((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




هذا هو الصادق المهدي!!

الصادق والدعوة للإسلام

الصادق والدعوة للإسلام


لقد بينا في هذا الكتاب الكثير عن جهل الصادق، والكثير من تناقضاته، وانحرافه عن القيم السوية في التربية الدينية، والتربية الوطنية.. فهو رجل لا هم له الا نفسه.. وهو في سبيل تحقيق اغراضه، وطموحه السياسي لا يرعى للدين حرمة، ولا للوطن، ولا لاحد من الناس.. ويكفي الصادق من السوء انه يعترف بتدبير الغزو الليبي ضد بلاده، وباستعماله فيه المال الأجنبي، والسلاح الأجنبي.. ذلك الغزو الذي اريقت فيه الدماء وقتل فيه الأبرياء.. وليس في الدين جرم أكبر من قتل النفس التي حرم الله الا بالحق.. فـ (من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا..).. فالزعيم الذي يرضى ان يسير إلى السلطة على جثث مواطنيه، ويخوض لها دماء ابناء وطنه، لا يمكن ان ينتظر منه خير، لنفسه او لغيره، لا في الدين، ولا في الدنيا. ونؤكد للصادق ما سبق ان قلناه من ان الأرواح التي ازهقت، والدماء التي اريقت، لن تذهب هدرا، فهي ستفدي هذه البلاد ان شاء الله.. وكل من أزهق نفسا، او اراق دما، ستظل لعنة هذا الدم تطارده ابد الدهر.. ولا يحسبن الصادق (ان الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا!! فليشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله اسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.)
والصادق، رغم مفارقته لقيم الدين، يتوهم انه داعية إسلامي، ويجد من الصحف والمجلات العربية من يتعامل معه كداعية إسلامي.. وتعامل هذه الصحف، والمجلات مع الصادق، وهي صحف ومجلات حكومية في الحقيقة ليس تعاملا دينيا، بقدر ما هو تعامل سياسي، الغرض منه احتضان الصادق كمعارض للنظام في السودان، وتلميعه لاعتبارات سياسية بحتة ترمي إلى تقويض النظام الحاضر، ورفع الصادق للسلطة، وبسط نفوذهم هم على البلاد.. ثم ان الدعوة للدين ليست مجرد حديث يقال، وانما هي تقتضي في المكان الأول، ان يعيش الداعية قيم الدين في نفسه.. فمن يفارق قيم الدين في سلوكه، لا يمكن، بعد ذلك، ان يكون داعية للدين، مهما تحدث عنه بلسانه.. وقد رأينا الكثير من مفارقة الصادق للقيم الأساسية، فهو يقتل الأبرياء كما بينا، وهو يكذب بصورة متكررة.. وقد سئل النبي الكريم (هل يسرق المؤمن؟ قال: قد يسرق.. هل يزني المؤمن؟ قال: قد يزني.. هل يكذب المؤمن؟ قال: لا يكذب.) والصادق كما رأينا في حديثه عنا مغرض، شديد الغرض، وغير امين، يقول عنا بعكس ما نقول.. وهو كما قد رأينا قد أدى قسم الولاء لنظام مايو، على المصحف الشريف، ثم حنث بهذا القسم.. والصادق كما رأينا، يخون وطنه، ويتعاون مع اعدى اعداء الإسلام، والمسلمين – الشيوعية الدولية – التي جعل من نفسه مطية لها، تستغله في الدعاية لنفسها، وتستغله ضد بلده.. وهذه خيانة للوطن.. وخيانة للإسلام والمسلمين..
ورجل هذه صفاته لا مجال لأن يتوهم انه داعية إسلامي.. وهو لولا ان موازين القيم قد طففت، ما كان يستحق اعتبارا من أحد..

الصادق والموقف من النبي الكريم



ضرورة تقديس وتوقير النبي:


اننا نعيش في وقت بعد فيه الناس عن الدين، وعن قيمه، بصورة كبيرة، ومن أكبر مظاهر البعد عن الدين عدم المعرفة بمقام النبي الكريم، والبعد عن تقديسه، وتوقيره، والأدب معه بالصورة التي تليق به والذي يتأتى منه النفع للسالك وفق منهاجه.. وقد بلغ الأمر في بعد الناس عن تقديس النبي الكريم، والأدب معه، الحد الذي أصبح فيه البعض يجاهر بالدعوة للتقليل من مكانته صلى الله عليه وسلم.. وقد رأينا في هذا الكتاب كيف ان الوهابية يدعون إلى هدم قبته صلى الله عليه وسلم، ويعتبرون ذلك من أكبر القربات إلى الله، وهم قد بلغت بهم الجرأة على النبي حد القول ان قبته انما اوحي بها الشيطان!! وقد سار الصادق المهدي نفس سيرة الوهابية في التقليل من شأن النبي، والجرأة عليه، وعدم الأدب معه، وكذلك فعل الترابي.. وهذا انحراف في العقيدة خطير، يذهب الإيمان، ويحبط العمل، ونحن سنبين هذا بصورة وافية في موضعه.
والأمر الذي نحب ان نقرره هنا انه لا سبيل لبعث الإسلام الا ببعث كلمة التوحيد: (لا إله الا الله) حارة خلاقة، في صدور الرجال والنساء، بالصورة التي كان عليها الحال في البعث الأول.. ولا سبيل لبعث لا إله الا الله، الا سبيل تقليد النبي المعصوم في اسلوب عبادته وفيما نطيق من اسلوب عادته.. وبذلك جاء الأمر الإلهي، حيث قال القرآن الكريم: (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).. ولكي يكون تقليد النبي واتباعه عملا مثمرا، لا بد ان يكون صدر المقلد منطويا على تقديس، وتوقير كبير للنبي، وعلى محبة له.. فإن التقليد بغير وعي، وتمام إدراك، قليل الجدوى، وقد يكون عملا آليا لا روح فيه.. وقد جاء عن هذا الأمر في كتابنا (طريق محمد) ما نصه: (وأيسر ما يقوم عليه التقليد النافع ان يكون صدر المقلد منطويا على قدر كبير من التقديس، والتوقير للنبي، وهذا ما من اجله اخذ الله الأصحاب بالأدب معه، وامرهم بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: ((ان الله وملائكته يصلون على النبي، يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما))..) انتهى.. والصلاة على النبي ليست مجرد همهمة بعبارات تقال، او تكتب، كما هي الحال اليوم، وانما هي، إلى جانب الصلاة اللفظية، تقتضي استشعار التقديس، والتوقير له، صلى الله عليه وسلم..
ومما يؤكد خطورة عدم الأدب مع النبي، وعدم التسليم له وتوقيره، قول الله تعالي: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).. فمجرد وجود الحرج مما يقضي به النبي، وعدم التسليم له، يذهب الإيمان.. وفي آية أخرى يقول تعالي: (يا ايها الذين آمنوا لا ترفعوا اصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، ان تحبط اعمالكم وأنتم لا تشعرون).. فمجرد رفع الصوت فوق صوت النبي او الجهر له بالقول، يحبط العمل دون ان يشعر صاحبه – ونحن سنفصل في هذا الأمر بصورة وافية، فيما يقبل من صفحات – وقد قصدنا هنا ضرورة التقديس والتوقير له صلى الله عليه وسلم، وتبيين خطورة عدم الأدب معه، فأمر العلاقة مع النبي، امر دقيق وخطير، ويتوقف عليه امر الدين كله، فلا بد ان يؤخذ بالدقة والجد الكافي.
وتقديس وتوقير النبي، والأدب معه يقتضي معرفته، وكمال معرفته لا يتم لأحد من المؤمنين، فهو قد قال (ما عرفني غير ربي).. وفي حديث آخر قال: (لي ساعة مع ربي لا يسعني فيها ملك مقرب ولا نبي مرسل)!! فلما كان كمال معرفته غير ممكن، فكذلك كمال الأدب معه غير ممكن، فمهما تأدب السالك معه، هو دون ما يستحقه النبي من الأدب..
ومن المعرفة بمكانه، صلى الله عليه وسلم، ان نعلم انه أكمل من علم عن الله، وانه لا سبيل لمعرفة الله، الا بإتباعه وتقليده.. فعلم النبي محيط بعلم كل من عداه، فليس لأحد غيره ان يعلم علما لا يعلمه هو.. فجميع العلم في القرآن، وهذا معنى قوله تعالي: (وما فرطنا في الكتاب من شيء) وسبيل العلم عن الله من القرآن هو اتباع النبي، هو التقوى وفي ذلك يقول تعالي: ((واتقوا الله، ويعلمكم الله، والله بكل شيء عليم)).. وعبارة: (والله بكل شيء عليم) تعني هنا ان الله، يعلّم عن طريق التقوى، وكل شيء، ولا يوجد علم من علوم الدنيا والأخرى، الا والتقوى اليه سبيل.. والنبي هو أكبر من اتقى الله، وهو أكبر من علمه الله عن طريق التقوى.. وعن علمه قال النبي في حديث المعراج: (سألني ربي يا محمد أتدري فيما يختصم الملأ الأعلى؟ قلت انت ربي اعلم، فوضع يده على كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأولين والآخرين.. وعلمني علوما شتي: فعلما اخذ على كتمانه، اذ علم انه لا يقدر على حمله غيري، وعلما خيرني فيه، وعلما أمرني بتبليغه للعام والخاص من امتي من الإنس والجن).. فالعلم الذي امره بتبليغه للخاص والعام من الأمة، هو علم الرسالة، وهي تشمل القرآن المقروء بين دفتي المصحف، وتشمل تبيين القرآن، في التشريع، في مستوى حاجة الأمة، والتفسير، في مستوى طاقة الأمة.. وهو قد قال: (نحن معاشر الأنبياء امرنا ان نخاطب الناس على قدر عقولهم..).. فالرسالة، لا تشمل تبيين القرآن كله، كما يظن بعض الناس، لا في التشريع، ولا في التفسير، فإن ذلك ممتنع من جملة وجوه.. والعلم الذي خير في تبليغه يقع بعضه في حيز الولاية، ويقع سائره في حيز النبوة. ويظن بعض الناس ان النبي مأمور بتبليغ كل ما وعي عن ربه، وذلك ظن شديد الدلالة على قلة بصر هؤلاء بحقائق الدين..).. فالنبي اذن، يعلم علم الأولين والآخرين.. وعلمه يقع في ثلاث مستويات هي: مستوى الرسالة، ومستوى النبوة، ومستوى الولاية..
ومما تقتضيه المعرفة عن مكانة النبي، العلم بانه معصوم، وانه لا يقول الا حقا.. ومعنى العصمة، انه في جملة حاله لا يخطئ، وإذا أخطأ يصححه الوحي.. فكل ما صح وروده الينا عن النبي فهو لا بد صحيح، فهو اما انه صحيح منذ البداية، او انه صحيح بواسطة الوحي.. فلذلك لا يمكن مراجعته فيما صحت نسبته اليه، والا كانت هذه المراجعة طعنا في عصمته.
هذا حديث عام، وموجز، عن مفارقة الناس لحسن التأدب مع النبي، ولالتزام التقديس (والتقدير) والتوقير اللائق به.. وعن مكانة النبي، وضرورة تقديسه، وتوقيره، وحسن الأدب معه، ولمزيد من التفصيل يمكن الرجوع إلى كتابنا (طريق محمد).. ونحن قد قصدنا بهذا الحديث العام، ان نجعله بمثابة الخلفية، التي على ضوئها نقوّم موقف الصادق من النبي، ومن الأدب معه لنرى مدى الانحراف الخطير في عقيدة الصادق، ومدى ما ينطوي عليه من بعد عن الأدب اللائق بالنبي، ومن جهل بمكانته صلى الله عليه وسلم.. فقد وصل الأمر بالصادق حد الدعوة صراحة إلى التقليل من تقديس النبي، والدعوة صراحة إلى مراجعته، وبصورة يشمئز لها كل حس ديني سليم.

الصادق يدعو لعدم تقديس النبي:


لقد قدم الصادق المهدي في المؤتمر العالمي للدعوة الإسلامية، بحثا أسماه: (الصحوة الإسلامية ومستقبل الدعوة).. وبحث الصادق جميعه يحتاج إلى المراجعة، لكننا سنركز هنا على نقطة واحدة، هي موقفه من النبي الكريم، فهي كافية للتدليل على بعد الصادق البعيد عن الدين..
ومما جاء في بحث الصادق عن النبي قوله: (ولتدعيم النظرة المعبدية للإسلام، التمسوا صورة لرسول الله، ابعدته من الحكمة الربانية التي تؤكد بشريته وقربته من تصوير المسيحيين لعيسى عليه السلام. مع ان الأمر واضح في القرآن ((قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلى انما إلهكم إله واحد)) الآية. وايضا: ((قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا)). والأمر واضح ايضا من الحديث: روت ام سلمة رضي الله عنها انه صلى الله عليه وسلم قال: ((أني اقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي))..) انتهى.. اولا نحن لا نعرف جماعة من المسلمين ذهبت إلى تأليه النبي، كما فعل النصارى مع سيدنا عيسى.. فجميع المسلمين يعلمون ان النبي بشر، وهم يقرأون مثل هذه النصوص التي اوردها الصادق عن بشرية النبي، ويفهمونها.. فلا توجد ظاهرة في المجتمعات الإسلامية مثل ظاهرة تأليه النبي بالصورة التي تقتضي دعوة المسلمين إلى التقليل من تقديس النبي وتوقيره، بل الأمر على العكس من ذلك تماما.. هنالك ظاهرة واضحة تدل على التقصير الكبير في تقديس النبي وتوقيره، وعدم الأدب معه.. ويكفي ان جماعة مثل جماعة الوهابية تجاهر بعدم التوقير للنبي إلى حد اعتبار زيارته بقصد التبريك شركا.. وحديث الصادق نفسه دليل على وجود ظاهرة عدم التقديس والتوقير للنبي.. فالناس لا يحتاجون إلى من يدعوهم إلى عدم تقديس وتوقير النبي، بل هم في اشد الحاجة إلى من يدعوهم إلى تقديسه وتوقيره، والأدب معه، ومعرفة مكانته، صلى الله عليه وسلم.. وقد بينا، قبل قليل ان كل ادب مع النبي هو اقل مما يليق به، وان كل معرفة له، هي دون حقيقته، فهو قد قال: (ما عرفني غير ربي).
وكون النبي بشرا هذا لا يعني انه لا يختلف عن بقية البشر.. فالبشر يتفاوتون تفاوتا شاسعا في العلم بالله، والقرب منه.. والبشر جميعا، بما فيهم آدم ابو البشر، هو وسيلتهم إلى هذا العلم، وهذا القرب من الله.. فالنبي هو أكمل البشر، وسيدهم، ووسيلة كمالهم.. وفي هذا يقول الإمام البصيري امام المديح، عن النبي: -
ومبلغ العلم فيه انه بشر لكنه في الورى ما مثله بشر
والآية التي اوردها الصادق نفسه لا تعني ان النبي لا يتميز على بقية البشر، فهو بشر، لكنه يتميز على بقية البشر بانه يوحى اليه: (قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلى..) فالصادق، لشيء في نفسه، لم يرد الوقوف عند عبارة (يوحى إلى انما إلهكم إله واحد).. والنبي قد اعد لهذا الوحي منذ الأزل فهو قد قال: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين).. وهذا يعني انه كان نبيا شاعرا بنبوته.. فهو مصطفى، ومرعي، قبل ميلاده.. تخيرت له الأصلاب والأرحام.. فهو كما قال: (خيار من خيار). ثم هو قبل ميلاده: (وهو جنين في رحم امه كان يختلف عن الأجنة في الأرحام، فقد بريء وحام امه به مما تتعرض له وحامى النساء من الغثيان، وخبث النفس، واستيفاز الشعور.. وكان حمله على امه خفيفا، تجد بركته في يقظتها بالصحة، وبهجة النفس، وبالمسرة المتصلة.. وتجد بركته في نومها بالرؤي المفرحة.. وبمثل ذلك اختلفت طفولته، واختلفت يفاعته، واختلف شبابه، حتى لقد أيقن انه خلق لغير ما خلق له اترابه من الشباب).. ثم بعد ذلك قد اعد النبي اعدادا فريدا أنفق فيه خمس عشرة سنة بغار حراء، يصوم النهار ويقوم الليل.. يتحنث، ويتخضع، ويتزلف، حتى إذا استعد المكان منه لتلقي القرآن كان اول ما نزل عليه زيادة في الإعداد برسم طريق الصيام، والقيام، فقال تعالى في ذلك: ((يا ايها المزمل * قم الليل الا قليلا * نصفه او أنقص منه قليلا * او زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * انا سنلقي عليك قولا ثقيلا * ان ناشئة الليل هي اشد وطأ واقوم قيلا..)) يقول تبارك وتعالى لنبيه الكريم: (انا سنلقي عليك قولا ثقيلا).. فلكأنه يطلب منه الاستعداد لسماعه، ولمتابعته، حين يلقي عليه، والاستعداد لحفظه، ولفهم ما يفهم منه.. والاستعداد للعمل بما يجب عليه العمل به منه..
فالنبي بشر، ولكنه ليس كسائر البشر، كما يريد الصادق ان يفهمنا، فهو قد اعد اعدادا خاصا، ليبلغ مكانة خاصة، أصبح بها فوق سائر البشر، وفوق الملائكة، فهو قد قال (لي ساعة مع ربي لا يسعني فيها ملك مقرب، ولا نبي مرسل) كون النبي بشرا امر مفهوم لجميع المسلمين، فماذا يريد الصادق ان يقرر بتوكيده؟! ان حقيقة ما يريد الصادق هو ان يقرر ان النبي، فيما ليس فيه وحي، بشر كسائر البشر، فهو صاحب رأى، يمكن مراجعته فيه، ونحن سنرى انه قد دعا لهذه المراجعة صراحة، فكأن الصادق يريد ان يقول للناس لا تقدسوا النبي بالصورة التي تحجب عنكم بشريته، وانه يخطيء ويصيب كبقية البشر، فلا تستطيعون مراجعته، بسبب هذا التقديس!! ولذلك اورد الصادق نص الحديث النبوي: (أني اقضي بينكم بالرأي فيما لم ينزل فيه وحي) فهو قد اراد بإيراد هذا الحديث ان يقول ان رأى النبي، فيما ليس فيه وحي، هو مجرد رأى يمكن مراجعته فيه، كبقية البشر: وسنرى في السطور القليلة الآتية ان هذا الذي قلناه هو حقيقة ما يرمي اليه الصادق.. والصادق لم يتعرض على تقديسه هو كزعيم طائفي ولا على تقديس بقية الزعماء الطائفيين!!

حديث تلقيح النخيل:


لقد ضلل الفهم الخاطئ لحديث تلقيح النخيل الكثيرين وبعد بهم عن الدين... والصادق المهدي ممن ضللهم الفهم الخاطئ لهذا الحديث، فخاض فيما خاض فيه من امر النبي دون علم، ودون ورع.. فقد قال الصادق في بحثه عن النبي: (واعماله كخبير زراعي قال عنها عندما لم يثمر النخل: "أنتم اعلم بشئون دنياكم") ولقد ذكر الصادق قوله هذا في إطار تعداد المجالات التي تمت فيها مراجعة النبي، حسب زعمه، فهو قد قال (فأفعاله كقائد عسكري روجعت عندما اتخذ موقع آخر في واقعة بدر لكي يمنع القرشيين من مورد الماء. وصحح القرآن بعض اجتهاداته مثل قبوله فداء أسرى بدر، واعماله كخبير زراعي قال عنها عندما لم يثمر النخل "أنتم اعلم بشئون دنياكم") انتهى.. ورواية حديث تلقيح النخل كما وردت عند مسلم تقول (عن رافع بن خديج قال: "قدم نبي الله المدينة وهم يأبرون النخل "يجعلون طلح الذكر في طلح الانثى" فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه، فقال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه فنفضت او فنقصت، فذكروا له ذلك فقال: أنتم اعلم بأمور دنياكم) – وقد فهم البعض، مثل ما فهم الصادق ان النبي لا يعلم امور الدنيا، وذلك اخذا من عبارته: (أنتم اعلم بأمور دنياكم) وهذا فهم سقيم لا يجد ما يسوفَه... فالنبي الكريم لا يمكن ان يجهل ما عليه مألوف الناس من العلم البديهي، فلا يمكن عقلا، ولا دينا، ان يعتقد ان النبي لا يعلم ان النخيل لا تثمر إذا لم يتم تلقيحها، فهذا امر بديهي يدركه كل انسان سوي، عاش في بيئة ينمو فيها النخيل.. ومن سوء الادب، الذي لا يدانيه سوء، الظن بان النبي يقصر عن إدراك البديهيات.. فلا بد ان النبي كان يرمي بحديثه هذا الى امر أكبر مما عليه مألوف علم الناس... فالنبي الكريم معلم توحيد، فهو قد اراد بحديثه هذا، ان يعلم الناس انه ليس في امر التوحيد اسباب تؤدى الى اسباب، وانما الاسباب هي سلسلة من استعداد المحل بالقابلية لتلقى الحركة المقبلة عن الله، فالأسباب الظاهرية هي اسباب في الشريعة فقط، وعند تجويد التوحيد، يظهر لنا ان الاسباب جميعها تنتهي الى سبب واحد هو الله... فليس من التوحيد مثلا، الظن بان النار هي سبب الاحراق، فإن وجدت وجد الاحراق، حتما مقضيا. وكما انه ليس من التوحيد الظن بان التلقيح هو سبب الاثمار... ولقد ظن النمرود صاحب ابراهيم الخليل، ان النار هي سبب الاحراق ولذلك قذف ابراهيم فيها.. ولكن النار لم تحرق ابراهيم، وذلك لان الاذن الإلهي بالأحراق لم يصدر الى النار، فقد استعد المحل للإحراق، ولم يصدر الاذن بالأحراق فلم يحدث.. بل صدر الامر بقوله تعالى: (يا نار!! كوني بردا، وسلاما على ابراهيم).. فمن هنا يتضح ان سبب الاحراق الحقيقي ليس هو النار وانما هو الاذن الإلهي، فلما تخلف لم يحدث الاحراق.. وكذلك الامر بالنسبة للنخيل، فإن سبب الاثمار الحقيقي، ليس هو التلقيح، وانما هو الاذن الإلهي، وهذا ما اراد النبي الكريم ان يعلمه للناس بحديث تلقيح النخيل وهو عندنا قال لهم لو لم تلقحوها لأثمرت، كان قوله هذا في مستوى النبوة، ولما لم يكونوا هم في هذا المستوى، نزل اليهم الى مستواهم، مستوى الرسالة، مستوى الشريعة، مستوى الاخذ بالأسباب فقال لهم: (أنتم اعلم بأمور دنياكم) ... فالنار لم تحرق سيدنا ابراهيم... لان دنيا ابراهيم لم تكن دنيا الاسباب، وانما هي دنيا التوكل على الله، دنيا النظر الى مسبب الاسباب.. ولذلك هو لما جاءه جبريل يسأله، وهو في المنجنيق ليقذف به في النار: (ألك حاجة؟؟ قال: اما اليك، فلا!! قال جبريل: فإلى ربك؟؟ قال: علمه بحالي يغنيه عن سؤالي!!) فالموقف الحرج لم يجعل ابراهيم يذهل عن ربه، وينظر الى ما هو دونه من الاسباب، حتى لو كانت هذه الاسباب هي جبريل نفسه.. فلما كان سيدنا ابراهيم على هذا المستوى الرفيع من التوحيد، ومن العلم بالله لم تحرقه النار.. اما الاصحاب عندما لم يلقحوا النخيل لم تثمر لان دنياهم كانت دنيا الاسباب، ولو كانت دنياهم هي دنيا التوكل بالصورة التي كان عليها محمد وكان عليها ابراهيم لأثمر النخيل دون ان يلقحوه، كما أخبرهم بذلك النبي، دون ادني ريب.. فما قاله النبي حق، وهو أصل الدين.. وفي هذا المعنى يجيء قوله تعالي: (وامر اهلك بالصلاة، واصطبر عليها.. لا نسألك رزقا، نحن نرزقك، والعاقبة للتقوى).. فكان سبب الرزق، في آخر الأمر، هو معرفة الله، لا اتخاذ الأسباب، وقد جاء في شرح هذه الآية في تفسير ابن كثير ما نصه: (وقوله "لا نسألك رزقا نحن نرزقك" يعني إذا اقمت الصلاة اتاك الرزق من حيث لا تحتسب كما قال تعالى "ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب" وقال تعالى "وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون * ما اريد منهم من رزق وما اريد ان يطعمون * ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين" ولهذا قال: "لا نسألك رزقا، نحن نرزقك". وقال الثوري: "لا نسألك رزقا، اي لا نكلفك الطلب") انتهى.. ففي أصل الدين التقوى هي سبب الرزق، لا الأسباب الظاهرية.. فالسبب في الشريعة قائم، ولكنه في الحقيقة غير قائم.. والمطلوب الأخذ بالأسباب دون الوقوف معها، وهذا لا يتم الا بالفناء عن الأسباب اول الأمر.. من كل ذلك يتضح ان قول النبي: (أنتم اعلم بأمور دنياكم) لا يمكن ان يفهم منه ان النبي لا يعلم امور الدنيا، خصوصا الأمور البديهية التي يعلمها عامة الناس.. فالنبي أكثر الناس فطنة، وأكثرهم ذكاء، وعلما.. واتهام النبي بانه لا يعلم الأمور البديهية مما عليه مألوف علم الناس، اتهام شنيع ما كنا نظن انه يمكن ان يصدر من رجل مسلم.. وعلى ضوء حديث الخيل هذا يمكن ان تقاس الأمور الأخرى التي زعم الصادق ان النبي قد روجع فيها.. ونحن سنتناولها بالتفصيل..