في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الجمهوري والمهاجر والأكتوبري

أول السجناء:


ثم الا يلفت النظر ان الجمهوريين كانوا أول السجناء السياسيين في الحركة الوطنية في الأربعينات، وهم بذلك قد ملأوا فراغ الحماس الذي خلا تماما حيث انصرفت الأحزاب الطائفية إلى تبادل المذكرات مع الحاكم العام البريطاني؟ فقد أخذ الجمهوريون يوزعون المنشورات الممهورة باسمهم، والتي تهاجم الإنجليز، مستحثين الشعب على مقاومتهم، كما أخذوا يخطبون ضدهم في الأماكن العامة، فطلب الإنجليز من الأستاذ محمود محمد طه، رئيس الحزب الجمهوري، توقيع تعهد بعدم القيام بنشاط سياسي لمدة عام واحد، ولكن الأستاذ رفض ذلك، فحوكم بسنة سجنا، ولكن الأستاذ محمود داخل السجن، والجمهوريون خارجه، أزعجوا الإنجليز مما اضطرهم لإطلاق سراحه.. وقد أدى هذا الإنجاز والمواجهة إلى إشعال جذوة حماس الشعب، وهذا ما كان يهدف له الجمهوريون.. وكمثال لذلك نورد نموذجا لما وردهم من برقيات من مختلف الهيئات والأفراد.. (الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري أم درمان: أعضاء جبهة المؤتمر الوطنية بالأبيض يرون في خروجكم من السجن آية واضحة للإيمان بالوطنية الصادقة ويعدون جهادكم رمزا للكرامة السودانية فبقلوب مفعمة بالغبطة يشاركون إخوانهم الجمهوريين، السرور بعودتكم لميدان الجهاد. السكرتارية 24/7/1946 – راجع كتابنا: معالم– الكتاب الأول، وكتابنا: الاستقلال جسد روحه الحرية-

الإهتمام بأمر الجنوب:


وقد كان الجمهوريون أول من اهتم بمسألة الجنوب، وقد نبهوا إلى مؤامرة الإنجليز لفصل الجنوب عن الشمال، فمن منشور لهم عام 1946 نقتطف ما يلي:
(هذا بيان من الحزب الجمهوري للناس، وهو نذير من النذر الأولى، ستليه اخر ترمي بالشرر، وتضطرم بالنار، وتتنزى بالدم.. فإن مسألة الجنوب لا يمكن الصبر عليها، أو الصبر عنها، وإن الإنجليز ليبيتون له أمرا.. إن الحزب الجمهوري الذي يسعى إلى وحدة السودان أولا وقبل كل شيء يقف اليوم أمام صخرة الجنوب وقد عقد النية على إزالتها عن طريق الوحدة).. راجع كتابنا: الاستقلال..

الحكم الإقليمي واللامركزية:


وأما الحكم الإقليمي واللامركزية، فلقد بادر الجمهوريون إلى اقتراحهما ليكون عليهما العمل، لحكم السودان، وهم إنما يشترطون لنجاح اللامركزية وجود المذهبية التي تربي الأفراد وتوحد الشعب، وتبرز شخصيته.. وقد جاء إقتراحهم هذا في كتابهم (أسس دستور السودان) لقيام جمهورية فدرالية ديمقراطية إشتراكية، الصادر في أغسطس عام 1955 وقد عده الناس وقتها ضربا من التفتيت لوحدة البلاد!!
وما درى هؤلاء أن الأمر سينتهي إليه، ذلك بأنه طريق وحدة الشعب ووحدة العالم.. فهو طريق الشعب لتحمل مسئوليته وتولي سلطات الحكم.. ولقد جاء في ديباجة ذلك الكتاب الطبعة الثانية صفحة 13 ما يلي:
(ان اهتمامنا بالفرد يجعلنا نتجه من الوهلة الأولى، إلى إشراكه في حكم نفسه بكل وسيلة، وإلى تمكينه من ان يخدم نفسه ومجموعته في جميع المرافق التشريعية والتنفيذية والقضائية، وذلك بتشجيع الحكم الذاتي والنظام التعاوني، ولما كان السودان قطرا شاسعا وبدائيا فإن ادارته من مركزية واحدة غير ميسورة، هذا بالإضافة إلى ما تفوته هذه المركزية على الأفراد من فرص التحرر والترقي والتقدم بخدمة أنفسهم ومجموعتهم، ولذلك فإنا نقترح ان يقسم السودان إلى خمس ولايات: الولاية الوسطى، الولاية الشمالية، الولاية الشرقية، الولاية الغربية، الولاية الجنوبية)
والآن أصبح لسان الوقت هو الحكم الإقليمي واللامركزية، وقد وضعت ثورة مايو هيكله، وسار التطبيق في مجاله بصورة طيبة ولم يبق الا ان تنفخ فيه الروح، وهي المذهبية الإسلامية الواعية التي تربي الأفراد.. وتقدم نظام الحكم الإشتراكي الديمقراطي، الذي يتساوي فيه المواطنون جميعا أمام القانون بلا تمييز بينهم بسبب اللون، أو الدين، او الجنس، من رجل وامرأة، وبسبيل من هذا الفهم الإسلامي الواعي يجيء كتاب الرئيس نميري (النهج الإسلامي لماذا؟) فهو قد انبنى على الاتجاه الأصولي الذي يجعل أمر التربية، والإقناع، سابقا للقوانين..