((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

الرسالة الثانية من الإسلام

الرسالة الثانية من الإسلام:


وتحت عنوانه ((زعمه بأنه رسول الرسالة الثانية)) قال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: (وبدون خجل ولا حياء يصف نفسه بأنه رسول ولكنه يتواضع ويقول أنه رسول الرسالة الثانية، فأقرأ قوله في صفحة 10 من كتاب الرسالة الثانية من الإسلام ((وإنه لحق أن النبوة قد ختمت ولكنه ليس بحق أن الرسالة قد ختمت)) ولكي يبرهن على صدق الدعوة بأن محمدا قد ختم النبوة ولم يختم الرسالة ساق دليلا على ذلك قوله تعالى: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليما"))
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، محاولا أن يشير إلى ما جاء في صفحة 10 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) إشارة مخلة لا تعطي الصورة الكاملة لما جاء. فان تمام ما جاء هناك هو:
((من المأذون؟ ولكن رسول الله قد التحق بالرفيق الأعلى وترك ما هو منسوخ منسوخا، وما هو محكم محكما.. فهل هناك أحد مأذون له في أن يغير هذا التغيير الأساسي، الجوهري، فيبعث ما كان منسوخا، وينسخ ما كان محكما؟؟ هذا سؤال يقوم ببال القارئ لما سلف من القول.. والحق أن كثيراً ممن يعترضون على دعوتنا إلى الرسالة الثانية من الإسلام لا يعترضون على محتوى هذه الدعوة، بل إنهم قد لا يعيرون محتوى الدعوة كبير اعتبار.. وإنما هم يعترضون على الشكل.. هم يعترضون على أن تكون هناك رسالة، تقتضي رسولا، يقتضي نبوة، وقد ختمت النبوة، بصريح نص، لا مرية فيه.. وإنه لحق أن النبوة قد ختمت، ولكنه ليس حقا أن الرسالة قد ختمت: (( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين.. وكان الله بكل شيء عليما)).. ومعلوم أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.. ولكن النبوة ما هي؟؟ النبوة هي أن يكون الرجل منبأ عن الله، ومنبئاً عن الله.. أي متلقياً المعارف عن الله بواسطة الوحي، وملقيا المعارف عن الله إلى الناس، على وفق ما تلقى، وبحسب ما يطيق الناس.. فبمرتبة التلقي عن الله يكون الرجل نبياً، وبوظيفة الإلقاء إلى الناس يكون رسولا.. هذا هو مألوف ما عليه علم الناس.. ولكن هناك شيئا قد جد في الأمر كله، ذلك هو معرفة الحكمة وراء ختم النبوة بمعناها المألوف.. لماذا ختمت النبوة؟؟
أول ما تجب الإشارة إليه هو أن النبوة لم تختم حتى استقر، في الأرض، كل ما أرادت السماء أن توحيه، إلى أهل الأرض، من الأمر.. وقد ظل هذا الأمر يتنزل على أقساط، بحسب حكم الوقت، من لدن آدم وإلى محمد.. ذلك الأمر هو القرآن.. واستقراره في الأرض هو السبب في ختم النبوة.. وأما الحكمة في ختم النبوة فهي أن يتلقى الناس من الله من غير واسطة الملك، جبريل - أن يتلقوا عن الله كفاحا - ذلك أمر يبدو غريبا، للوهلة الأولى، ولكنه الحق الذي تعطيه بدائه العقول، ذلك بأن القرآن هو كلام الله، ونحن كلما نقرؤه إنما يكلمنا الله كفاحا، ولكنا لا نعقل عنه.. السبب؟ أننا عنه مشغولون.. قال تعالى في ذلك: (( كلا‍‍!! بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  كلا!! إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)).. وإنما جاء القرآن بمنهاج شريعته، ومنهاج طريقته، وبأدبه في كليهما، ليرفع ذلك الرين، حتى نستطيع أن نعقل عن الله ما يحدثنا في القرآن، فإذا وقع هذا الفهم لرجل فقد أصبح مأذوناً له في الحديث عن أسرار القرآن، بالقدر الذي وعى عن الله..
من رسول الرسالة الثانية؟؟
هو رجل آتاه الله الفهم عنه من القرآن، وأذن له في الكلام..
كيف نعرفه؟؟
حسنا!! قالوا إن المسيح قد قال يوما لتلاميذه: (( احذروا الأنبياء الكذبة!!)) قالوا: (( كيف نعرفهم؟؟)).. قال: (( بثمارهم تعرفونهم))..))
هذا ما جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام).. وهو أمر غريب نرجو أن يحمل ما يطالع الناس من غرابته على أن يتبينوه قبل أن يتورطوا في انكاره... وهو غريب على السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، ومن باب أولى.. فانه مقيم على التفكير الديني السلفي الذي لا يرى أن هناك علما مستأنفا في الدين، وهو، من ثم، لا ينتظر العهد الذهبي للإسلام الذي أمامنا، والذي تبشر به الآية: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحق، ليظهره على الدين كله.. وكفي بالله شهيدا))
أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: (على أن هناك آية صريحة في النص على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وهي قوله تعالى: "وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون") فقول ما كان يحتاج إلى أن يقوله في حقنا لو كان قد اطلع، حقا، على ما جاء في صفحة 17 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، وهو:
((إن محمداً رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية، وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها الا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء..))
ويقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: ((وقد جاء في صحاح كتب السنة النبوية الأحاديث الدالة على أنه خاتم الرسل والأنبياء على السواء، ونكتفي هنا بما رواه الترمزي رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم في رواية أنس بن مالك أن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي – الترمزي)).
هذا قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، وهو، أيضا، قول لا يقال في ضوء ما ورد من فهم للحكمة وراء ختم النبوة. فان ختم النبوة لا يعني نهاية الفهم عن الله من القرآن. ومحمد رسول الرسالتين: الرسالة الأولى، والرسالة الثانية، قد بلغهما معا، في معنى ما بلغ القرآن وسار السيرة، ولكنه فصل الأولى، وأجمل الثانية.. أما تفصيل الرسالة الثانية فيقع في مضمار الفهم عن الله من القرآن. وقد ختمت النبوة، في معنى انقطاع الوحي، بعد أن استقر، بين دفتي المصحف، كل ما أرادت أن توحيه السماء إلى الأرض. وقد ختمت رسالة النبوة التي يكون رسولها نبيا، بذلك المعنى للنبوة. فإذا كان أمر الرسالة الثانية من الإسلام حقا، وهو بلا ريب كذلك، فان الفهم عن الله من القرآن لم ينقطع ولن ينقطع.. ومن ثم يجيء المفهوم الجديد للرسالة..
ومن عجب أن يقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية ((أن من الأسئلة التي يمكن أن توجه لمحمود ويحار كيف يجيب: إن صح أن الإسلام الذي نزل على محمد مقسم نصفين رسالة أولى وكان محمد صلى الله عليه وسلم رسولها ورسالة ثانية كنت أنت رسولها فما الذي يمنع أن تكون هناك ثالثة لها رسول ورسالة رابعة لها رسول رابع وهكذا؟ ولعل محمودا سوف يجيب قائلا: أن الإسلام رسالتان فقط ولا ثالث لهما، وكيف يرد على من يبادره سائلا: وما النص على أنه رسالتان تبدأ الأولى في القرن السابع الميلادى وتنتهي في الربع الأخير من القرن العشرين؟))
هذا ما قاله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية. وتساؤله، بعد إغفال الجانب غير الموضوعي منه، يمكن أن يرد بهذه الصورة: اذا كانت هناك رسالة ثانية فما الذي يمنع أن تكون هناك رسالة ثالثة ورابعة؟ وهذا التساؤل يواجهنا به، كثيرا، معارضونا من السلفيين، عن قلة فهم حينا، وعن سوء قصد في أغلب الأحيان، والأمر، ببساطة شديدة، ان الإسلام إنما هو رسالتان فحسب لأنه أصول قامت على المسئولية، وفروع قامت على الوصاية.. والمجتمع، أي مجتمع، إنما هو مستوى من مستويين: اما في مستوى المسئولية فله أصول القرآن، واما في مستوى الوصاية فله فروعه. والله تعالي يقول عن رسالتي الإسلام ((الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، مثاني..)) ويقول عن مستوى الرسالتين ((قل نزله روح القدس من ربك، بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى، وبشرى للمسلمين)) فان الرسالة الأولى هي رسالة أمة المؤمنين، في حين ان الرسالة الثانية هي رسالة أمة المسلمين..
فما رأى السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية فيما ذهبنا اليه من أن سنة النبي هي الرسالة الثانية، وذلك حيث جاء في صفحة 5 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام): ((.. وما الرسالة الثانية الا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة للناس، وإنما كان ذلك ممكنا، بفضل الله، ثم بفضل تطور المجتمع البشرى خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان..))؟