((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الهوس الديني يثير الفتنة
ليصل إلى السلطة

مخطط الهوس الديني يستهدف تشويه الفكر الجمهوري

الفصل الأول

مخطط الهوس الديني يستهدف تشويه الفكر الجمهوري



لم تكن موجة الهوس الديني، التي تصاعدت في مصر حتى أودت بحياة الشهيد السادات، تستهدف قلب نظام الحكم فحسب وإنما كانت تسعى لتغيير وجه الحياة في مصر، تماما، بالقضاء على مظاهر الدولة الحديثة، وتصفية العناصر المتحررة، ومصادرة المكتسبات التقدمية، وفرض صور التخلف، والإرهاب، باسم الدين، وعلى غرار حركة الخميني في إيران.. وذلك مما كان سيدخل مصر في فتنة دينية، وحرب أهلية لا قرار لها.. ولكن هذا المخطط قد أخفق، وتم كشفه كاملا، وأمكن احتواؤه أمنيا إلى حين.. وهو لا يزال، وفي غياب الوعي الديني الصحيح، يتهدد مصر تهديدا ماثلا، مما اضطر النظام المصري لمد فترة الأحكام العرفية عاما آخر.. ولا يمكن، بالطبع، فصل مخطط الهوس الديني في مصر عن مخططه في السودان.. فكلاهما، في حقيقة الأمر، مخطط واحد، متكامل الأهداف، والوسائل.. فهذا المخطط إنما يسعى ليحقق في السودان ما عجز عن تحقيقه في مصر، وذلك بإقامة دولة الهوس الديني في السودان، وحتى يستطيع عن طريقها التحكم في كلا البلدين، وفي كل المنطقة.. وهذا المخطط إنما يستغل في السودان حب الشعب للدين، مما يغري بتضليله، وفرض الوصاية الدينية عليه، ويستغل جو التكامل وما أفرزه من حرية الحركة بين البلدين، ويستغل الإسماح الأمني النسبي في السودان.. وهذا المخطط، فوق ذلك، إنما يجد تربة خصبة في السودان فيما حققه تنظيم الاخوان المسلمين من تغلغل في أجهزة السلطة، وفي المساجد، وفي الجامعات، وفي وسائل الإعلام، تحت ظل (المصالحة الوطنية) إلى جانب قيام دعوات الهوس الديني الأخرى كدعوة الوهابية، وقيام المؤسسات الدينية التقليدية التي تشكل رصيدا جاهزا للهوس الديني.. فأخذت عناصر الهوس الديني تنتقل إلينا لتمارس نشاطها الهدام في حرية تامة.. ولكن هذا التكامل بين عناصر الهوس الديني في البلدين إنما يصطدم، بمعوق ضخم لنشاطها في السودان وهو الفكر الجمهوري الذي ظل يقوم بدور مؤثر في التوعية، والتربية الإسلامية الصحيحة، ويعمل، وحده، في ميدان الدعوة الإسلامية الجادة الواعية، وهو ما فتئ يكشف زيف دعوات الهوس الديني، وتحجّر وتجمّد المؤسسات الدينية السلفية، ومبلغ تعويق هذه الدعوات، والمؤسسات للبعث الإسلامي.. ولذلك اتجه مخطط الهوس الديني، أول ما اتجه، إلى تشويه الفكر الجمهوري الذي يعوق مسعى هذا المخطط، ويدرأ عن البلاد خطره..
ويمثل، اليوم، رأس السهم في حملة التشويه المنظمة ضد الفكر الجمهوري فقيه مصري يعمل استاذا بجامعة امدرمان الإسلامية "محمد نجيب المطيعي".. وقد استغل منبر "مسجد التقوى"، المنسوبة رعايته للسيد النائب الأول لرئيس الجمهورية، ورئيس جهاز أمن الدولة، فبدأ منه حملة هذا التشويه، وذلك لإكسابها صفة الشرعية، حتى لقد نقلت الإذاعة خطبة له في صلاة الجمعة بهذا المسجد وهي تنضح بالتشويه، والتأليب علينا، مما أعطاه الجرأة لتصعيد حملته ضدنا من هذا المسجد، ومن التلفزيون، بصورة متوالية أشبه بالحلقات، مما يدل على أنه إنما يقوم بعمل منظّم، ومتصاعد وفق مخطط مرسوم وثابت يستهدف تشويه فكرنا.. وذلك تحت سمع، وبصر، كبار المسئولين السياسيين، والأمنيين، والإعلاميين.. فلكأن الهوس قد صار يستظل بهؤلاء المسئولين الذين تقتضيهم مسئولياتهم الوطنية، والدينية درء خطر هذا الهوس عن الشعب، وتحقيق العدالة بين جماعاته، وأفراده، وحماية حقوقهم الأساسية في حرية الرأي والاعتقاد.. وسنفرد هذا الفصل لكشف صور التشويه المنكرة التي يمارسها هذا الشيخ ضد فكرنا، بما يدل على سوء الغرض بأكثر مما يدل على سوء الفهم، وبما يشير إلى ما وراء ذلك من مخطط متكامل للهوس الديني، تأخذ معالمه في الاتضاح يوما بعد يوم، وهو لا يستهدفنا نحن فحسب، وإنما يستهدف من ورائنا هذا الشعب ـ قيمه الدينية، ومكتسباته التقدمية، ووحدته، وأمنه، وسيادته.. ونحن إنما نأسى، أشد الأسى، لما بلغه خصومنا، وبخاصة علماء الإسلام، من شطط منكر في معارضة هذه الدعوة، وهم يفارقون أبسط قواعد الأمانة العلمية التي يفرضها الدين.. حتى لكأنهم قد جعلوا حرمة الله وراء ظهورهم، فنسوا أنهم موقوفون ومحاسبون وموزورون على هذا الصنيع: "إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينا، وهو عند الله عظيم!!" إن دعوتنا غريبة، ما في ذلك ريب!! ولكن أليس موعود الدين أن يعود غريبا؟؟ بلى!! إن ظاهرة الغربة في هذه الدعوة إنما هي مدعاة صحة بأكثر مما هي مدعاة خطأ، ولذلك فهي حرية بأن تحمل هؤلاء العلماء على استقصاء كل وسائل البحث فيها، وعدم إعجال أنفسهم في الحكم عليها، وعلى معارضتها، إذا دعا الحال للمعارضة، في الالتزام بأدب الدين، من إحسان الظن، وتوخي الأمانة، وإعفاف اللسان.. هذه الدعوة إنما هي، في جوهرها، الدعوة إلى طريق محمد، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بغير زيادة أو نقصان، وعن وعي، وفي إتقان.. وقد جاءت هذه الدعوة على تناه من الزمن، واقتراب من الساعة، لترد المسلمين إلى جادة دينهم، ولتصنع بهم مدنية كوكبية جديدة تحرّر، وتوحّد هذه البشرية، الحائرة، الضائعة.. وكل مدعو إلى طريق محمد إنما لزمته الإجابة، مهما كان مصدر الدعوة.. فأنّى تُصرفون؟؟