((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٩

((9))


بنشأة العرف الذي ينظم العلاقـة الجنسية، والملكية الفردية نشأ الكبت الذي أوجب أن يكون للعقل سلطان على النفس‏.‏‏. ومن ههنا برز الإنسان، في مستوى مـن مستويات المسئوليـة، ميزته عن الحيوان السائـم‏.‏‏. فـالغريزة الجنسية، وحب الملكية الفردية، هما أول ما وقع عليه الكبت‏.‏‏. فهما، من ثمّ في قاع العقل المكبوت - العقل الباطن - النفس الأمارة بالسوء - كما يقـول أصحابنا الصوفيـة‏.‏‏. ومـن هـذا العرف الذي نظم الغريزة الجنسية، والملكية الفردية، تطـورت الـحدود المعروفة عندنا في الإسلام‏.‏‏. وهي أربعة ترجع إلى أصلين: الزنا والقذف، وترجع إلى حفظ القوى الجنسيـة، والسرقة وقطع الطريق، وترجع إلى حفظ حب التملك‏.‏‏. وبملاحظة هذه الحدود، وعدم التعدّي عليها، يقـوى العقل، ويسيطر على نزوات النفس - أو قـل على نزوات الغرائز‏.‏‏. ومن أجـل كرامـة العقـل جـاء حد الخمر‏.‏‏. وهو حدٌ أقل انضباطا من الحدود الأربعة السابقة‏.‏‏. وهو لا يقوم على مجرد الشرب، وإنما يقـوم على السكر‏.‏‏. هـذا في عهد المسئولية‏.‏‏. وأمـا في عهد الوصاية فإنه قـد قام على مجرد الشرب، فجاء: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام"‏.‏‏. لأن عهد الوصاية إنما يقوم على حماية القاصـر مـن تحمـل مسئولية تصرفـه، حين يُظن به العجز عن تحمل هذه المسئولية‏.‏‏.