لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٤٦

((46))


البيئة بيئتان: بيئة طبيعية، من العناصر الصماء، في الأرض، وفي السموات، وبيئة اجتماعية، من جميع الأحياء، من لدن حيوان الخلية الواحدة - سواء أن كانت خلية حيوان، أو خلية نبات‏.‏‏. والبيئة مع ذلك، وحدة متحدة، الاختلاف بين أعلاها، وهو الإنسان، وأسفلها وهو ذرة بخار الماء، إنما هو اختلاف مقدار‏.‏‏. هذا يعنى أن أصغر جزيئات المادة، إنما هي على صورة الإنسان، وهي الإنسان، في طور من أطوار نموه، نحن لا نعرفه، كما أنا لا نعرف الإنسان، وهو في طور الحيوان المنوي‏.‏‏. نحن لا نعرفه إلا بعد أن يولد، بشرا، بعد أن مكث تسعة أشهر، وبضعة أيام، في الرحم‏.‏‏. إن البيئة - سواء أكانت طبيعية، أو اجتماعية ،إنما هي مظهر الله العلى‏.‏‏. لقد تنزلت الذات العلية من صرافتها إلى مراتب الأسماء والصفات‏.‏‏. تنزلت إلى مرتبة الاسم (الله) وبهذا الاسم قامت الأسماء والصفات والأفعال‏.‏‏. وأعلى هذه الأسماء: الله، الرحمن، الرحيم‏.‏‏. ثم يجئ ثالوث الأسماء: العالم، المريد، القادر‏.‏‏. وبهذا الثالوث، بصورة ندركها أكثر مما ندرك ثالوث الأسماء الأول، ظهر الخلق - ظهرت البيئة - ونحن، إنما ندرك هذا الثالوث أكثر مما ندرك الثالوث الأول - الله، الرحمن، الرحيم - لأن عندنا فيه مشاركة، أكثر مما عندنا في الثالوث الأول‏.‏‏. فنحن، كل منا، قد خلقه الله عالما، ومريدا، وقادرا، في المستوى الذي يليق بنا‏.‏‏. وإنما برزت البيئة الطبيعية، والاجتماعية، إلى الوجود بهذه الأسماء الثلاثة‏.‏‏. فالله، تبارك، وتعالى، قد أحاط بها علما، وقد خصص الصورة الأولى منها إرادة، وقد جسدها، بالصورة التي تؤثر على حواسنا، وعقلنا، قدرة‏.‏‏. فهو بالعلم أحاط بالمخلوقات، وبالإرادة خصص صورتها المحددة، وبالقدرة أبرز هذه الصورة في عالم الاجساد‏.‏‏.
هذه صورة خلق الله‏.‏‏. وتشبهها صورة خلق الإنسان‏.‏‏. فالنجار، تكون في عقله صورة للتربيزة التي يريد صنعها - تكون في علمه، بصورة عامة‏.‏‏. فإذا أخذ قلما، وورقة، فرسم ارتفاعها، وأبعاد قرصها، وحجم أرجلها، فقد خصص صورة العلم، بالإرادة‏.‏‏. فإذا أخذ أدوات نجارته، وبدأ في تجهيز أجزاء التربيزة من الخشب الخام الذي في ورشته، إلى أن جمعها على بعضها، فقد أبرز التربيزة، بالقدرة - أحاط بالتربيزة بالعلم، وخصصها بالإرادة، وأبرزها بالقدرة‏.‏‏. هذا هو المعنى المقصود من قول المعصوم: ((إن الله خلق آدم على صورته))‏.‏‏. وقد سبقت إلى ذلك الاشارة‏.‏‏. فالله، تبارك، وتعالى، حي، وعالم، ومريد، وقادر، وسميع، وبصير، ومتكلم‏.‏‏. وهكذا قد جعل الإنسان حيا، وعالما ومريدا، وقادرا، وسميعا، وبصيرا، ومتكلما‏.‏‏. الإنسان يعلم بالعقل، ويريد بالهمة، ويقدر بالعضلات‏.‏‏. ولكن الله، تبارك وتعالى، لا يفعل بالجارحة، وإنما يفعل بالذات‏.‏‏. فهو تبارك، وتعالى، يعلم بذاته، ويريد بذاته، ويقدر بذاته‏.‏‏. وهو قد خلق العالم بثالوث الأسماء – العالم، المريد، القادر‏.‏‏. يمكن أذن أن نقول: إن العالم هو تجسيد علم الله‏.‏‏. يمكن أن نقول: إن العالم هو تجسيد ذات الله، في مستوى التنزل، في منازل القرب، من عقل الإنسان – في مستوى القدرة – وذلك من أجل أن يفهم الإنسان‏.‏‏. ((اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم‏.‏‏.)) علمه بقلم القدرة‏.‏‏. وذلك القلم الذي أبرز المعاني إلى عالم المباني – عالم الأجساد‏.‏‏. تحرك العلم إلى القدرة، وتحركت بينهما، الإرادة‏.‏‏. وما دمنا نتحدث عن الفتق، بعد الرتق، في الخلق، فلنواصل تعبيرنا في أمر تنزلات الذات العلية‏.‏‏. فقد كانت الإرادة والقدرة مرتتقتين، في العلم، فانفتق العلم عن القدرة، وهي تمثل النقيض، لأنها في جانب التجسيد، وتحرك البندول - وهو الإرادة - بين العلم والقدرة‏.‏‏. فالإرادة صفة وسطى، من أعلاها العلم، ومن أسفلها القدرة، وهي تمثلهما، كلتيهما، كما يمثل كل وسط، الطرفين الذين يكتنفانه‏.‏‏. وعلى هذا يمكن القول بأن علم الله تبارك وتعالى قد خلق العالم - البيئة الطبيعية والاجتماعية - بالإرادة‏..‏
البيئة مظهر إرادة الله‏.‏‏. والإرادة "ريدة" والريدة عندنا نحن السودانيين - محبة‏.‏‏. العالم "محبة" والله "محبة" ولم يجعل الله في العالم بغضا وعداوة إلا لحكمة تعليمنا نحن‏..‏ والتعليم يبدأ من الجهل - وكذلك بدأنا نحن بني البشر نعلم من الجهل ونسير بتسيير الله لنا من الظلام إلى النور - من الجهل إلى العلم‏.‏‏. وما خلق الله الظلام إلا لنتعلم نحن بالضد‏.‏‏. قال تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون)) خلق الظلام لنعرف النور، وخلق الشر لنعرف الخير، وعندما نفهم، لا يبقى إلا العلم، ولا يبقى إلا الخير: ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم‏.‏‏. وكان الله شاكرا عليما‏.‏‏.)) والله هو الذي سيرنا من الجهل إلى العلم ومن الظلام إلى النور: ((الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور‏.‏‏.)) ((ألر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى سراط العزيز الحميد.. ))‏.‏‏. ((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن اخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور‏.‏‏.))‏.‏‏.