في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الديباجة

36) بالكبت أخذنا أول خطوة في طريق السير إلى مقام إنسانيتنا‏.‏‏. وبفضّ الكبت نصل إليها‏.‏‏. ولقد ذكرنا أن التطور، في مضمار البشرية، منذ أن ارتفعت فوق مستوى الحيوانية بالكبت، ظل في نطاق الكبت‏.‏‏. والكبت سببه الخوف‏.‏‏. والخوف سببه الجهل بالبيئة التي نعيش فيها‏.‏‏. ولقد قلنا: إن العلم المادي التجريبي قد رد الكون الظاهري - أو قل قد رد المادة - إلى أصل واحد، هو الطاقة‏.‏‏. وعندما وصل الدين إلى معنى ((لا إله إلا الله)) بأنه لا فاعل لكبير الأشياء، ولا لصغيرها، إلا الله، فقد رد جميع مظاهر الوجود إلى مظهر واحد، هو الله - الكون مظهر الله في ذاته - لقد تحققت وحدة الوجود بتضافر العلم المادي، والعلم الروحي‏.‏‏. وأصبحت البيئة القديمة بيئة جديدة‏.‏‏. هي بيئة روحية في مظهر مادي‏.‏‏. وأصبح علينا إذن أن نتواءم معها‏..‏ ثم إن هناك أمرا آخر تقرره الكلمة: ((لا إله إلا الله))‏.‏‏. هذا الأمر هو أن الوجود واحد، وأنه هو خير مطلق، وصرف، ولا مكان للشر فيه، إلا لحكمة تعليمنا نحن.. قال تعالى: ((ومن كل شيء خلقنا زوجين، لعلكم تذكرون* ففروا إلى الله‏.‏‏. إني لكم منه نذير مبين))‏.‏‏. "فالاثنينية" مظهر للواحد، وليست أصلا فيه‏.‏‏. والحكمة من الاثنينية أن نتعلم نحن، لأن حواسنا التي تؤدي المعاني إلى عقولنا اثنينية، وكذلك عقولنا‏.‏‏. فنحن إنما نعرف الأشياء بأضدادها - نعرف الظلام، بالنور‏.‏‏. ونعرف البرد، بالحر‏.‏‏. ونعرف الشر، بالخير، وهكذا‏.‏‏. لقد دخل الشر في الوجود ليعرّفنا بالخير‏.‏‏. والله خير مطلق‏.‏‏. فإن نحن استطعنا أن نتواءم مع خلقه- نرضى بفعله - لا نرى الشر اطلاقا‏.‏‏. والله تعالى يقول: ((ما يفعل الله بعذابكم، إن شكرتم، وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما؟؟))‏.‏‏. وفي الآيتين السابقتين يأمرنا، تبارك وتعالى، أن نفر من الثنائية إلى الوحدة، حيث ينقطع عنا الشر، ويبقى الخير وحده‏.‏‏. هذه المعرفة الجديدة للبيئة القديمة هي التي تحررنا من الخوف‏.‏‏. وبالتحرر من الخوف ينفض الكبت الذي رسبه فينا الخوف الذي دفعه إلى قلوبنا الجهل بحقيقة البيئة‏.‏‏.

37) فطرة الله التي فطر الناس عليها هي "الحياة"‏.‏‏. هي حياة الإنسان، وما حياة الحيوان إلا الخطوة الأولى في السير إلى حياة الإنسان‏.‏‏. حياة الإنسان عالمة وحياة الحيوان جاهلة‏.‏‏. حياة الإنسان هي الحياة الأخرى، وحياة الحيوان هي الحياة الدنيا‏.‏‏. للحياة الأخرى عقل المعاد، وللحياة الدنيا عقل المعاش، وإنما جاء الدين ليهذب عقل المعاش، حتى يرتفع بنا إلى عقل المعاد‏.‏‏. ولقد ورد في ذلك بعض التفصيل‏.‏‏. ولما كانت حياة الإنسان عالمة، كانت أيضا طائعة لله، مؤمنة به: ((الذين آمنوا، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن، وهم مهتدون‏.‏‏.)) ولقد قال، تبارك وتعالى، عن الحياتين، الحياة الدنيا، والحياة الأخرى: ((وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، لو كانوا يعلمون!!)) و"الحيوان" تعني المبالغة في الحياة - تعني الحياة الكاملة‏.‏‏.
ولقد خلق الإنسان- آدم- على هذه الفطرة - الحياة الكاملة‏.‏‏. ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)) وذلك في أعلى الجنان - في الملكوت - عند الله، وترد عنها العبارة القرآنية ((عند مليك مقتدر)) من قوله، تبارك وتعالى: ((إن المتقين في جنات، ونهر * في مقعد صدق، عند مليك مقتدر‏.‏‏.))‏.‏‏. ثم إنه، من مقام ((أحسن تقويم)) قد رُد إلى ((أسفل سافلين))، وإنما رد بالأمر التكويني‏.‏‏. والأمر التكويني يقوم على حكمة الخلق‏.‏‏. ولقد رد إلى ((أسفل سافلين))، وفي ذاكرته ((أحسن تقويم))، ومن أجل ذلك ظل يحلم بالكمال دائما، ويسعى إلى تحصيله‏.‏‏.
ولقد قلنا: إن ((أسفل سافلين)) هو مرتبة أدنى التجسيد في عالم الملك - مرتبة ذرة بخار الماء - ذرة غاز الهايدروجين‏.‏‏. ولقد أخذ الإنسان طريقه، في العودة إلى الله، من ذلك التجسيد المهين، وذلك بمحض الفضل الإلهي.. ولقد أنفق في ذلك السير دهرا، دهيرا‏.‏‏. ولقد عبر، تبارك وتعالى، عن ذلك بقوله: ((هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة، أمشاج، نبتليه‏.‏‏. فجعلناه سميعا بصيرا‏.‏‏.)) وهو إنما لم يكن شيئا مذكورا في ملكوت الله لأنه لم يبلغ أن يكون مكلفا، في ذلك الحين الطويل من الدهر، وإنما كان يتقلب في الحيوات الدنيا - حياة الذر، والهوام، والحيوان‏.‏‏. ثم إنه لما برز فيه العقل أصبح منورا بالعقل من أعلاه، مظلما بالنفس من أسفله‏.‏‏. وظل على ذلك متجاذبا بين الواجب، ويمليــه العقل، وبين الشهوة، وتمليها النفس‏.‏‏. وكان على ذلك أيضا خطاء‏.‏‏. وجعــل الله، تبارك وتعالى، كماله في هذه النشأة الخطّاءة‏.‏‏. فهو يخطئ، ويصيب، ويزيد رصيــد صوابه من ممارسة خطئه‏.‏‏. ولقد قال المعصوم: ((إن لم تخطئوا، وتستغفروا، فسيأتي الله بقوم، يخطئون، ويستغفرون، فيغفر لهم‏.‏‏.)) وعندما نزل آدم الأول - آدم الخليفة - منزلة التكليف، فنبئ، أسكن جنة الملك - جنة الأرض: ((وقلنا يا آدم اسكن، أنت، وزوجك الجنة، وكُلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر، ومتاع، إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا، فأما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون * والذين كفروا، وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب النار‏، هم فيها خالدون))‏.‏‏.
((ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين))‏، هذا أول أمر تشريعي لآدم، بعد الأمر بالعبادة، وهو تنظيم القوة الجنسية‏.‏‏. ولقد كان هذا أول أمر تشريعي لأسلاف آدم عند ظهور العقل، وقبل وفرة العلم‏.‏‏. ولقد وردت إلى ذلك الإشارة عند الحديث عن نشأة المجتمع‏.‏‏. ولقد أُهبط آدم من جنة الأرض بمخالفة هذا الأمر التشريعي‏.‏‏. وهذه الخطيئة قد جبرت بالاستغفار، وعاد آدم الخليفة إلى الطاعة، والهداية‏.‏‏. قال تعالى في ذلك: ((فتلقي آدم من ربه كلمات، فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم))‏.‏‏. ولقد كانت تلك الكلمات هي قول آدم، وزوجه: ((ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا، وترحمنا، لنكونن من الخاسرين))‏.‏‏. لقد أُهبط آدم من جنة الأرض - وذلك، في مستوى من المستويات، رد من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين)) كما رد، أو أهبط، بعض ذريته، من بعده، ولا يزال هذا يجري، وسيظل يجري، مع كل خطيئة: ((وذا النون إذ ذهب مغاضبا، فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات، ألاّ إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له، ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين))‏.‏‏. وعن قوم سبأ يخبرنا، تبارك وتعالى: ((لقد كان لسبأ، في مساكنهم، آية: جنتان، عن يمين، وشمال، كلوا من رزق ربكم، واشكروا له.. بلدة طيبة، ورب غفور * فأعرضوا، فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم، بجنتيهم، جنتين ذواتي أكل خمط، وأثل، وشيء من سدر قليل))‏.‏‏.

38) لقد أُهبط آدم الخليفة من جنة المعاني، في الملكوت، إلى جنة المباني، في الملك، بالأمر التكويني، وعلى الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق، ولا تقع، في الأمر التكويني، معصية، فما فيه غير الطاعة‏.‏‏. ثم إن آدم قد أُهبط من جنة الطاعة، حيث الرغد، والوفرة، إلى جنة الشقاء، والضيق، لما عصا الأمر التشريعي، ((ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين))‏.‏‏. وقال تعالى عنه: ((وعصى آدم ربه فغوى))‏.‏‏. وهو إنما عصى لأنه استمع لأمر الشيطان، ونسي أمر ربه: ((فوسوس إليه الشيطان، قال: يا آدم!! هل أدلك على شجرة الخلد، وملك لا يبلي؟؟ * فأكلا منها، فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه، فغوى * ثم اجتباه ربه، فتاب عليه، وهدى))‏.‏‏. وهو إنما استمع لأمر الشيطان، لأن عقل معاده، قد كان محجوبا بعقل معاشه، وهو عقل يسيطر عليه الخوف العنصري!! الساذج، ولذلك فقد طمع في الخلد، والملك الذي لا يبلى‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى عقل المعاد وعقل المعاش‏.‏‏. ((ثم اجتباه ربه، فتاب عليه، وهدى))، هدى عقل معاشه بالتهذيب بالعبادة، وبالعقوبة، ليسير به إلى عقل معاده، حيث يعرف القيم، فيطيع أمر الله، ويعصى أمر الشيطان.. ولقد قلنا إن المعصية لا تقع في الأمر التكويني، فليس ثمة إلا الطاعة‏.‏‏. وقلنا على الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق‏.‏‏. وأما على الأمر التشريعي فتقوم حكمة التعليم‏.‏‏. وفي الأمر التشريعي تقع المعصية، وتقع الطاعة‏.‏‏. الأمر التكويني مسيطر على عالم الملكوت، وعلى عالم الملك - على عالم العقول، وعلى عالم الأجساد، على السواء‏.‏‏. ولهيمنة الأمر التكويني، على الأمر التشريعي، فليست هناك معصية، في الحقيقة، وإنما المعصية في الشريعة - في حكم العقل‏.‏‏. وفي هذا سر التسيير، والتخيير، الذي شغل، ولا يزال يشغل، عقول المفكرين، من علماء الدين، ومن علماء الدنيا.. والحكمة وراء المعصية، إنما هي ترويض العقول، لتسير، بالممارسة، من المعصية إلى الطاعة، حتى تصبح مطبوعة على الطاعة، وهي مختارة لها، ومقتنعة بقيمها‏.‏‏. لقد خلق الله، في الملكوت، خلقا مرحليين، وضرب عليهم الطاعة، فهم ((لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون))‏.‏‏. هم بذلك علماء، ولكنهم ليسوا أحرارا‏.‏‏. وخلق الله في الملك خلقا مرحليين، وضرب عليهم المعصية، فهم لا يطيعون‏.‏‏. أولئك هم الملائكة‏.‏‏. وهؤلاء هم الأبالسة.. وعدم الحرية في أولئك، وهؤلاء إنما هو أمر مرحلي‏.‏‏. ثم إن الله خلق، بين أولئك، وهؤلاء، خلقا هم البشر‏.‏‏. الملائكة عقول، بدون شهوة‏.‏‏. والأبالسة شهوة، بدون عقول.. والبشر شهوة، رُكِّبت عليها العقول لتسوسها‏.‏‏. وجاء الشرع ليقوّي العقول على هذه السياسة، فتسير إلى الطاعة، وهي مدركة، وعالمة، فتكون الحصيلة، العلم، والحرية، وذلك بفضل الله، ثم بفضل كمال النشأة البشرية، التي أعطيت حق "الخطأ‏".‏‏. وبهذه النشأة أصبح سائر البشر، أكمل، مآلا، من سائر الملائكة‏.‏‏. ولا يكمل الملائكة، ولا الأبالسة، بأن يكونوا علماء، وأحرارا، حتى يدخلوا في هيكل الإنسان‏.‏‏.

39) لقد بدأنا هذا البحث بالحديث عن الديمقراطية‏.‏‏. ولقد جاء الحديث عن الديمقراطية، بعد الآية العظيمة، التي صدرنا بها حديثنا هذا، بدون أيّ مقدمة، حتى إني لأظن أن بعض الناس قد يستغرب هذا الأمر‏.. قلنا إن الديمقراطية إنما هي حكم الشعب، بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب‏.‏‏. وهذا الحكم إنما هو الحكم الباقي‏.‏‏. وهو حكم لم يجد تطبيقه، إلى اليوم، ولن يجده إلا في الإسلام‏.‏‏. وإنما من أجل تحقيق هذا الحكم العظيم، في واقع الناس، كتبنا هذا الاستقراء لنشأة الحياة، ونشأة المجتمع، ومجيء الأديان، وتعاقبها، حتى جاء دين التوحيد، في المصحف الشريف، الذي رسم خطة العودة إلى الله، في إطلاقه‏.‏‏. في الإسلام الديمقراطية هي حق الخطأ‏.‏‏. وحق الخطأ هو كمال النشأة البشرية، على النشأة الملائكية‏.‏‏. وقد وردت الإشارة إلى ذلك، وقيل، وقتها: إن حق الخطأ يمكّن الإنسان من أن يكون عالما، وحرا، في نفس الأمر‏.‏‏. والحرية وسيلة الحياة‏.‏‏. والعلم وسيلة الحرية‏.‏‏. والحياة وحدها هي الغاية في ذاتها، فأكرم بالحرية من وسيلة، هي طرف، من أعظم غاية - الحياة‏.‏‏.
ولقد كرم النبي الكريم حق الخطأ، أعظم تكريم، حين قال: ((إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأت الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم))‏.‏‏. وذلك لمكان الحرية، في الخطأ، والصواب‏.‏‏. ولمعزّة الحرية، عند الله، قال تعالى لنبيه الكريم: ((وقل: الحق من ربكم، فمن شاء، فليؤمن، ومن شاء فليكفر‏!! إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا، يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب، وساءت مرتفقا‏.‏‏.)) هذه هي الحرية، وهذا هو ثمنها - المسئولية‏.‏‏. والحرية، في الإسلام، مطلقة، لأنها إنما تتضوع من المطلق‏.‏‏. الحرية، في الإسلام، هي العبودية لله: ((وما خلقت الجن، والإنس، إلا ليعبدون)) ويقول: ((إن كل من في السموات، والأرض، إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم، وعدهم عدا * وكلهم آتيه، يوم القيامة، فردا)) والعبودية هي أن تنعتق من رقك للعناصر ‏- من رقك للأحياء، والأشياء - أن تنعتق حتى من سيطرة الزمان، والمكان عليك، لتكون عبدا، خالصا لله، لا يشاركه في رقك شيء، على الإطلاق‏.‏‏. ومن ثم قلنا: إن الحرية، في الإسلام، مطلقة، وهي لا تقيد إلا بمقدرة الحر على القيام بحسن التصرف فيها‏.‏‏.

40) إن الفرد البشري، حين قيد نفسه بقيود أعراف المجتمع - طائعا أو مكرها - إنما من أجل الحرية قيدها‏.‏‏. كأنه تنازل عن بعض حريته ليستمتع بباقيها، بفضل العيش في المجتمع، والانتفاع بالأمن، والحب، والدفء، الذي يوفره له المجتمع‏.‏‏. الديمقراطية هي نظام الحكم، في وقتنا الحاضر، الذي يجب أن يوفر للفرد البشري كل الحرية التي تمكنه من أن يحقق فرديته، التي ينماز بها، عن أفراد القطيع‏.‏‏. وهذه لا تتحقق بمجرد الحرية في الجماعة التي يقوم الحكم الديمقراطي على توفيرها، وإنما تتحقق، بها، وبالمنهاج التعبدي، والتعاملي الذي يسوق الفرد، سوقا فرديا، في طريق الرجعى، إلى الله، تبارك، وتعالى، حيث صدرنا، أول الأمر، في طريق الاغتراب‏.‏‏. ((لقد خلقنا الإنسان، في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، فلهم أجر غير ممنون‏.‏‏.))‏.‏‏. ((فلهم أجر غير ممنون)) يعني أن حبل العودة لهم من ((أسفل سافلين)) إلى ((أحسن تقويم)) موصول، غير مقطوع‏.‏‏. ذلك هو الإيمان، وعمل الصالحات - منهاج العبادة، والمعاملة‏.‏‏.
ولقد قلنا: إننا إنما هبطنا، من ((أحسن تقويم)) إلى ((أسفل سافلين)) بالمعصية فنحن، إذن، لا نعود إلى ((أحسن تقويم)) إلا بالطاعة – هذا، هو قانون المعاوضة -
لقد قلنا، عند حديثنا عن الفطرة، إن الله فطر الناس على الحياة الكاملة، وقلنا إن الحياة الكاملة عالمة، وهي، من ثمّ، طائعة لله، لا تعصيه - مسلمة له‏.‏‏. ونقول إن معنى الإسلام: الاستسلام - الطاعة‏.‏‏. قال تعالى، لأمة المؤمنين: ((يا أيها الذين آمنوا!! اتقوا الله، حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون))، أي مستسلمون، طائعون‏.‏‏. ولقد سبقت الإشارة إلى أنه على الأمر التكويني تقوم حكمة الخلق، وأنه ليس، في الأمر التكويني، معصية، فليس ثمة إلا الطاعة، وإنما المعصية في الأمر التشريعي، ولاشتمال الأمر التكويني، على الأمر التشريعي، فليس هناك معصية، في الحقيقة، وإنما المعصية في الشريعة لحكمة التعليم‏.‏‏. فلكأن الفطرة التي فطر الله الناس عليها إنما هي الطاعة.. وهو، تبارك وتعالى، يقول، في ذلك: ((تسبح له السموات السبع، والأرض، ومن فيهن‏.‏‏. وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا‏.‏‏.)) ولكن لا عبرة بتسبيح غير العقلاء، عند الله، وإنما العبرة، كل العبرة، بتسبيح - قل بطاعة - العقول، ولذلك فإنه، تبارك وتعالى، يقول: ((ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا؟؟)) ويقول: ((ومن يسلم وجهه إلى الله، وهو محسن، فقد استمسك بالعروة الوثقي، وإلى الله عاقبة الأمور‏.‏‏.)) وروح هاتين الآيتين في قوله: ((وهو محسن))، يعني يسلم وجهه لله، وهو عاقل، ومدرك، ومختار لهذا الإسلام - هو عالم، وحر، في ذلك التسليم‏.‏‏. وفي موضع آخر يقول، تبارك وتعالى: ((لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد، من الغي، فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله، فقد استمسك بالعروة الوثقى، لا انفصام لها، والله سميع، عليم))‏.‏‏. والعروة الوثقى هي القرآن‏.‏‏. قاعدته شريعة، وقمته حقيقة‏.‏‏. وهو، بين الشريعة، والحقيقة، موصل إلى الله، ولذلك قال: ((وإلى الله عاقبة الأمور))‏.‏‏. العروة الوثقى هي طرف الحبل الممدود بين الله، والناس، من استمسك به سار إلى الله‏.‏‏.