لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول




الديباجة

صفحة ٨

((8))


وكمـا هـدت الحيلة الفرد البشري الأول، إلى اتخاذ السلاح، وإلى اتخاذ الدين، ليوجد التوائم بيـنه وبين بيئته، تلك القاسية، هدته أيضا إلى اختراع المجتمع، وهدته إلى أن يعيش في مجتمع، ينمو في عدده، ويتطور في أساليبه، وعاداته، وأعرافه، كل حين‏.‏‏.
إن مجتمع الحيوان لا ينمو في عدد ذكوره، وإن نما في عدد إناثه، ذلك أن الغيرة الجنسية تحمـل الفحول على أن يقتتلوا في سبيل الإناث، حتى لا يكون في المراح الواحد، إلا فحل واحد‏.‏‏. فإذا كان هناك ذكور، إلى جانب الفحل، في المراح، فإنما هم ذكور لا إربة لهم في الإناث.. فإن كانت لهم إربة في الإناث فانهم سيدخلـون حلبة الصراع مع الفحل الأب، فإما أن يطـردوه من المراح، وإما أن يقتلـوه، وأما أن يطردهم، أو أن يقتلهم هو، وهذا هو الشأن بينهم هم، فيما بينهم‏.. ولقد جعل الله طفولـة البشر أضعف، وأطول من طفولـة الحيوان، ليؤكد له ضرورة المجتمع، لطفولتـه، ولشيخوخته..
وكذلك نشأ المجتمع البشري‏.‏‏. ولكنه لم ينشأ إلا بعد أن نشأ العرف الذي نظم الغريزة الجنسية، وأمّن الملكية الفرديـة، فحُرِّمت الأخت على أخيها، وحرمت الأم على ولـدها، وحرمت البنـت على أبيها، وكذلك استطاع الابن أن يعيش مع أبيه، وأمه، بعد أن يبلغ سن الرشد‏.‏‏. وكذلك استطـاع أن يعيش الصهر، مع صهره، وهـو آمـن على زوجتـه، من أبيها، ومن أخيها‏.‏‏. ومن ناحية الملكيـة الفردية للسـلاح الذي يتخذ من الحجر الجيد، وللكهـف ينحت في الجبل مثلا، فقد قام العرف بالاعتراف بها لأصحابها، ومنع السطو عليها، وكذلك استطاع أفراد المجتمع أن يعيشوا في سلام، يحتكمون إلى شيوخهم، عند التنازع، على أمر من أمورهم‏..
ولقد فُهمت الآلهة بصورة تجعلها تطلع على المخالفات التي قــد تجرى من الأفراد في السطـو على ملكيـة الآخرين أو على زوجاتهم حين يظنون أنهم أمنوا أعين الرقباء‏.‏‏. وتوقـع على هـؤلاء اللعنة، وسوء المنقلب‏.‏‏. هـذا بالإضافة إلى ما يوقعه شيوخ الأسر من عقوبة مخالفة العرف، والتقليد، والعادة و(القانون) حين يطلعون على هذه المخالفة.. ولقد نشأت، مع نشأة العبادة (الدين والآلهة)، فكرة الحياة الأخرى، بعـد الحياة الدنيا‏.‏‏. نشأت من الشعـور، ومـن الأحلام‏.‏‏. وأعانت فكرة الحياة الأخرى على ضبط نزوات الأفـراد‏.‏‏.