((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

الإله - تعقيب على الأستاذ الجليل عباس محمود العقاد

الإله - تعقيب على الأستاذ الجليل عباس محمود العقاد


عزيزي موسى:
تحية طيبة مباركة،
وبعد، فإني، في حقيقة الأمر، لا أزال مشغولا، ولكني أجدني قد أجلت الإجابة على سؤالك كثيرا، ولذلك فلا بد من الإجابة، على نحو من الأنحاء، مهما كانت قصيرة..
وأول ما يقال في هذا الموضوع هو أن الكتابة عن ((الإله)) عمل لا يحسنه غير الصوفية.. فإذا ما أقدم عليه الفلاسفة، وهم كثيرا ما يقدمون عليه، فإنهم لا يبلغون منه مبلغا به تطمئن القلوب، وإن بلغ منه بعضهم مبلغا به تقتنع العقول، كما فعل الأستاذ الجليل العقاد.. واقتناع العقول بالله هو بداية اطمئنان القلوب إليه تعالى، ذلك بأن العقول تدل على الله ، ولا تعرفه.. ولا يكون تمام الطمأنينة إلا بالمعرفة.. ولقد فطن السادة الصوفية إلى ذلك، فقالوا: ((وجودك ذنب لا يقاس به ذنب)).. يعنون بذلك إعتمادك على العقل في معرفتك الله حجاب لا يساويه حجاب آخر، مهما كثف.
ومحك الفرق بين الفلاسفة والصوفية، أو قل، إن شئت، بين علم العقول، وعلم القلوب، هو في أمر التسيير والتخيير.. وهذا الأمر يتضح بجلاء في قول الأستاذ الجليل العقاد:
(والقرآن صريح كذلك في حث الناس على الاستعانة بأنفسهم، والاعتماد على قوتهم، مع الاعتماد على القوة الإلهية في مقام الدعاء، والصلاة.. فلا يقبل من إنسان أن يفرط في مستطاعه، ومستطاع عمله، ولا يحرمه، مع ذلك، رجاءه في معونة القدرة الإلهية، حين لا يستطيع.. وذلك قصارى ما يعطيه الدين، من قوة الصبر، وقوة الرجاء، ((يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر، والصلاة.. إن الله مع الصابرين)).. فهو يلهم الناس: أن الله لا يخذلهم، إن نصروا أنفسهم، ولا يحرمهم الطاقة التي تفوق الطاقة، حين يتجهون إلى الله، وكل دين لا يكفل لأصحابه هذا الرجاء فهو دين لا معنى له، ولا حاجة إليه، وإنما المراد به أن الإيمان بالله قائم على الإيمان بقدرته، وكماله وعدله، وسلطانه في الوجود، واتصاله بهذا الوجود.. فإن لم يكن المعبود كذلك فما هو بأهل للإيمان به، على الاستغناء عنه، أو على الحاجة إليه)..
وأول ما تجب الإشارة إليه هو: أن الإيمان بالله قائم على الحاجة إليه.. على خلاف ما يرى الأستاذ الجليل.. ولقد نشأ الإيمان بالله قبل أن يعرف الله. وقد يبدو هذا القول غريبا، لدى النظرة الأولى، ولكنه حق.. فإن الإيمان بالله ينبع من حاجة القلوب إليه، وهي حاجة شعور، لا حاجة فكر، وعقل.. نعم! إن المعرفة بالله تزيد الإيمان بالله، ولكن الإيمان ينشأ قبلها.. ويقول الأستاذ: (( وإنما المراد به أن الإيمان بالله قائم على الإيمان بقدرته، وكماله، وعدله، وسلطانه في الوجود)) ولا يقوم إيمان المؤمن بقدرة الله إلا عن حاجة العاجز إلى قدرة القادر.. وهكذا إلى آخر الصفات التي ساقها الأستاذ.. والحقيقة أن المعرفة بالله، التي تزيد إيمان المؤمن به، إنما هي معرفة مبلغ الحاجة إليه.. فأنت، إن كنت ترى أنك مستطيع في بعض الأمور، وأنك محتاج إلى معونة القدرة الإلهية حين يواجهك من الأمور ما لا تستطيعه، فإنك مؤمن بالله على نحو أتم ممن يرى نفسه مستطيعا دائما، فإن ظهر له من الأمور ما أعجزه فهو لا ينتظر المعونة الإلهية، وإنما ينتظراستئناف القدرة من عند نفسه.. ولكنك أقل إيمانا ممن يرى نفسه غير مستطيع لشيء، مهما قل، وإنما هو في حاجة إلى المعونة الإلهية حتى في النفس الذي يطلع وينزل.. فمبلغ إيمانك بالله هو مبلغ معرفتك بالحاجة إلى الله.. ولقد قال بعض العارفين: لا يتم إيمان أحد حتى يكاشف في قولة: ((لا حول، ولا قوة، إلا بالله)) ومعنى يكاشف أن يعرف، معرفة ذوق، معنى هذه القولة.
وقول الأستاذ: ((القرآن صريح كذلك في حث الناس على الاستعانة بأنفسهم، والاعتماد على قوتهم)) إلخ إلخ.. ليس صحيحا في نظر العارفين.. فإنهم يرون صراحة القرآن في ذلك إنما هي مجاراة "لوهم" الناس ريثما ينقلهم القرآن إلى المعرفة التي ينتفي معها ((الوهم)) .. وقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر، والصلاة.. إن الله مع الصابرين)) ليس معناه الأخير (استعينوا) على مصاعب الحياة، ولأواء العيش، وإنما معناه الأخير، والمطلوب بالذات، ((استعينوا)) بالصبر، والصلاة، على دواعي الجبلة التي تتوهم أنها مريدة ومستقلة بإرادتها، وهو ما أسميته ((بالوهم)).. وهذا الوهم ينقص العبودية لله وينقص الرضا بالله ربا.. ولذلك فقد جاء قوله تعالى للنبي الكريم: ((فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك، قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح، وأطراف النهار.. لعلك ترضى)) والتسبيح هنا المقصود منه الصلوات الخمس، والعلة المطلوبة وراء الصبر، والصلاة، إنما هي الرضا... الرضا بربوبية الرب..
يقول الصوفية: الساير الى الله مريد.. ويعرفون الإرادة بأنها محاربة العادة.. والعادة هي التي أوحت إلينا أننا نملك إرادة مستقلة، يمكن الاعتماد عليها في حدود.. فإذا زاد الأمر عن تلك الحدود فيمكن البحث عن عون الله، عند ذلك، كما يبدو من كلام الأستاذ..
ومن خطأ الخوض في دقائق التوحيد بالعقل وحده نتج خطأ أساسي في كلمة الأستاذ الجليل العقاد، وهي قوله: ((فالحقيقة أن الزمان غير الأبد.. تنقصه كله، فلا ينقص من الأبد شيء.. وتزيده كله، فلا يزيد على الأبد شيء لأنهما وجودان مختلفان في الكنه، والجوهر.. مختلفان في التصور والإدراك.. فالأبد وجود، ولا تتصوره بغير الحركة.. )) هذا كلام العقاد..
الحقيقة أن الأبد زمان، والحركة فيه كامنة.. فقول الله تعالى: ((أولم ير الذين كفروا أن السموات، والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي)).. يعني أمرا هاما يتعلق بالأبد، وبالزمان.. ففي الرتق، قبل الفتق، يكمن الأبد، وتكمن، في الأبد، الحركة.. فلما بدأ الفتق ظهر الأبد وظهرت الحركة وظهر الزمان للتو.. فأما الأبد، فهو الزمن، بين الفتق بعد الرتق، والرتق بعد الفتق.. وأما الزمان، فهو أجزاء الأبد في تطور الأجرام السماوية، والأرضية، منذ أن حصل الفتق، بعد الرتق، وإلى أن يعود الرتق، بعد الفتق في نهاية دورة من دورات الوجود هي المعبر عنها بالحياة الدنيا..
فلكأن الأبد هو الزمان، في مجمله، ولكأن الزمان هو الأبد، في نشره، وتفاصيله، بين بداية، ونهاية، تسير في طريق لولبي..
والأمر المهم جدا هو أن وجود الله تعالى خارج عن الأبد، وعن الزمان.. وليس كما يقول الأستاذ الجليل: ((فالوجود الأبدي كامل، مطلق الكمال)) وهو يعني بذلك ذات الله – فإنها وحدها الكاملة، مطلقة الكمال.. ولقد عبر القرآن عن الخلود في النار بقوله: ((خالدين فيها أبدا))، في جملة مواضع، ثم عبر في موضع آخر بقوله: ((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض))، وهو تحديد للأبد بالدورة الوجودية التي تسمى عندنا ((بالحياة الدنيا))، وتبدأ بحركات أجرام النظام الشمسي عندنا وتنتهي بانتهاء تماسك هذا النظام.. والآيات التي ساقها الأستاذ الجليل تدل على أنه يعتقد أن الإله، والرب، والله، شيء واحد، والحق غير ذلك.. فإنما الأمر أمر تعينات، ومراتب.. فذات الله، في صرافتها، لا سبيل إلى فهمها، على الإطلاق، لأنها لا تسمى، ولا تعرف، ولا يشار إليها.. فهي لا تطيقها الإشارة، ولا العبارة، فوقع منها، بمحض الرحمة، التنزل إلى مرتبة الإسم، ثم إلى مرتبة الصفة، ثم إلى مرتبة الفعل.. فوقعت معرفة العارفين باستقراء أثر الفعل، وهم الخلائق، على شتى صورها.
فالذين أنكروا((الإله)) لم ينكروا (الله) على الإطلاق، وإنما أنكروا تدخله في الأفعال الدقيقة التي لا تخرج عن طاقة البشر، والتي ورد عنها تعبير الأستاذ الجليل على النحو الآتي – ((فهو يلهم الناس أن الله لا يخذلهم إن نصروا أنفسهم، ولا يحرمهم الطاقة التي تفوق الطاقة))، فقد توهم الناس أن لهم طاقة، فجاء إنكار ((الله)) في هذه المرتبة، وهي مرتبة الفعل، فكان إنكار ((الإله))، ولذلك فإن القرآن يقول عن الكافرين:
((ولئن سألتهم من خلق السموات، والأرض، وسخر الشمس، والقمر، ليقولن الله.. فأنى يؤفكون! )) وذلك لأن هذه الأفعال كبيرة، وجليلة، ولا يمكن أن يدخل في الوهم استطاعة قيام المخلوقات بها وإنما هي أفعال ((الله)).. أما حركاتهم هم وسكونهم هم، وكسب عيشهم اليومي فليس ((لله)) فيه دخل، في زعمهم..
فكلمة: ((لا إله إلا الله)) لا تعني، كما يقول الفقهاء ((لا معبود بحق إلا الله))، وإنما تعني: لا فاعل، في الوجود، لدقيق الأفعال، وجليلها، إلا الله.. تعني الله خلقكم وما تعملون.. تعني ((قل الله خالق كل شيء))، ((من الآية))، ((أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟؟ قل الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار))..
ولقد عرف العارفون أن أهل الجنة، في الجنة، يرون ربهم.. وأن أهل النار، في النار يحجبون عن ربهم، ولكنهم لا يحجبون عن ((الله))، على التحقيق..
وهناك حقيقة غريبة جدا استيقنها العارفون: هي أن القرآن، في المكان الأول، صفات الإنسان الكامل، الذي هو ((الله)) في مرتبة ((التعيُّن)) الأول، ولا يكون القرآن صفات لصرافة الذات إلا عند التناهي، حيث ينقطع التعبير وينبهم الكلام، وينتهي الأمر إلى ما وراء الحروف التي تفتتح بها السور.. ((ألم)).. ((كهيعص)).. إلى آخر ما هناك مما لا تحتمله اللغة..
والوجودان اللذان تحدث عنهما الأستاذ الجليل، حين قال: ((لأنهما وجودان مختلفان في الكنه، وفي الجوهر، مختلفان في التصور، والإدراك.. )) ليسا هما وجود ((الله))، في ذاته، ووجود المخلوقات، كما تصور الأستاذ الجليل. وليسا هما مختلفين في الكنه والجوهر، كما قال، وإنما هما مختلفان إختلاف مقدار.. فوجود الأبد هو وجود الإنسان الكامل الذي يبشر به القرآن.. ووجود الزمان هو وجود البشر، ومن دونهم من الخلائق التي تحاول، بجملتها وبأفرادها، أن تنجب الإنسان الكامل.. ولقد عبر القرآن عن الوجودين بقوله تعالى: ((إنا كل شيء خلقناه بقدر * وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)).. فالوجود بالقدر هو الوجود في الزمان، وفيه تبدو حركة التطور المستمر، وهو يطلب، في التطور، واستمرار الحركة، الترقي إلي مقام الأبد.. وإليه الإشارة هنا، بقوله تعالى: ((وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر))..
وفي ((الأمر)) الحركة، كامنة، كما سبق قولنا بذلك، في عبارة الأبد.. ومعنى كامنة أن ترقي ((عالم الأمر)) ليس بفعل ((خارجي)) كما هو الحال في ((عالم الخلق)). وإلى نفس المعنى الإشارة بقوله تعالى: ((يمحو الله ما يشاء، ويثبت، وعنده أم الكتاب)).. فأم الكتاب هنا ((عالم الأمر)).. و((يمحو الله ما يشاء، ويثبت)) إشارة إلى ((عالم الخلق)) وإلى الحركة المستمرة فيه، بالترقي وبالتطور..
وهذان الوجودان كلاهما يطلبان الوجود ((الحقيقي))، وهو خارج الأبد، على التحقيق، كما هو خارج المكان.. فحديث الأستاذ العقاد عن هذا الوجود المطلق، ووصفه بالأبدية خطأ أساسي في التوحيد..
الوقت لا يتسع لإطالة الحديث الآن، فإن رأيت أن في هذا غناء. كان، وبها، وإلا فأمهلني حتى أفرغ مما أنا بصدده الآن.. وسأعود..

المخلص
محمود محمد طه