((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الديباجة

صفحة ٤٧

((47))


لقد خلق الله تبارك، وتعالى، الإنسان ليكون عالما، وحرا، وحيا، حياة لا موت فيها، وهكذا والاه بالتعليم، وفرض عليه العلم فرضا: ((يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه.‏‏.))‏.‏ أردت أو لم ترد!! فإنه ما من ملاقاة الله بد!! ولا تكون ملاقاة الله إلا بالعلم‏.‏‏. ولقد خلق لنا الله العالم لنتعلم منه، وفيه‏.‏‏. وقد سيرنا إليه بالعالم - بالبيئة تسييرا‏.‏‏. لقد خلق الله العالم كله مطيعا، ومجبولا على الطاعة‏.‏‏. وخلق الناس وأعطاهم حق المعصية، والطاعة، ليصلوا إلى الطاعة عن طريق العلم، والحرية‏.‏‏. ((ألم تر أن الله يسجد له، من في السموات، ومن في الأرض، والشمس والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء؟؟))‏.‏‏. ((وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب))‏.. هذا لمكان الطاعة، والمعصية التي متع الله بها الإنسان‏.‏‏. كل الوجود مسلم لله: ((أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السموات والأرض، طوعا، وكرها، وإليه يرجعون؟))‏.‏ هذا هو الإسلام العام، يخضع له كل العالم، ولا يشذ عنه شاذ‏.‏‏. هذا هو إسلام الأجساد‏.‏‏. وهناك الإسلام الخاص، وهو إسلام العقول، وفيه تقع المعصية، وتقع الطاعة، ولذلك قال في الآية السابقة، بعد أن ذكر سجود كل شيء لله، قال، عن الناس: ((وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب))، إشارة إلى الطاعة، والمعصية‏.‏‏. وليس للإسلام العام - ليس بالطاعة في الإسلام العام عبرة عند الله - وإنما العبرة بالطاعة في الإسلام الخاص‏.. العبرة عنده بالطاعة طوعا، واختيارا، لا كرها واقتسارا‏.‏‏. ((ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا؟))‏.‏ وروح الآية في عبارة ((وهو محسن)) أي مختار، ومدرك، لإسلام وجهه لله..

محمود محمد طه
السودان 30 / 10 / 1984م