لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ١١

((11))


فـي الحقيقـة ليـس في الوجـود الحـادث غير الانسان‏.‏‏. وجـود الإنسان وجـود أزلـي أبدي - سرمدي - فهو ينزل المنازل في البعد من الله، وفي القرب‏.‏‏. هو مغترب، وراجع من الاغتراب إلى وطنه، الأصلي، إلى الله في إطلاقه‏.‏‏. وليس لهذا السير نهاية، وإنما هو سير في السـرمد، لأنـه سير إلى المطلـق: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافليـن * إلا الذين آمنوا وعملـوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنـون))‏..‏
خـلق الإنسان في أحسـن تقويـم في الملكـوت عند الله، ثم جـاءه التكليف فعصى أمـر الله بإغـواء إبليـس إياه، فأُبعـد، هـو وزوجـه، وأُبعـد إبليس‏.‏‏. أُبعـدوا إلى أسفل سافلين، وهـو مستوى ذرة غـاز الهايدروجين، ثم ظـل إبليـس في منزلـة أسفل سافلـين لإصـراره على المعصية، والحكمة أن يمثـل النقيـض لأحسن تقويـم، حتى يتحرك البندول بين النقيضيـن، فيكون بذلـك رجـوع الإنسان، مـن اغترابـه في أسفل سافلين، إلى وطنـه، في أحسن تقويم، وإنما كان ذلك لمجيء الإيمان إليه، ولهدايتـه بعمـل الصالحـات، حيـث هـداه الله إلـى التوبـة، والنـدم‏.‏‏. والإيمان وعمــل الصالحات، إنما هـو الإنابة إلى الله‏.‏‏.
ولقد أتى على الإنسان دهر دهـير، قبل أن ينزل منزلة العقل، فيكون مذكورا في ملكوت الله - قبل أن يكون مكلفا بشرع الحرام والحلال، ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا!!))‏.‏‏. ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه)) ولا تكون ملاقاة الله في الزمان، ولا في المكان، وإنما هي معرفته‏.‏‏. ولقد علّم الله الإنسان، وهو في منزلة العناصر الصماء، عن طريق مباشر، وهو طريق القهر الإرادى للعناصر، وبالعناصر، فكانت نتيجة هذا التعليم الطاعة المطلقة للإرادة الواحدة: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا ‏.‏‏.))
ولقد علّم الله الإنسان وهو في منزلة المادة العضوية - الحياة البدائية- وفي مرتبة الحياة العليا، دون الإنسان، عن طريق شبه مباشر وذلك بإرادة الحياة‏.‏‏. ثم سير الله الإنسان - أو قل علّمه - وهو في منزلة الإنسان، عن طريق غير مباشر، وذلك بإرادة الحرية‏..‏ فإرادة الحياة معنى زائد عن حياة العناصر قبل ظهور المادة العضوية‏.‏‏. وإرادة الحرية معنى زائد عن إرادة الحياة، منذ ظهور المادة العضوية‏ - الحياة السفلى‏.‏‏. إرادة الحرية ظهرت بظهور الانسان‏.‏‏. ‏ والاختلاف في جميع المستويات إنما هو اختلاف مقدار.‏‏. الاختلاف بين الإنسان، في ((أحسن تقويم)) فــي الملكــوت، وبين الإنسان في ((أسفل سافلين)) - أدنى مستويات التجسيد في الملك - إنما هو اختلاف مقدار، لا اختلاف نوع، فان التوحيد يمنع أن يدخل في الوجود اختلاف النوع‏‏.‏‏.