في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الديباجة

6) إن التعليم الرسمي الذي تقدمه السلطات لأبناء شعوبها، وبناتها في معـاهدها على يومنا الحاضـر، بدأ متأخرا جدا‏.‏‏. فقد بدأ التعليـم المنظم الذي يخاطب العقول، منذ نشأة المجتمع البشري، وذلك عهد يرجع إلى بداية بدائيـة، ممعنة في البعد الزمني، من وقتنا الحاضر‏.‏‏. وكان الفرد البشري يُعَلَّم عادات المجتمـع الذي يعيش فيه، وتقاليده، ويُعلّم كيف يحترمهـا، ويقدسـها، ويطيعها‏.‏‏. وبفضل معرفة، واحترام، وطاعة، هذه العادات، نشأ المجتمع البشري‏، وارتفع فوق قطيـع الحيوان‏.‏‏. وكذلك نشأت القوانين‏.‏‏.

7) وقبيـل هـذه المرحلـة - مرحلة نشأة المجتمع - فإن التعليم قد بدأ‏.‏‏. بدأ التعليم بنشأة الفرد - وهي بالطبع سابقة لنشأة المجتمع- لقد خلـق الله الفرد البشري وسطا، بين القوة والرخاوة - فلا هو قوي العضلات، قوة الأسد والفيل، فيعتمد في حل مشكلاته الحياتية على العضلات ولا هو رخو، لا يستطيع أن ينهض للمناجزة، وللقتال، فيعتمد، في حل مشكلاته الحياتية، على الفرار، والاستخفـاء، وفي هذه النشأة الوسط، وجـد العقـل فرصته للبروز، وللقوة، بحاجة الحي لرسم الخطط، ولتنفيذها‏.‏‏. ومن ثـم ارتفــع الحي البشري فوق مستوى الحيوان‏.‏‏. لقــد وجـد الفرد البشري نفسه محاطا بقوى البيئة الهائلة، المخيفة، البادية العداوة له، فاسترهبته، وأخافته، ولكنه بمحـض الفضل الإلهي عليه، وجد في هذه القوى الطبيعية، ما هو في صورة الصديق، كضوء الشمس، ونور القمر، والماء العـذب، والظـل الظليـل، والثمـر الداني، من الشجر المثمر، فسكن اليه‏.‏‏. ووجد في هذه القوى الطبيعية ما هو في صورة العدو، كالصواعـق، والزلازل، والنيران المجتاحة، ففر منها‏.‏‏. ثم إنه هُدي، بمحض الفضل الإلهي، إلى تقسيم القوى العدوة إلى عدو يستطيع أن ينازله، ويصاوله، ويتغلب عليه، بالحيلة، والفكر، وبالقـوة العضليـة الميسورة، كالحيوان المفترس، وكالعدو من بني جنسه‏.‏‏. وإلى عدو ليست تناله الحيلة‏.‏‏. فنازل، وصــاول، واحتـال، صنوف الحيل، في مواجهة العدو الأول‏.‏‏ ومن صنوف هذه الحيل، اتخاذ الآلة، من الخشب - العصا - ومن الحجر - السكين، والحربة‏ -‏ وأمـا القوى الصديقة وأما القوى العـدوة التي لا تنالهـا مناجزته، فقد هدته الحيلة إلى التزلف إليها، بمحبة للقوى الصديقة، وبخوف من القوى العدوة‏.‏‏. ومن يومئذ نشأ العلم التجريبي، الذي تطور من السلاح الحجري إلى القنبلة الهايدروجينيـة، في وقتنا الحاضر‏.‏‏. ونشـأ الدين الذي تطور مـن التعدديات إلى دين التوحيد، في وقتنا الحاضر أيضا‏.‏‏. ومن القوى الصديقة في تعددها، ومن القوى العدوة في تعددها، نشأت فكرة الآلهة، في تعددها أيضا‏.. وآخر منازل تطور الآلهة المتعددة، نحو الإلـه الواحد، منزلة الثنائية، في إله النور، وإله الظـلام، الذي منه نشأت ديانة الفـرس، حين كانوا يعبدون النـار، فكانـوا مجـوسا.. كانوا يعبدون إلـه النورـ القوى الصديقة - لينصروه على إلـه الظلام - القوى العدوة - وجـاء هذا بعـد تطـور طويـل ووئيد للعبادة البدائية، التي نشأت في الزمن السحيق‏.‏‏. ويلاحظ أن هذه الثنائية قائمة، عنـــد المسلمين اليوم بصورة ملطفة فمن علماء المسلمين من يعتقد أن الشر ليس من الله، وإنما هو من إبليس‏.‏‏.

8) وكمـا هـدت الحيلة الفرد البشري الأول، إلى اتخاذ السلاح، وإلى اتخاذ الدين، ليوجد التوائم بيـنه وبين بيئته، تلك القاسية، هدته أيضا إلى اختراع المجتمع، وهدته إلى أن يعيش في مجتمع، ينمو في عدده، ويتطور في أساليبه، وعاداته، وأعرافه، كل حين‏.‏‏.إن مجتمع الحيوان لا ينمو في عدد ذكوره، وإنما في عدد إناثه، ذلك أن الغيرة الجنسية تحمـل الفحول على أن يقتتلوا في سبيل الإناث، حتى لا يكون في المراح الواحد، إلا فحل واحد‏.‏‏. فإذا كان هناك ذكور، إلى جانب الفحل، في المراح، فإنما هم ذكور لا إربة لهم في الإناث.. فإن كانت لهم إربة في الإناث فانهم سيدخلـون حلبة الصراع مع الفحل الأب، فإما أن يطـردوه من المراح، وإما أن يقتلـوه، وأما أن يطردهم، أو أن يقتلهم هو، وهذا هو الشأن بينهم هم، فيما بينهم‏.. ولقد جعل الله طفولـة البشر أضعف، وأطول من طفولـة الحيوان، ليؤكد له ضرورة المجتمع، لطفولتـه، ولشيخوخته..وكذلك نشأ المجتمع البشري‏.‏‏. ولكنه لم ينشأ إلا بعد أن نشأ العرف الذي نظم الغريزة الجنسية، وأمّن الملكية الفرديـة، فحُرِّمت الأخت على أخيها، وحُرّمت الأم على ولـدها، وحُرّمت البنـت على أبيها، وكذلك استطاع الابن أن يعيش مع أبيه، وأمه، بعد أن يبلغ سن الرشد‏.‏‏. وكذلك استطـاع أن يعيش الصهر، مع صهره، وهـو آمـن على زوجتـه، من أبيها، ومن أخيها‏.‏‏. ومن ناحية الملكيـة الفردية للسـلاح الذي يتخذ من الحجر الجيد، وللكهـف ينحت في الجبل مثلا، فقد قام العرف بالاعتراف بها لأصحابها، ومنع السطو عليها، وكذلك استطاع أفراد المجتمع أن يعيشوا في سلام، يحتكمون إلى شيوخهم، عند التنازع، على أمر من أمورهم‏.. ولقد فُهمت الآلهة بصورة تجعلها تطلع على المخالفات التي قــد تجرى من الأفراد في السطـو على ملكيـة الآخرين أو على زوجاتهم حين يظنون أنهم أمنوا أعين الرقباء‏.‏‏. وتوقـع على هـؤلاء اللعنة، وسوء المنقلب‏.‏‏. هـذا بالإضافة إلى ما يوقعه شيوخ الأسر من عقوبة مخالفة العرف، والتقليد، والعادة و(القانون) حين يطلعون على هذه المخالفة.. ولقد نشأت، مع نشأة العبادة (الدين والآلهة)، فكرة الحياة الأخرى، بعـد الحياة الدنيا‏.‏‏. نشأت من الشعـور، ومـن الأحلام‏.‏‏. وأعانت فكرة الحياة الأخرى على ضبط نزوات الأفـراد‏.‏‏.

9) بنشأة العرف الذي ينظم العلاقـة الجنسية، والملكية الفردية نشأ الكبت الذي أوجب أن يكون للعقل سلطان على النفس‏.‏‏. ومن ههنا برز الإنسان، في مستوى مـن مستويات المسئوليـة، ميزته عن الحيوان السائـم‏.‏‏. فـالغريزة الجنسية، وحب الملكية الفردية، هما أول ما وقع عليه الكبت‏.‏‏. فهما، من ثمّ في قاع العقل المكبوت - العقل الباطن - النفس الأمارة بالسوء - كما يقـول أصحابنا الصوفيـة‏.‏‏. ومـن هـذا العرف الذي نظم الغريزة الجنسية، والملكية الفردية، تطـورت الـحدود المعروفة عندنا في الإسلام‏.‏‏. وهي أربعة ترجع إلى أصلين: الزنا والقذف، وترجع إلى حفظ القوى الجنسيـة، والسرقة وقطع الطريق، وترجع إلى حفظ حب التملك‏.‏‏. وبملاحظة هذه الحدود، وعدم التعدّي عليها، يقـوى العقل، ويسيطر على نزوات النفس - أو قـل على نزوات الغرائز‏.‏‏. ومن أجـل كرامـة العقـل جـاء حد الخمر‏.‏‏. وهو حدٌ أقل انضباطا من الحدود الأربعة السابقة‏.‏‏. وهو لا يقوم على مجرد الشرب، وإنما يقـوم على السكر‏.‏‏. هـذا في عهد المسئولية‏.‏‏. وأمـا في عهد الوصاية فإنه قـد قام على مجرد الشرب، فجاء: "ما أسكر كثيره، فقليله حرام"‏.‏‏. لأن عهد الوصاية إنما يقوم على حماية القاصـر مـن تحمـل مسئولية تصرفـه، حين يُظن به العجز عن تحمل هذه المسئولية‏.‏‏.

10) هل بدأ التعليم عندما بلغ الفرد البشري مستوى معينا من الإدراك والخيال به ارتفع فـوق الحيوان فاحتال بالمصالحة والمناجزة على القوى الطبيعية التي احتوشته في بيئته على نحو ما جرى به الشرح قبل قليل؟؟
لا!! ولا كرامة!! وإنما بدأ التعليم قبل ذلك بآماد يخطئها العد، ويصح أن يقال فيها أنها تبلغ بلايين السنين‏.‏‏. إن الأرض قد كانت في أمـها الشمس، هي وأخواتها الكواكب السيـارة.. كانت مرتتقة مع الشمس، فجرى الانفصال، قبل مـا يزيـد على العشـرة بلايـين من السنين: ((أولم يـر الذين كفـروا: أن السمـوات والأرض، كانتا رتقا، ففتقناهمـا، وجعلنا من الـماء كل شـيء حـي؟؟ أفـلا يؤمنون؟؟))‏.. كانت الشمس، وبناتها - الكواكـب السيـارة - ومنها الأرض، في سحـابـة واحدة من غاز الهايدروجـين الملتهب، فانفتقـت هـذه السحـابة فبرزت الكواكب وبرزت الأرض، وكانت ملتهبة، فبردت إلى أن ظهر فيها، على السطح، الطين والماء‏، وهي لا تزال في مركزها، غازا ملتهبا‏.‏‏. وعندما برز فيها الطين، والماء، نشأت الحياة بينهما، في معنى مـا يعرفـه علماء الأحيـاء الآن عـن الحياة، وأول لـوازمها أن تتمتع بالحركـة التلقائية، وأن تتغذى، وأن تتناسل، وقبل هذا، أول لوازم الحي أن يشعر بحياتـه، ومن هذا الشعور تجيء الحركة، في محاولة الاحتفاظ بالحياة، ويجيء الغذاء، ويجيء التناسل، للاحتفاظ بالحياة، في معنى الاحتفاظ بالنسل‏.‏‏. تحولت المادة غير العضوية إلى مادة عضوية فبرز حيوان الخلية الواحدة‏.‏‏. ومن يومئذ بدأ التعليم!! من المعلـم؟؟ هـو المعلم الواحد - اللّه‏.‏‏. الله هو المعلـم الأصلي!! مـن المعلـم المباشر؟؟ هو العناصر المتعددة في البيئة‏.‏‏. في الحقيقة كل عناصر البيئة حية ولكنها حياة فوق إدراك العقول ولا تصبح حيـاة في إدراك العقول حتى تخرج، من المادة غـير العضوية، المادة العضوية، وهـي ما تسمى، اصطلاحـا، بالحياة‏.‏‏. وما هي المادة التي يعلمهـا المعلم الواحد - الله - بواسطة العناصر المتعددة للحي في مستوى الخلية الواحدة؟ هـي المقدرة على التواؤم بين الحي وبيئته..