في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الصَّـوم بين الكبت وفض الكبت

ما هي ليلة القدر الكبرى:


هذه هي ليلة القدر الصغرى، وهي تنزل من ليلة القدر الكبرى، وهي نفحة من نفحاتها، وهي تعمل في اعداد الأرض لليلة القدر الكبرى، فما هي ليلة القدر الكبرى؟
هي تمام تنزل (الله) بالمعنى القريب - الحقيقة المحمدية – من الملكوت، إلى عالم الملك مجسدا، في اللحم والدم أو قل هي ظهور المسيح، الأصيل الواحد، (هل ينظرون الا ان يأتيهم الله، في ظلل من الغمام، والملائكة، وقضي الأمر، والي الله ترجع الأمور..) – راجع كتابنا: (القرآن ومصطفي محمود والفهم العصري).. (إنا انزلناه في ليلة القدر)، يعني القرآن، وهو، الآن، يعني تجسيد القرآن – يعني (المسيح) يعني الله – و(ليلة القدر خير من ألف شهر) يعني خير من ألف سنة. وهذا اليوم وارد في القرآن: (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون)، ألف عام من السلام، والمحبة، والعدل.. وقد فصلنا أمر هذا النزول في كتابنا (الاسراء والمعراج، السير الأفقي والسير الرأسي)، فليرجع إليه من يرد التفصيل.. (تنزل الملائكة والروح فيها).. (الروح) تعني المسيح، و(الملائكة) هم أعوان المسيح.. فإن العلم، وروح السلام، والمحبة، التي تتنزل إلى الأرض تجعل أهل الأرض كأنهم ملائكة في طاعتهم لله، وفي سلامة قلوبهم، فإن الله في الملكوت لا يعصيه أهل الملكوت – الملائكة – ولكنه يُعصى في الأرض – وعندما ينزل إلى الأرض لا يعصيه أهل الأرض.. وطاعة أهل الأرض يومئذ أكبر من طاعة الملائكة، لأن طاعة الملائكة طاعة مضروبة عليهم بلا حرية، أما طاعة أهل الأرض فستكون طاعة العلماء الأحرار.. وبهذه تملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا: (سلام هي حتى مطلع الفجر).. يستمر السلام حتى نهاية الألف عام ثم يأخذ الخط البياني في النزول، قليلا، قليلا، حتى قيام ساعة الخراب – خراب الدنيا، وبداية دورة الوجود الأخرى.. فالسلام، والمغفرة، التي تنزل في ليلة القدر الصغرى، تنزل على قلوب العباد المستعدين لذلك التنزل.. هي للذين يختصهم الله من المجودين.. أما ليلة القدر الكبرى فهي سلام، ومغفرة، لكل الناس – كل الناس فيها مقبلة على الله بكليتها – هي سلام في الآفاق، وسلام في النفوس، تُنزع فيها الضغائن من القلوب ويعم الخير الأرض.. يفيض المال حتى لا يقبله أحد، يجتمع المفترس والأليف – الذئب والحمل – فيتحقق في ذلك اليوم نموذج من جنة الأخرى على الأرض.. وانما كانت ليلة القدر في شهر رمضان لمكان استعداد القلوب في هذا الشهر المبارك للتنزل.. فإن الحالة الروحية العالية التي يكون عليها الصائم بفضل الله، ثم بفضل الصيام الذي يعمل على تنقية الدم فيحد بذلك من طيش، واندفاعات، الشهوة ويشحذ الذكاء ويصفي العقل، ويقويه، ثم بفضل الالتصاق بالله ودوام الحضور معه بمراقبة عيوب النفس ومحاسبتها، وبتجويد صلاة الليل، وكثرة قراءة القرآن في الصلاة، ثم بفضل بركة هذا الشهر الذي قال عنه النبي: (تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب الجحيم وتُغل فيه الشياطين)، هذه الحالة الروحية هي التي تزيد التنزل على القلوب، وتجعل هذه القلوب أكثر استعدادا للتلقي.. وتنزل الله، في الحقيقة، لا يتقيد بزمن معين، ولا مكان معين، بل إن – الفيض الالهي انما يتنزل في كل لحظة، ولكن ما يقيده هو عدم استعداد القلوب له وذلك لمكان الغفلة عنه: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا انهم عن ربهم، يومئذ، لمحجوبون) فلا تنتظروا ليلة القدر - سواء كانت صغرى أم كبرى – في رمضان وحده، ثم بانقضائه ينصرف اهتمامكم بها إلى رمضان المقبل ولكن اشيعوا الحالة الروحية العالية التي تكتسب بفضل الله، ثم، بفضل تجويد الصوم في رمضان، اشيعوها في سائر أوقاتكم، فستتنقل معكم ليلة القدر ، تتنزل عليكم في كل حالة رضا بالله، وفي كل لحظة مصالحة معه.. انكم، ان تفعلوا ذلك، لا يتقيد نزولها عليكم بشهر معين، ولا بيوم معين، فإن للعباد المجودين في كل يوم ليلة قدر هي مقدار حالة الصفاء، والسلامة التي تتم لهم، فينهمر الفيض الالهي عليهم بما يزيد رضاهم بالله، وتسليمهم له..