((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الكتاب الأول من سلسلة رسائل ومقالات

تعقيب على اللواء محمد نجيب

القوانين الوضعية والقوانين السماوية
تعقيب على اللواء محمد نجيب


25 / 8 /1952
قال محمد نجيب ((ولا يزال اللغط دائرا حول تغيير القوانين الوضعية إلى قوانين يجب أن تكون شرعية إسلامية، والحد واضح بين قوانين السماء وقوانين الأرض.. وللعلماء الأعلام رأيهم الصريح في أن القوانين الوضعية تستند إلى المصلحة العامة، وهي شريعة الحاكم والمحكوم – ولا أكاد أتصور إلا أنها دسيسة.. فهل نقفل البنوك، والشركات، لأنها تتعامل بالفائدة؟؟ وهل تقطع، من الآن، وفورا، يد السارق وإلخ إلخ)) إنتهى..
في أخلاد الناس عن الدين كثير من الغموض، وشيء من التهويل، مصدرهما إقتران الحديث عن الدين بالمغيبات، والنبوات، وبالسماء.. وقد آن للإنسانية اليوم أن تطرح هذا التهويل، وأن تستجلي هذا الغموض، لتتبين حقيقة أمرها.. ولست أجد بين يدي مثال أبلغ في الدلالة على هذا الغموض الذي يكتنف عقول الناس، وهذا التهويل الذي يباعد بينهم وبين حقيقة الدين، من هذا الحديث الذي ينسبونه إلى ((اللواء محمد نجيب))..
وأول ما تنبغي الإشارة إليه أن ليس هنالك قوانين سماء، وقوانين أرض، وإنما هناك قوانين كاملة، سرمدية، ثابتة، هي القوانين الطبيعية.. وهي في الأرض، كما هي في السماء.. وهناك قوانين ناقصة، منحرفة، متغيرة.. هي القوانين الوضعية.. وهي في حقيقتها محاكاة للقوانين الطبيعية، تقترب من الكمال، كلما اقتربت مسافة الخلف بينهما.. والقوانين الوضعية أثر من آثار العقول البشرية.. وهي في تطور مستمر.. وتستهدف في تطورها القانون الطبيعي، كمثل أعلى، تسعى لمضاهاته.. والقوانين الإسلامية ليست بدعا في ذلك.. فإنها في حقيقتها وضعية.. ونبتت من الأرض.. وكل ما هنالك أنها عرضت على المثل الأعلى، القانون الطبيعي، فهذبها، وشذبها، ونسقها، وعطل منها ما لا يستقيم مع الإتجاه المستقيم..
والآن بين أيدينا قوانين ملء الأرض، وبين أيدينا المثل الأعلى للقوانين – (( القانون الطبيعي)) – بين دفتي المصحف.. فواجبنا أن نعرض جميع هذه القوانين الوضعية عليه، كما عرض محمد قوانين عصره.. فما إستقام معه منها فهو قانون إسلامي.. وما نشز عنه منها فهو باطل.. وليس الحد واضحا بين قوانين السماء وقوانين الأرض، لسبب واحد بسيط، هو أنه ليس هناك قوانين سماء، وقوانين أرض، إلا في أوهام الواهمين.. وإنما هناك قوانين وحدة، وقوانين تعدد.. والتعدد طور من أطوار الوحدة، لا يفصلها عنه فاصل بعينه..
ولا يميز بين القوانين رجل فيقول: ((أن القوانين الوضعية تستند إلى المصلحة العامة)) إلا رجلا متجانفا لإثم، أو متورطا في هلكة أو مدلا بباطل، إذ إلام تستند قوانين السماء؟؟
إن قوانين السماء ((الوحدة)).. فهي تنظر إلى الحياة الدنيا، والحياة الأخرى، ((كوحدة)).. وتسعى لتحقيق المصلحة فيهما معا، وإن كرهت نفوس الجاهلين.. ولذلك قال الله تعالى ((وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم)).. وهذا يسوقنا إلى الحديث عن قطع يد السارق، الذي يتحاماه الناس لجهلهم الحكمة فيه، والذي وردت الإشارة إليه في الحديث المنسوب إلى اللواء محمد نجيب..
لقد قرر الكتاب للسرقة، وللزنا، وللقذف، ولقطع الطريق، حدودا، ثم درأ الحدود بالضرورة، فقال: ((فمن اضطر، غير باغ ولا عاد، فلا إثم عليه.. إن الله غفور رحيم)).. ولا إثم عليه معناها لا عقاب.. فواجب الحكومات أن تزيل الضرورة الملجئة للسرقة أيضا.. فإن سرق سارق نظرت: هل هو مريض؟؟ فإن يكن، طبت له.. وإلا يكن، قطعت يده.. فإن في قطع يده مصلحة له، لا يدركها إلا المستبصرون..
حكمة قطع يد السارق قائمة على أن ما يحتاجه الجسد موفور للجميع بدون مشقة، ولا جهد طويل.. وكل ما يحتاج إلى المشقة، وطول الجهد، فليس من حاجة الجسد، وإنما سولته أوهام العقول.. وهناك علاقة حسية، ومعنوية، بين اليد والعقل.. فمن عجز بيده قدر بعقله.. فأراد المشرع أن يوقظ العقل بتعجيزه اليد.. فإن لم يتفق لمن عجزت يده أن يتيقظ عقله، في هذه الحياة، فإنه يدرك هذه اليقظة في الحياة الأخرى، على التحقيق، ويكون الناس قد كفوا شره من هذه..