((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

التحليل والتحريم

التحليل والتحريم:


وتحت عنوانه ((اباحة المحرمات لبعضهم)) يقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: (ومن غرائب ما ذهب اليه أن العبد الصالح قد يصل إلى مرتبة من الاستقامة بحيث تنقلب الأمور التي كانت محرمة حلالا بالنسبة اليه، وسوق دليلا على ذلك قوله تعالى: ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم أتقوا، وآمنوا، ثم أتقوا، وأحسنوا، والله يحب المحسنين)) المائدة 93 راجع الرسالة الثانية 47)..
هذا ما قاله تحت عنوانه ((اباحة المحرمات لبعضهم)) وهو عنوان يريد أن يوحى به ايحاء الغرض فيه باد.. والحق أن الغرض قد كان وراء كل ما ذهب اليه في تعرضه لدعوتنا – كما أسلفنا .. والا، فلماذا لم يورد تمام النص الوارد في صفحة 47 من كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)، في هذا الصدد؟ .. ان تمام النص هو:
((وعند ذلك توشك المطابقة أن تتم بين السيرة والسريرة، فإن نقاء السريرة ينعكس في استقامة السيرة، ويبلغ صاحب هذه السيرة عتبة الحرية الفردية المطلقة. وكلما تنقت السريرة، كلما استقامت السيرة، فضاقت لذلك دائرة المحرمات، وانداحت دائرة المباحات، على قاعدة الآية الكريمة، (( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم، وكان الله شاكرا عليما؟)) فإذا استمر السير بالساير إلى نهايته المرجوة، وهي تمام نقاء السريرة، وكمال استقامة السيرة، عادت جميع الأعيان المحسوسة إلى أصلها من الحل، وانطبقت الآية الكريمة، (( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا، إذا ما اتقوا، وآمنوا، وعملوا الصالحات، ثم اتقوا، وآمنوا، ثم اتقوا، وأحسنوا، والله يحب المحسنين)).))
هذا ما جاء في كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام) ونشفعه بما جاء في صفحتى 67 و68 من كتاب (أسئلة وأجوبة – الجزء الثاني):
((و كلما إرتقى الناس ، وعرفوا ، وأرهف حسهم ، وتيقظت ضمائرهم ، كلما إتسعت حرياتهم ، وقلت الحدود عليهم ، وضاقت دائرة المحرمات ، وإتسعت دائراة المباحات . . و هذا أمر يطالعنا بجلاء حين نقارن بين ما حرم على اليهود، و ما حرم على المسلمين . . فأما ما حرم على اليهود فإن الآية التي إفترعت بها هذا الحديث تشير إلى طرف منه . . و أما ما حرم على المسلمين فأقرأ بشأنه قوله تعالى : " قل لا أجد، فيما أوحى إلى ، محرماً على طاعم يطعمه ، إلاأن يكون ميتة ، أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير ، فإنه رجس ، أو فسقاً أهل لغير الله به . . فمن أضطر ، غير باغ ولا عاد ، فإن ربك غفور رحيم " . . فأنت تراه حصر المحرمات من المأكولات في هذه الأربعة ، ثم قال " فمن أضطر ، غير باغٍ ولا عاد، فإن ربك غفور رحيم " . . فكأنه تجاوز للمضطر حتى عن هذه الأربعة ، و ذلك لأن الإضطرار ينفي هوى النفس ، فتنتفي بذلك علة التحريم ، وترجع الأمور إلى أصولها. . وهي الحل ، كما قلنا في صدر هذا الحديث ، وينفي هوى النفس أمر آخرغير الإضطرار ، و هو المعرفة التامة بالله . .
فمن عرف الله ، حق معرفته ، لم يأثم ، بمطعم طعمه ، ولا مشرب شربه ، و ما بلغ ذلك أحد . . أقرأ قوله تعالى : " ليس على الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما إتقوا ، وآمنوا ، وعملوا الصالحات ، ثم إتقوا وآمنوا ، ثم إتقوا و أحسنوا . . و الله يحب المحسنين " ..))
هذا ما جاء في كتاب (أسئلة وأجوبة – الجزء الثاني).. ونحب أن يلاحظ القاريء، فيما جاء، هذه العبارات:
" فمن عرف الله ، حق معرفته ، لم يأثم ، بمطعم طعمه ، ولا مشرب شربه ، و ما بلغ ذلك أحد.."
ومن ذلك يتضح أن ما ذهب اليه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية تحت عنوانه ((اباحة المحرمات لبعضهم)) إنما أراد به إلى اثارة المشاعر ضد دعوتنا.. الأمر الذي يجرد تقريره من الموضوعية تمام التجريد.
وما ذهب اليه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية من ان (الآية والثلاث قبلها نزلت تتحدث عن الخمور وتحريمها والآية رد على تساؤل حدث بين الصحابة عن حال من ماتوا وكانوا يشربونها).. إنما هو مذهب يقصر معاني القرآن على أسباب النزول، وأسباب النزول إنما تقع في مضمار تفسير القرآن، وتفسير القرآن إنما هو مجاز إلى تأويله، على قاعدة ((سنريهم آياتنا في الآفاق، وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.. أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟)) والقرآن، كلام الله، مطلق لا يتقيد بأسباب النزول. والقرآن، بعد هذا، ليس كتاب تاريخ، بالمعنى المعروف لكتب التاريخ، وإنما هو منهج حياة لكل زمان ومكان.. وقصر معانيه على أسباب النزول إنما يقصر به عن هذا الشأو الجليل.
وقول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: "وهناك محرمات تنتفي حرمتها مؤقتا في حالة الاضطرار ثم تعود إلى ما كانت عليه من الحرمة كالميتة للمضطر مثلا)) فقول لم يكن ليحتاج إلى ايراده، فهو وارد فيما نقلناه آنفا من كتاب (أسئلة وأجوبة – الجزء الثاني) بأحسن مما أورده هو..