لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ١٥

((15))


يسمي كارل ماركس اشتراكيته: الاشتراكية العلمية‏.‏‏. في حين يسمي اشتراكية روبرت أوين: الاشتراكية المثالية‏.‏‏. والناس يتحدثون، في الوقت الحاضر، عن العلمية بتأثر كبير برأى كارل ماركس عن اشتراكيته، ولكنهم غير دقيقين في هذه التسمية‏.‏‏. اشتراكية ماركس علمانية، وليست علمية‏.‏‏. وكذلك كل ما يتحدث عنه الناس الآن، إنما هو علماني، وليس علميا‏.‏‏.
الفرق بين العلمية، والعلمانية، أن العلمانية علم ناقص‏.‏‏. وتجيء العبارة عنه في القرآن: ((وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون!!))
سماه، ونفي عنه، أنه علم‏.‏‏. قال ((لا يعلمون)) ثم قال ((يعلمون ظاهرا))‏.‏‏. وهذا الظاهر إنما هو المادة كما تتبادر إلى حواسنا‏.‏‏. العلمانية تتعلق بالحياة الدنيا - الحياة السفلى - حياة الحيوان، وتغفل عن الحياة الأخرى‏.‏‏. الحياة العليا، وهي حياة الإنسان‏.‏‏.
كارل ماركس ينكر الغيب، وينكر الحياة الأخرى، وتتعلق اشتراكيته بالسعي في الحياة الدنيا، وفي، ظاهرها، ومن ثمّ فهو علماني، وليس عالما‏.‏‏.
العالم هو الذي ينسق بين الحياة الدنيا، والحياة الأخرى، على غرار العبارة النبوية: ((الدنيا مطية الآخرة))‏.‏‏. العالم ذكي، والعلماني شاطر‏.‏‏. والفرق بين الذكي والشاطر أن الذكي يملك ميزان القيمة، ويقيم الوزن بالقسط‏.‏‏. والشاطر لا يملك هذا الميزان، فهو يخبط كحاطب الليل‏.‏‏. الذكي يعرف الوسائل والغايات، وينسق بينها، فلا يصرف، في سبيل الوسيلة، من الجهد، ما ينبغي أن يصرف في تحصيل الغاية‏.‏‏. والشاطر قد يفني حياته في سبيل الوسيلة، لأنه لا يملك التمييز الدقيق بين الوسائل، والغايات‏.‏‏. الدنيا وسيلة الآخرة، فيجب أن تنظم بذكاء، وبعلمية لتتأدّى إلى الغاية المرجوة منها‏.‏‏. ولا يستطيع ذلك العلمانيون وإنما يستطيعه العلماء‏.‏‏.