لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٢

((2))


ولما كان حكم الشعب، بواسطة الشعب، من الناحية العملية، مستحيلا، فقد جاء الحكم النيابي، ونشأت الأحزاب السياسية..‏
وفي الحكم النيابي قلة قليلة جدا هي التي تباشر، نيابة عن الشعب، السلطة التشريعيـة، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية‏.‏‏. والمفترض أن الشعب يراقب هذه القلة حتى يطمئن إلى أنها، إنما تدير دولاب السلطة لمصلحته هو، لا لمصلحتها هي‏.‏‏. وهذا يقتضي وعي الشعب، ويقتضي وعي القلة التي تباشر السلطة أيضا‏.‏‏. وليس هناك شعب من الشعــوب، إلى وقتنا الحاضر، استطاع أن يكون في مستوى الوعي الذي يمكنـه من مراقـبة أداء من يتولـون، نيابة عنه، إدارة مرافقه بصورة تقرب، ولو من بعيد من مستوى الحكم الديمقراطي بمعنى هذه الكلمة‏.‏‏. وليست هناك، إلى وقتنا الحاضر، قلــة، في أيّ شعب من شعوب الأرض، استطاعت أن ترتفع فوق مطامعها، وأنانيتها، وجهلـها، لتحكم شعبهـا حكمـا ديمقراطيـا صحيحا‏.‏‏. فالقلة إنما تحكم الشعب لمصلحتها هي، لا لمصلحته هو‏.‏‏. ويصدق في كل قلـــة حاكمــة اليوم ما قاله أبو العلاء المعري منذ وقت طويل:

ملّ المقـامُ، فكم أعاشر أمـة أمرت بغير صلاحــها، أمراؤهـا
ظلموا الرعية واستباحوا كيدها وعَدوْا مصالحها، وهم أجـراؤها