في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الجمهوري والمهاجر والأكتوبري

المذهبية:


لقد اخذ الجمهوريون على الحركة الوطنية افتقارها إلى المذهبية التي تحدد الغاية وترسم الطريق إلى تحقيقها.. وأول من نادى، وانشغل بهذا الأمر هم الجمهوريون، طوال تاريخهم، وقد دل على ذلك ما جاء في سفرهم الأول عن ضرورة إعمال الفكر الحر، وعن ضرورة الإسلام كسبيل للخلاص لجميع العالم.. فأسمعهم يقولون شهر 12 عام 1945: (نحن اليوم بسبيل حركة وطنية تسير بالبلاد، في شحوب أصيل حياة العالم هذه المدبرة إلى فجر حياة جديدة على هدي من الدين الإسلامي، وبرشد من الفحولة العربية، وبسبب من التكوين الشرقي، ولسنا ندعو أول ما ندعو إلى شيء أكثر ولا أقل، من إعمال الفكر الحر فيما نأتي، وما ندع من أمورنا.. الفكر الحر الذي يضيق بكل قيد، ويسأل عن قيمة كل شيء، وفي قيمة كل شيء، فليس شيء بمفلت من البحث، وليس شيء بمفلت من التشكيك فلا يظنن أحد ان النهضة الدينية ممكنة بغير الفكر الحر، ولا يظنن أحد أن النهضة الإقتصادية ممكنة بغير الفكر الحر، ولا يظنن أحد أن الحياة نفسها يمكن أن تكون منتجة، ممتعة، بغير الفكر الحر) إنتهي ما قالوه عام 1945..
ولقد ظلوا يقولون به، وقد حذروا من مغبة السير في التيه، فقبيل الاستقلال وفي بيان لهم في نوفمبر عام 1951، جاء ما يلي: (ولو فرضنا جدلا أن هذا التكتل الصناعي الذي تدعو اليه حركتنا الوطنية حول جلاء الاستعمار فحسب، استطاع ان يخرج الاستعمار، لخشينا ان يقودنا إلى حرب أهلية مستطيرة، ويجب أن يفهم جيدا أن القول بالجمعية التأسيسية التي تقرر مصيرنا قول مضلل.. ذلك بأننا نحن منقسمون بين طائفتين كبيرتين بينهما عداء تاريخي، وليس لأيهما برنامج إيجابي، وإنما برنامج كلتيهما الحرص على الا تنتصر الأخرى، ولا يمكن ان يكون في مثل هذه الحالة، انتخاب حر، ولا ينتظر ان يرضى المهزوم في انتخاب مطعون في نتيجته، ولا يمكن تبعا لذلك، ان يكون هناك استقرار، وإنما هي الحرب الأهلية والفوضى، والفساد والنكسة) انتهى.. راجع كتابنا: الاستقلال جسد روحه الحرية (صفحة 27)..
وفي عام 1953 جرت أول إنتخابات سودانية فاز فيها الإتحاديون، وخسر حزب الأمة، وتكونت الحكومة السودانية الأولى برئاسة السيد إسماعيل الأزهري ولم ترض طائفة الأنصار بفوز حزب طائفة الختمية وأرادت ان تشعر الإتحاديين ومن ورائهم المصريين بقوتها فحشدت جموع أهل الغرب من الأنصار، في يوم إفتتاح البرلمان أول مارس 1954، وجرت أحداث دامية، ومؤسفة راح ضحيتها مئات الأنفس البريئة – راجع الرأي العام 2/3/1954.
ولم يمض على فتنة أول مارس بعض الوقت الا وثارت نار فتنة الجنوب أغسطس 1955، وأستمرت لمدة 17 عاما حيث أطفئت بإتفاق أديس أبابا مارس عام 1972.. فإذا أضفنا إلى ذلك ما ساقته الأحزاب إلى البلاد من صور الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي، فإن ما قاله الجمهوريون قبل الاستقلال قد وقع بالفعل من (الحرب الأهلية، والفوضى والنكسة).