((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ١٠

((10))


هل بدأ التعليم عندما بلغ الفرد البشري مستوى معينا من الإدراك والخيال به ارتفع فـوق الحيوان فاحتال بالمصالحة والمناجزة على القوى الطبيعية التي احتوشته في بيئته على نحو ما جرى به الشرح قبل قليل؟؟
لا!! ولا كرامة!! وإنما بدأ التعليم قبل ذلك بآماد يخطئها العد، ويصح أن يقال فيها أنها تبلغ بلايين السنين‏.‏‏. إن الأرض قد كانت في أمـها الشمس، هي وأخواتها الكواكب السيـارة.. كانت مرتتقة مع الشمس، فجرى الانفصال، قبل مـا يزيـد على العشـرة بلايـين من السنين: ((أولم يـر الذين كفـروا: أن السمـوات والأرض، كانتا رتقا، ففتقناهمـا، وجعلنا من الـماء كل شـيء حـي؟؟ أفـلا يؤمنون؟؟))‏..
كانت الشمس، وبناتها - الكواكـب السيـارة - ومنها الأرض، في سحـابـة واحدة من غاز الهايدروجـين الملتهب، فانفتقـت هـذه السحـابة فبرزت الكواكب وبرزت الأرض، وكانت ملتهبة، فبردت إلى أن ظهر فيها، على السطح، الطين والماء‏، وهي لا تزال في مركزها، غازا ملتهبا‏.‏‏. وعندما برز فيها الطين، والماء، نشأت الحياة بينهما، في معنى مـا يعرفـه علماء الأحيـاء الآن عـن الحياة، وأول لـوازمها أن تتمتع بالحركـة التلقائية، وأن تتغذى، وأن تتناسل، وقبل هذا، أول لوازم الحى أن يشعر بحياتـه، ومن هذا الشعور تجيء الحركة، في محاولة الاحتفاظ بالحياة، ويجيء الغذاء، ويجيء التناسل، للاحتفاظ بالحياة، في معنى الاحتفاظ بالنسل‏.‏‏.تحولت المادة غير العضوية إلى مادة عضوية فبرز حيوان الخلية الواحدة‏.‏‏.
ومن يومئذ بدأ التعليم!! من المعلـم؟؟ هـو المعلم الواحد - اللّه‏.‏‏. الله هو المعلـم الأصلي!! مـن المعلـم المباشر؟؟ هو العناصر المتعددة في البيئة‏.‏‏. في الحقيقة كل عناصر البيئة حية ولكنها حياة فوق إدراك العقول ولا تصبح حيـاة في إدراك العقول حتى تخرج، من المادة غـير العضوية، المادة العضوية، وهـي ما تسمى، اصطلاحـا، بالحياة‏.‏‏. وما هي المادة التي يعلمهـا المعلم الواحد - الله - بواسطة العناصر المتعددة للحي في مستوى الخلية الواحدة؟ هـي المقدرة على التواؤم بين الحى وبيئته..