في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الصَّـوم بين الكبت وفض الكبت

الخوف، والأمر والنهي:


ومن معايب السلوك التي تعبر عن الخوف، حب السيطرة على الآخرين المتمثل في اصدار الأوامر، والنواهي، وطلب الطاعة والتسليم، وقديما قيل: -
لقد صبرت عن لذة العيش أنفس وما صبرت عن لذة النهي والأمر
فالنهي والأمر انما هما من الخوف، لأننا نتصور أننا نأمن خطر الآخرين بأن تكون لنا السيادة عليهم.. فالنفس لا تجد كبير عناء في الصبر عن لذة العيش، ولكنها تجد كل المشقة في التخلي عن رغبتها في طلب السلطة، والسيادة، والتعالي على الآخرين.. ومن أبرز القيم السلوكية التي يحققها الصوم للسالك المجود أنه يكبح جماح النفس، ويقلل من نزوعها للتسلط، ذلك بأن الصوم انما هو انتصار للعقل واضعاف للجسد – بالجوع – حتى يسهل على العقل توجيه اندفاعات النفس وكبح طيشها، فهو يراقب الانحرافات في القول، وفي العمل، وفي الخاطر، وفي الفكر، وفي أعماق العقل الباطن، حتى يكون هوى النفس تبعا لما جاءت به الرسالة ثم النبوة ثم الولاية.. وقد قال النبي (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).. وما جاء به يقع في هذه المستويات الثلاث (الرسالة) – مخاطبة الناس على قدر عقولهم، في القرن السابع، وهي الشريعة – وقاعدتها (الحلال بين، والحرام بين) أخذا من الحديث: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه، ومن حام حول الحمى يوشك أن يواقعه)..
والمستوى الثاني هو (النبوة) وهي عمل النبي في خاصة نفسه، ويعبر عنها بالطريقة، أو (السنة)، وهي شريعة وزيادة، وذلك بفرض (صلاة الليل) في حقها، و(إنفاق العفو) وبإدخالها الأمور المشتبهات في اعتبارها، لتتقي، (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه)..
واما (الولاية) فهي العلم بأسرار الألوهية، وأولها علمنا بأن الله خير محض، وان مآل كل الخلائق إلى الخير الصرف، وما الشر الذي نراه اليوم الا أمر مرحلي اقتضته ضرورة تعليمنا لنستيقن حقيقة (ان الله خير محض)، وحينئذ لا نلقى الشر، ولا نجد الا ما نحب، ونرضى..
ومن هذا الاعتبار جاءت العبادات، وما نلقاه، في الصوم بخاصة، من مشقة، وعن هذه الحكمة التعليمية جاء قول الله تعالى: (ما يفعل الله بعذابكم ان شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما).. وفي مستوى الرسالة والنبوة يتلقى النبي العلم من الله عن طريق الوحي بواسطة (الملك) ولكن في مستوى (الولاية) فإنه انما يتلقى العلم كفاحا، بلا واسطة، وفي هذا كرامة للعقل، للإنسان، وعن هذا المستوى قال النبي (لي ساعة مع الله لا يسعني فيها ملك مقرب، ولا نبي مرسل).. وذلك لأن ما يرد عليه من العلم في تلك الساعة لا يقدر عليه أحد غيره..
ومعرفتنا للنبي في مستوياته الثلاثة أمر لا بد منه للبعث الإسلامي الجديد.. فالنبي في مستوى الرسالة (الشريعة) انما تنزل لواقع الناس، وعلى (قدر عقولهم) في القرن السابع.. وأما اليوم، فإن الناس قد تهيأوا للأخذ بالسنة (العمل بالطريقة) وأعينهم مفتوحة على مستوى (الولاية) حيث يثمر عملهم، في (الطريقة)، علما بأسرار الالوهية، وبذلك تكون لكل فرد، مجود ولايته، (صلته بالله)، (علمه بالله)، وهذا هو معنى قول النبي (العلماء ورثة الأنبياء).. ولا يظنن أحد، جهلا، كما يظن الفقهاء، بأن هذا الحديث انما يعني علماء الرسم – علماء الشهادات، كلا!! فهؤلاء لا عبرة بعلمهم لأنه علم لا يتبعه عمل، بل هم، أسوأ من ذلك، قد حجبوا بعلم السطور عن علم الصدور الذي قال عنه تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم)..
وللقارئ أن يرجع إلى كتابنا (طريق محمد) ليطلع على المزيد من التعريف بمقامات النبي الثلاثة: (الرسالة)، و(النبوة)، و(الولاية)..
فالصوم انما يحرر من الخوف لأنه يعني، في أول الأمر، الاقلاع عن كل مظاهر الخوف التي تعبر عنها النفس البشرية. فكل الصفات الذميمة انما ترجع إلى الخوف كالغيبة، والنميمة، والكذب، والغضب، والأنانية، والحقد، والحسد، والبخل، والكراهية، والأذى بالقول، وبالفعل، وبالخاطر، والاسراف في الأكل، وفي النوم، وفي الكلام، وفي الملبس، وفي المسكن، وكالتعالي، وحب المدح.. ثم يأتي بعد ذلك دور العقل الصافي، ليسلس بوسيلة الصوم، قياد كل واحدة من هذه الصفات حتى يقودها فيرجعها إلى أصلها – إلى الخوف، فلا يجد موجبا له، فينفتح بذلك الطريق إلى الخلاص من أصل الداء – من الخوف..