في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الصَّـوم بين الكبت وفض الكبت

وجه الشبه بين الصوم والحدود:


ويلاحظ ان هناك شبها كبيرا بين قانون الحدود وبين فريضة الصوم، فكلاهما يعمل على تقييد شهوتي البطن والفرج – لحفظ العرض وحفظ المال – بغرض ابراز العقل القوي وذلك باضعاف الجسد، بألم الحرمان، او بألم العقوبة، وكلاهما حق الله. فالحدود دون سائر القوانين في الإسلام، هي حق الله، فاذا بلغت الامام وقامت كل اركانها، لا يجوز لأي إنسان، حتى ولا للنبي الكريم، أن يعفو عنها، قال تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) وقال النبي: (وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)..
والصوم دون سائر العبادات هو أيضا حق الله: (الصوم لي وأنا أجزي به)
فالحدود ضبط للنفس وفق تشريع الجماعة – الاحكام – وهذا مستوى (القانون).. والصوم ضبط للنفس وفق تشريع العبادات – المنهاج الفردي – وهذا مستوى (التربية) ويمكن القول بأن تشريع الحدود يمثل آيات الآفاق بينما الصوم يمثل آيات النفوس، في ضبط النفس: (سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟).. (حتى يتبين لهم أنه الحق) حتى يبرز لهم العقل الذي لا يتأثر بالرغبة، العقل الذي تحرر من الكبت وهذا هو عقل الإنسان المؤدب بأدب الدين، الإنسان الذي يمشي سويا على سراط مستقيم: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى، أمّن يمشي سويا على سراط مستقيم). فالحيوان مكب على وجهه، دائم النظر إلى الأرض، وفي ذلك الاشارة إلى الاسترسال مع مطالب الجسد، وتحصيل اللذة العاجلة بكل سبيل، دون التطلع إلى أي قيمة علوية، فهو يعيش مع مطالب النفس السفلى.. وأما الإنسان فإنه يمشي بقدميه على الأرض ورأسه يتطلع إلى السماء، وفي ذلك الاشارة إلى تطور النفس السفلى نحو الكمالات الموجودة في النفس العليا.. وعبارة: (يمشي سويا)، التي امتاز بها الإنسان على الحيوان انما هي في قوة الإرادة، على كبح جماح النفس، وفي العلم الذي هو هادي التطور.. وقوة الإرادة اشارة للصوم والعلم اشارة إلى الصلاة.. (استعينوا بالصبر والصلاة) والصبر هنا الصوم..
هذه هي قيمة الصوم، فهو يبدأ بالبدايات البسيطة في التخلص من الأخطاء الغليظة، والعادات السيئة، ثم ينتقل ليكون هجرة من رغائب وحظوظ النفس السفلى، إلى رغائب وحظوظ النفس العليا.. وهو انما يتابع هذه الحظوظ في كل مستوياتها، في العمل، وفي القول، وفي الضمير المغيب، في سراديب العقل الباطن، ليكون، في النهاية، فطما للنفس عن الرغبة في كل ما سوى الله.. فانظروا إلى صيامكم ماذا حقق لكم من هذه القيمة، وأين وضعكم من هذه الدرجات.