وان اختلفت الوسائل، وتناقضت... والصادق عندما عارض نظام مايو، لم تكن معارضته، معارضة وطنية شريفة، فهو، كما رأينا، قد استعان بالمال الأجنبي من بلد طامع في السيطرة على السودان، وبالسلاح الأجنبي، لتقتيل ابناء وطنه الابرياء، وهو قد استعان بالشيوعية الدولية ضد وطنه، ولذلك فإن معارضة الصادق ليست معارضة سياسية، وانما خيانة وطنية عظمى..
ومما يؤكد ان الصادق لا ينطلق في معارضته للنظام من مبادئ وانما من اغراض ذاتية ضيقة، كون الصادق يتفق مع النظام في كل القضايا الجوهرية، ويعترف له بإنجازاته، وهذا ما قاله الصادق نفسه فهو في مقابلة لجريدة القبس الكويتية معه نشرت بعدد 1905، ذكر انه يوافق على نظام الحزب الواحد، فقد قال: (اما الآن فموضوع عدم الرغبة في التفوق الحزبي والحرص على ايجاد وعاء قومي ديمقراطي هو محل اتفاق كل الاطراف).. والصادق بعد المصالحة دخل اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، وأدى قسم الولاء للنظام.. وعن نقاط اتفاق الصادق مع نظام مايو، قال لجريدة القبس: (ثانيا: لم يعد هنالك خلاف حول ان تكون التنمية والنظام الاقتصادي على اساس اشتراكي ثالثا: لم يعد هنالك خلاف على ان يكون التشريع في البلاد إسلاميا مع مراعاة حقوق الاقليات الدينية خصوصا في جنوب السودان – رابعا: المعارضة متفقة اساسا على نظام رئاسي جمهوري في الحكم وهو امر ليس محل خلاف – خامسا: لم يعد احد يطالب بان تكون القوات المسلحة كما هي في النظم اللبرالية بعيدة عن المسيرة السياسية فميثاق الجبهة الوطنية ينص على اهمية المشاركة السياسية للقوات المسلحة دون ان يؤثر ذلك على الانضباط اللازم لكينونتها – سادسا: هنالك اتفاق على اهمية الحكم الذاتي الإقليمي لجنوب السودان).. ويشيد الصادق بمشاريع التنمية فيقول: (ومن حسنات النظام الحالي في السودان التنبه بأهمية التنمية والتعريف بالإمكانيات السودانية والدخول في مشروعات معينة مثل غزل بورتسودان.. إلخ..) وذهب يعدد جميع مشاريع التنمية القائمة آنذاك.. ولقد كانت جميع هذه المسائل الأساسية التي ذكر الصادق انه يؤيد النظام فيها، قائمة قبل المصالحة الوطنية.. فتأييد الصادق للنظام في جميع هذه المسائل الجوهرية، تجعل معارضته له، قبل المصالحة ثم بعد المصالحة، معارضة، لا تجد اي سبب موضوعي، ولا يمكن ان يكون لها دافع سوى الأطماع، والأغراض الشخصية، وهذا هو الشأن بالنسبة للصادق دائما كما رأينا.

الصادق وقسم الولاء للنظام:


بعد المصالحة الوطنية ادى الصادق، كعضو في اللجنة المركزية، والمكتب السياسي، قسم الولاء لنظام مايو، وقد اوردت جريدة الايام الخبر، ومعه صورة السيد الصادق وهو يؤدى القسم امام السيد رئيس الجمهورية، في صفحتها الاولى.... وجاء عن الخبر في عدد 4/8/1978 ما نصه: (ادى السيد الصادق المهدي عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي السوداني القسم امام السيد الرئيس القائد جعفر محمد نميري مساء أمس بمكتبه بالاتحاد الاشتراكي).. وكان نص قسم الولاء الذي اداه السيد الصادق كما يلي: (اقسم بالله العظيم ان اكون مخلصا وصادقا لثورة مايو الاشتراكية وان ادعم تحالف قوى الشعب العاملة وتنظيمها القائد الاتحاد الاشتراكي السوداني).. هذا هو القسم الذي اداه الصادق.. وهو عهد قطعه على نفسه امام الله وامام التاريخ، وامام الشعب.. وهو قسم واجب الوفاء دينا، وخلقا، ورجولة.. وليس هناك استثناء، لأنه، كما هو واضح قسم غير مشروط بأي شروط..
ولكن الصادق قد حنث، وخان العهد.. وهو، كالعهد به دائما لم يكن وفيا، ولا صادقا... فقد اتجه الصادق للمعارضة من جديد، فبدل العمل على حماية النظام الذي اقسم على حمايته، اخذ يعمل على اضعافه وتقويضه.. وبدل ان يكون (مخلصا وصادقا لثورة مايو)، كما اقسم، أصبح يكيد لها، كيدا رخيصا... وقد دلل الصادق بكل ذلك انه رجل بلا قيم ولا مروءة ومحروم من ان يكون له نصيب من اسمه.. ولن يكون وبال كيده هذا الرخيص الا عليه (ان الله لا يهدى كيد الخائنين)..

(صورة السيد الصادق وهو يؤدى قسم الولاء لثورة مايو امام السيد رئيس الجمهورية)..