في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الصَّـوم بين الكبت وفض الكبت

قيمة الصوم:


الصوم هو الاستعانة بالامساك عن شهوتي البطن والفرج، على يقظة الشعور، وشحذ الفكر، لتقوم المراقبة لجميع حركات الصائم، وسكناته، في اليوم.. ولقد كان لتقييد شهوتي البطن والفرج، في بداية عمر الفرد البشري، فضل كبير في نشأة العقل الإنساني، وفي تطوره وانضباطه، ولنشوء المجتمع الذي يعتبر من أكبر الوسائل المعينة للفرد على تحقيق حريته.. فشهوة البطن هي الحاجة إلى الرزق، وفيها يندرج مفهوم الملكية الفردية، ومفهوم اكتناز المال.. ومن عبارة (شهوة الفرج) يجيء معنى العرض، فإن أول عرف تواضع عليه المجتمع، لهو العرف الذي ينظم الملكية الفردية، وينظم العلاقة الجنسية – حفظ المال وحفظ العرض – وبه أصبح تعايش الأفراد في جماعة ممكنا، وذلك بفضل الله ثم بفضل المقدرة على الوفاء بهذا العرف. وبالتزام الفرد بالوفاء بهذا العرف فقد جعل بينه وبين الحيوان أرضا واسعة تميزها سعة الخيال، وضبط النفس، لأنه أصبح يقيد من نزواته واندفاعاته الحيوانية بما يرضي آلهة الجماعة، ويرضي الجماعة، ويرعى قوانينها، وهو يجد في كل أؤلئك الأمن، والاستقرار والمحبة، فقويت بذلك ارادته على سوق نفسه في خط الجماعة، وقوي عقله ليميز بين ما يرضي الجماعة وما يغضبها، وانفتح ذهنه على مراعاة الغيب في معنى ما يراعي آلهة الجماعة، ويحسب الحساب لغضبها، ويتسقط مرضاتها.. وبهذا القانون العظيم اطرد تطور الفرد، واطرد، تبعا لذلك، تطور المجتمع، ونشأ الكبت، وترسب في سراديب العقل الباطن.. ووقع هذا الكبت على الاندفاعات والرغبات التي لا يرضاها المجتمع ولا ترضاها الآلهة، فهناك من الرغائب ما كبت بحق، ومنها ما كبت بغير حق.. والحقوق تتنزل على حكم الوقت فما كبت بحق اليوم قد يصبح الاستمرار في كبته غدا غير الحق.. ولقد تطور القانون الأول، مع ارتقاء الفرد وسماحة المجتمع، حتى وصل الينا فيما سمي بقانون الحدود في الإسلام.. فهذا القانون يقوم على أصلين: حفظ المال (حد السرقة وقطع الطريق)، وحفظ العرض (الزنا والقذف)، وهما انما يرجعان إلى أصلين أيضا، هما شهوتي البطن والفرج.. ولقد خدم هذا القانون الفرد أجل خدمة في تقوىة ارادته وفي شحذ فكره، وفي صون المجتمع، وحفظه، وتماسكه.. ولقد جاء الصوم بتقييد شهوتي البطن، والفرج، ليعمل في نفس اتجاه القانون الأول، بغرض شحذ الفكر، وايقاظ الشعور أيضا.. فالقيد الأول عمل على اخراج الإنسان من الحيوان بأن قسمه من صمامة الحيوانية فأبرز فيه العقل، والإرادة، ولكنه رسب في أعماقه طبقات كثيفة من الكبت تسيطر على سلوكه، وعلى تفكيره.. وهذا الكبت هو أكبر معوق لمسيرة تطوره نحو الكمالات المرتقبة وقد كان قبلها مصدر تطوره وارتقائه.. فالكبت اليوم هو مصدر الخوف والقلق والحيرة والانفصام، فإن كل معايب السلوك الإنساني انما ترجع إلى الخوف، الخوف على الحياة.. فالغريزة الجنسية هي أكبر تعبير عن تلك الحياة، والحياة هي الغريزة الأصلية.. وأول التواء منها قد وقع بسبب الخوف على الرزق وهذا قاد إلى حب التملك، لأنه ارتبط بمفهوم الحياة في أول النشأة.. فقد كان الفرد يرى الجماعات تموت بسبب الجوع، وتنقرض بفعل المجاعات، فاستقر في خلده ان الحياة تُحمى بكثرة الرزق، وجمع المال.. فاندفاعات الفرد الطائشة والتي صحبته حتى اليوم في تحصيل شهوتي البطن والفرج، بغير قانون، قد كانت بدافع من الخوف على الحياة.. فكل الكبت المترسب فينا انما سببه الخوف، والتخلص منه انما يكون بالتحرر من الخوف الذي أوجده.. فالصوم هو وتوأمه الصلاة يعملان كامتداد لذلك القانون الذي أبرز العقل.. فالصوم يشحذ الذكاء (الروح) ويعطيه نفاذا، ومضاء، لأنه يؤثر على الدم فينقيه، ويقلله ويحد بذلك من طيش واندفاعات الشهوة: (ان الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالصوم).. ثم أنه بالصلاة يتعرض العقل لضياء الروح فيزداد صفاء وقوة..