((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

في النقد كتاب الأستاذ خالد محمد خالد - من هنا نبدأ

في النقد
كتاب الأستاذ خالد محمد خالد - من هنا نبدأ


جريدة (( لرأي العام)) 2/3/ سنة 1951م

الكلمة الأخيرة في الإسلام لم تقل بعد.. ولا يتعلق الأمل في تحقيقها إلا بحرية الفكر في معالجة أصوله.. ولست أعني بحرية الفكر إسماح الجماعة لكل خائض أن يخوض من غير رقابة عليه ولا اعتراض، وإنما أعني تحرر الفكر المتصدي لمعالجة تلك الأصول من أوهام الحواس تلك التي جعلت عقول الناس حبيسة قماقم من الظلام لا ينفذ إليها النور.. والخوض في أصل الدين سير في الوادي المقدس، تخلع فيه النعلان، وتواصل فيه التلبية، ويستشعر عنده الخشوع.. فإذا دخله الذين لا يرجون له وقارا فانتظر بوائق الشرور وجوائح الفتن.. وقد دخله صاحب ((من هنا نبدأ)) بجرأة لا يملكها العارفون..
لم يتفق لي أن أقرأ هذا الكتاب، ولكن الأستاذ ((ن))، صاحب سوانح في ((الرأي العام))، قد استعرضه أخيرا استعراضا وضع بين يدي من نصوص المؤلف ما فيه الكفاية.. ويبدو لي أن أهم ما في الكتاب مسألة ((الدين والدولة)).. وهي مسألة تاريخية.. ورأي المؤلف فيها رأي خاطئ.. ولكنه رأي شائع بين المفكرين الذين لم يهتدوا إلى حقائق الإسلام.. وخلاصة رأي المؤلف في هذه المسألة هي أنه يرى في الحكومات الدينية تجربة فاشلة.. ولكن ما هي الحكومات الدينية عنده؟؟

الحكومة الدينية.


إن الحكومة الدينية التي ينتقدها إنما هي تلك التي تعتمد على سلطة مبهمة، غامضة، ولا تقوم على أسس دستورية، واضحة، تحدد تبعاتها والتزاماتها، حيال الشعب، كما هو شأن الحكومات القومية، وتلك التي تمنح نفسها قداسة زائفة، وعصمة مدعاة.. ثم هو يمضي في ذلك حتى يتضح أنه إنما يعني حكومة الحجاز، وأضرابها من الحكومات العربية المعاصرة.. ونحن نقول للمؤلف: أن هذه ليست حكومات دينية، وإنما هي حكومات تتمسح بالدين لتستغل جهل الجاهلين.. وسبيل العارفين أن يكشفوا زيفها، ويسموها باسمها، ويبرئوا الدين منها، لا أن يصموه بنقائصها، ومخازيها..
إن الخلفاء أربعة: محمد، وأبوبكر، وعمر، وعثمان.. والحكومات الدينية إنما هي تلك التي كانت على عهدهم.. ولقد كانوا، وكان الناس تبعا لهم، يطلبون الأخرى بحسن العمل في الدنيا.. وحسن العمل هو إفشاء السلام، وإشاعة المحبة والخير بين الناس، والجد بإخلاص في إصلاح أمورهم، والمساواة بينهم، وإقامة العدل، ونشر الحق، والخير، بين سائرهم، والسعي للكسب من الوجوه المشروعة، ثم اخذ ما تحتاجه مما تكسب، والعود بما يزيد عن الحاجة على محاويج المسلمين.. فكم مرة في حياة محمد نزل أبوبكر عن ماله جميعه، وكم مرة نزل عمر عن جزء كبير منه.. وكذلك فعل عثمان، وكذلك فعل عبدالرحمن.. وكان أبوبكر، وعمر، حين استخلفا، وانشغلا بتدبير أمور المسلمين عن الكسب، لا يأخذان من مال المسلمين لمعاشهما إلا ما يأخذه الرجل منهم.. ولما كان الناس، وحكامهم، يطلبون غرضا واحدا هو وجه الله، بعمل واحد هو الصالحات، لم يكن فرق بين عمل الحكومات وعمل الرعية، إلا تصريف الأمور العامة الذي تفرد به الخليفة، وكانت كلمته فيه، في كثير من الأوقات، الكلمة الأخيرة.. وكان الناس، مع ذلك، لا يألونه نصحا، ولا يترددون في الإعتراض عليه، ولا يتهيبون نقده.. وكان هو لا يستكبر عن الحق، ولا يستنكف أن ينزل على رأي أقلهم، حين يكون صوابا..

إنحطاط الحكومة الدينية.


هذه هي الحكومات الدينية.. ولقد ظلت على هذا الذي وصفنا على عهد محمد، وعلي عهد أبي بكر، وعلى عهد عمر، وعلى الصدر الأول من عهد عثمان، حتى إذا كانت أخريات أيام عثمان أخذ الإفتتان بمباهج الدنيا يدب إلى القلوب دبيبا خفيا، فيفسد صفاءها ويفسد سلامتها.. فلما قضي عهد عثمان، أو قل لما قضي إصطراع المطامع على عثمان، وعهد عثمان، خلص الأمر إلى علي و معاوية، فاحتربا عليه فكان أحدهما يريد الآخرة، دأب أصحابه الذين تقدموه.. والآخر يريد الدنيا.. وعرف الناس على عهدهما خلافتين، إحداهما بالكوفة، والأخرى بدمشق.. حتى إذا قتل علي، وانفرد معاوية بالأمر، كان ذلك إيذانا بهزيمة الدين وانتصار الدنيا.. ثم لم يزل الناس، من بعدهما، يعظمون من أمر الدنيا، ويحقرون من أمر الآخرة، حتى انتهى بهم المطاف إلى عكس الأمر الأول، فصاروا يطلبون الدنيا بعمل الآخرة كما هي الحال اليوم.. فهل يقال أن الدين حط المسلمين، أم يقال أن المسلمين انسلخوا عن الدين فانحطوا؟؟ وكما انحط الرجل المسلم من مقامه الأول إلى مقام اليوم، إنحطت الحكومات الدينية من مقامها الأول إلى مقامها اليوم، ولنفس السبب، وهو أنها ليست من الدين في شيء، قليل أو كثير..
وهذه الحكومات نفسها، في أول عهدها بالإنحطاط حين أعطت الصدارة فيها لشئون الدنيا، ولم تتخل عن الدين بعد، كانت أرقى حكومات عالمها، بدون منازع.. فقارن، إن شئت، بين حكومات بني أمية التي افترعها معاوية، وكان من حكامها عبدالملك، والوليد، وسليمان، وعمر، ثم حكومات بني العباس التي افترعها السفاح، وكان من حكامها المنصور، والمهدي، والرشيد، والمأمون، والمعتصم، وبين حكومات العالم على عهدهم، ثم جئني بمثلها، إن إستطعت.. فإن لم تستطع فكيف طوعت لك نفسك أن تقول أن تجربة الحكومات الدينية فاشلة؟؟

الحكومة الدينية عندنا وعندهم.


وحين أرى أن الحكومات الدينية لم تكن إلا على عهد محمد، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، ثم بدأت من بعدهم تتخلى قليلا قليلا عن هذا الإسم يرى الأستاذ المؤلف: ((أن نجاح بعض الحكومات الدينية في عهد عمر وأبي بكر وعمر بن عبدالعزيز إنما يرجع إلى الكفايات الشخصية في هذا النفر))..
وهذا هو أس البلاء الذي جعل المؤلف يفرق بين الدين والدولة، ويتحدث عن الحكومات الدينية، وما يسميه بالحكومات القومية، وعن رجال الدين، ورجل الدولة.. وعلى هذا النحو يفرق المؤلف بين الدين والكفايات الشخصية..
وما هو الدين إن لم يكن الباعث للكفايات الشخصية، والمتمم لها؟؟ وهل جاء عمر بالكفاية الشخصية من حياته في الجاهلية، وهل جاء بها أبو بكر؟؟
نعم إن الناس معادن، كمعادن الذهب والفضة، وما الدين إلا مصهرة يذهب عن المعادن الشوائب والأدران، فلو نزل الدين على رجل معدنه من نحاس لما جعل منه رجلا معدنه من ذهب.. ولقد نزل الدين على عبد الله بن أبى بن سلول، كما نزل على عمر، ولكنه لم يجعل من عبد الله إلا مثلا من أمثلة الخسة، والنفاق، كل هذا صحيح، ومع ذلك فلا يصح أن يفرق رجل مفكر بين الدين وبين الكفايات الشخصية التي ظهرت على المتدينين..
إنا، حين نتحدث عن الحكومات الدينية، لا نريد إلا حكومات رجال هذب الدين نفوسهم، ونقى قلوبهم، وصفى اذهانهم، وهذه هي ((الكفايات الشخصية)).. ولست أدري ما الذي يعنيه الأستاذ المؤلف بعبارة: ((الحكومات القومية)) (في مقابلة الحكومات الدينية) فإنه ليس في نظم الحكومات الذي نعرفه نظام بهذا الإسم، إلا أن يكون مراد المؤلف الحكومات الوطنية العنصرية التي تزعم أن شعبها شعب الله المختار، الذي اصطفاه ليملك باقي الشعوب، كما كانت تزعم الحكومة الوطنية النازية في ألمانيا.. فإن يكن هذا مراد المؤلف، وما أراه إلا كذلك، فإنه لا شغل له في التعرض للتأليف في الدين..

للإسلام طراز حكم خاص.


والأستاذ المؤلف لا يرى: ((أن هناك طرازا خاصا من الحكومات يعتبره الدين بعض أركانه، وفرائضه، بحيث إذا لم يقم يكون قد إنهد منه ركن، أو سقطت فريضة)).. والذين يعرفون أغراض الدين يرون غير ذلك.. ولو قد جود المؤلف كلمة ((لا إله إلا الله))، قبل التصدي للتأليف في الدين لعرف أن هناك حكومات بعينها يفرضها الإسلام، ولا يرضى عنها بديلا، وتلك هي الحكومة التي تعمل وفق تعاليم القرآن التي تقول أن الأرض مائدة الله، وأن الخلق جميعهم، وعلى اختلافهم، عياله، وأنهم، على مائدته، سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى، وأن مسبر التقوى العمل على نفع عيال الله في الأرض.. فإن كان هذا المعنى بعيدا على مؤلف يتخبط مثل هذا التخبط، فإن هناك معنى أقرب منه وهو أن الله تعالى يقول: ((فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم)) والذي أنزل الله إنما هو القانون الأزلي.. وأن الجماعة المأمورة بالإحتكام إلى القانون الأزلي لجماعة قد عين لها نوع حكومتها.. فإن هي تعدته إلى سواه فقد أحدثت حدثا أصبح الدين معه ((وقد إنهد منه ركن، أو سقطت فريضة)) على حد تعبيرك..

أهداف حكومة الإسلام.


وليست أهداف الداعين إلى النظام الديني كما تخيلها المؤلف، ثم ذهب يناقشها.. لا!! ولا كرامة!! وأقل ما يقال عن أولئك الداعين أن نظرتهم إنسانية وليست وطنية.. وأن أهدافهم إيجابية، وليست سلبية.. والباعث على الدعوة إلى النظام الديني هو أن العالم في حيرة مطبقة، لا يخرجه منها إلا مدنية جديدة تنتج من لقاح المادة بالروح عند لقاء المدنية الغربية المادية بالمدنية الشرقية الروحية.. وليس لهذه الأخيرة وجود إلا في المصحف.. وهذه المدنية الجديدة، بما تمجد من القيم، ستجعل الإنسان سيدا للآلة التي إخترعها لا خادما لها – سيدا يستخدم الآلة في نفع نفسه، ونفع الإنسانية، لا خادما تجره الآلة مسلوب الإرادة، وتجر الإنسانية معه، إلى موارد الحتوف.. هذه المدنية الجديدة هي التي ستبطل الحكومات الوطنية العنصرية الحاضرة التي هي السبب المباشر للحروب والشرور، وتنشئ مكانها حكومة عالمية، توحد الإنسانية، وتفيض عليها السلام، والحرية ، والعدل، على هدي القانون الأزلي الذي سارت على هداه الحياة من ظلمات العدم السحيق إلى إشراقات الوجود الزاخر بالشعور..

بين الزكاة والصدقة.


فإذا نحن تركنا مسألة ((الدين والدولة)) وجدنا أن المؤلف قد تورط في خلط مؤلم بين الزكاة والصدقة.. إن الزكاة أصل من أصول الدين التعبدية، وهي تتعلق بالنفس البشرية، وتتصل بالعبادة الفردية، كالصلاة تماما.. والمراد بها تطهير القلب من شوائب الشرك، ومذموم الطباع.. ((وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة)).. أي النفس المستقيمة.. و ((قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها))، إشارة إلى النفس البشرية..
فأما الصدقات فهي هذا الجانب الغليظ من الزكاة الذي لا يستطيع العقل البشري، في بدء الرسالة، أن يدرك أدق منه.. ومرادها تطهير القلب من نهمة الحرص على المال.. وهي تزكية تنضع النفوس الغليظة ولا ريب.. ولقد فرضت على الناس بمقاديرها المعروفة فشقت عليهم، حتى لقد كانت السبب المباشر في ردة من إرتد من العرب بعد موت محمد..
فالزكاة، بهذا المعنى، ليست الزكاة التي هي أصل تعبدي.. وستلغى عندما تستغني المجموعة عنها، في التشريع الديني المقبل، المستمد من القرآن، للعالم الحديث، لأن النفوس الآن تستطيع أن تستيقن، في ظل النظم العادلة، أن ما زاد عن حاجتها من المال ليس لها فيه حق الإكتناز.. وإنما هو حق المجموعة، تصرفه إلى المحتاج إليه من الأفراد لا في صورة شيء للا شيء، وإنما في صورة تنظيم إقتصادي، إجتماعي، يهدف إلى جعل المساواة في الفرص، بين جميع أفراد الأمة، مكفولة.. والقول الفصل في نظام الصدقات، المشروع في الإسلام الآن، أنه نظام قد أملته حاجة المجموعة الإسلامية منذ القرن السابع.. ولقد ظل يخدم تلك المجموعة، أتم خدمة، ما تمسكت به، وهو يوشك أن يستنفد الحاجة إلى بقائه في مجموعة القرن العشرين.. ولكنه، على التحقيق، لم يستنفدها بعد.. وذلك لأن في مجموعة القرن العشرين من هم في مستوى مجموعة القرن السابع، ومن هم أحط منها مستوى عقليا، وخلقيا، وإجتماعيا.. ولقد يصلح هذا النظام للتطبيق في فترة الإنتقال من الديمقراطية الرأسمالية إلى الديمقراطية.. فإذا تم الإنتقال لجميع طبقات الإنسانية، وتحققت المساواة في الدخل بين جميع الأفراد، فإنه سيموت موتا طبيعيا.. هذه هي حقيقة الأمر:- فهل يجند رجل يعلم أسرار التشريع الإسلامي نفسه للهجوم على مثل هذا النظام، بخيله ورجله، كما فعل المؤلف؟؟

أما بعد فهل تريدون الحق؟؟
إن مؤلف ((من هنا نبدأ)). رجل غير عالم، من أي النواحي أتيته: هو غير عالم بأصول الدين.. غير عالم بسير التاريخ.. غير عالم بمبادئ السياسة.. فلا يستهوينكم الشيطان باتباع الذين لا يعلمون..

محمود محمد طه – رفاعة