((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

المقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم
(واذا بدلنا آية مكان آية، والله أعلم بما ينزل، قالوا: إنما أنت مفتر!! بل أكثرهم لا يعلمون!! * قل نزله روح القدس من ربك بالحق، ليثبت الذين آمنوا، وهدى، وبشرى، للمسلمين..)
صدق الله العظيم


المقدمة


هذه مقدمة كتابنا الذي اخترنا له اسم ((الميزان بين محمود محمد طه والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف)) هادفين من ورائه إلى كشف الإتجاهات الرجعية التي بدأت تسيطر على بعض الأجهزة الرسمية في بلادنا..

قصة هذا الكتاب:


وقع في أيدينا، قبل أيام قليلة، منشور من عدة صفحات، كتبه السيد أحمد البيلي، مدير مصلحة الدراسات الدينية، بالأمانة العامة للشئون الدينية، في شهر يوليو من هذا العام.. ولقد استهدف المنشور، على حد زعم كاتبه ((تقويم وتقييم)) الفكرة الجمهورية التي اطلع على تسع وثائق من كتبها.. وبكل الأسف جاء ذلك المنشور خاليا تماما من الفكرة الجمهورية، وحاويا لإتهامات جاهلة، ومغرضة، ما كان يمكن أن تقوم عند كاتب الشئون الدينية لو قد اطلع على كتب “الدعوة الإسلامية الجديدة” التي زعم أن منها وثائق بين يديه، اللهم الا اذا قلنا أن غرضه المبيت للنيل من هذه الدعوة أعماه عن الفهم، وعن المسئولية، ليمكننا الله منه، ومن أمانته العامة التي كلفته بمهمة هذا التقرير..
قال السيد البيلي لمندوبنا إليه: إن الأمانة العامة للشئون الدينية هي التي كلفته بكتابة هذا التقرير بناء على طلب السيد رئيس الجمهورية!! ولو جاز هذا القول، فمن أين للسيد أحمد البيلي، ولأمانته العامة للشئون الدينية، الحق في توزيع المنشور على نطاق أقاليم السودان، ما دامت الحكومة لم تصدر رأيا في أمره، أو تأمر بتوزيعه إلى الآن؟؟
حقيقة الأمر أن هذا المنشور لا يشرف أحدا، مهما كان حظه من العلم، أو الدين، ذلك أنه جاء مفارقا لهما تمام المفارقة، كما دلل على أن بعض أجهزتنا الرسمية أصبحت مطية لأهواء بعض الطامعين من خفاف الأحلام الذين لا يرعون لهذا الشعب حرمة، أو كرامة.. فمن أجل احقاق الحق، ومن أجل حماية هذا الشعب الطيب، الكريم، وصونا لحرمته، وكرامته، رأينا اصدار هذا الكتاب، ليكون نذيرا عريانا للغافلين، ودرعا واقيا يتحصن به الشعب من الجهل، ويتسامى به للمعرفة والعلم، فيحمل قضيته بين يديه..

مالكم كيف تحكمون؟


نتوجه بهذا السؤال للأمانة العامة للشئون الدينية التي كلفت السيد أحمد البيلي بكتابة هذا التقرير المتحامل على “الدعوة الإسلامية الجديدة”، وهو رجل اشتهر بعداوته لهذه الدعوة، وبتجنيه عليها، حتى في المناسبات الرسمية، وفي حضرة الأمين العام للشئون الدينية، وعلى سبيل المثال ما جرى في مدينة عطبرة!! ففي مساء الجمعة 31/3/72، قدم الدكتور عون الشريف، وزير الشئون الدينية والأوقاف، يومذاك، محاضرة بعنوان ((أثر الدين في المجتمع))، وذلك بمركز الشئون الدينية بعطبرة.. وكان الدكتور عون الشريف قد افتتح، في ذلك اليوم، مسجد القوات المسلحة، وصلى صلاة الجمعة به..
وعقب المحاضرة سأل أحدهم، وهو من المعروفين بمعارضة “الدعوة الإسلامية الجديدة”، الدكتور عون الشريف عن رأيه في “الدعوة الإسلامية الجديدة”، فلم يدل الدكتور عون برأى واضح فيها، وإنما اتجه حديثه إلى التعميم، فما كان من السيد أحمد البيلي، الذي كان يرافق الدكتور عون، إلا أن تولى الأجابة على السؤال بإثارة الشبهات حول “الدعوة الإسلامية الجديدة”، مخرجا التخريجات المغلوطة عنها، ومحاولا إثارة العواطف الدينية ضدها، هابطا إلى مستوى المهاترة، مدعيا – كذبا- أنه طلب مناظرة الأستاذ محمود محمد طه، وأن الأستاذ محمود قد اعتذر بأن حياته قد تتعرض للخطر!! مختتما حديثه المثير بقوله: ((وأنا – أحمد البيلي – أرفع رايتى خفاقة لمعارضة هذا الرجل))!! ولم يتجاوب مع حديثه المثير هذا إلا الأخوان المسلمون، والفقهاء وشرذمة ممن جاز عليهم تضليله، بينما سفهه الجمهور الواعي الذي يعرف صدق “الدعوة الإسلامية الجديدة” ونبلها..
هذا طرف مما قاله أحمد البيلي بمدينة عطبرة، وقد وقع هذا تحت سمع، وبصر الأمين العام للشئون الدينية، فكيف جاز، إذن، للشئون الدينية أن توظف رجلا هذا دأبه في عمل يتطلب الموضوعية والحياد؟؟ الجواب قريب!! وهو أن الشئون الدينية تقصد إلى عدم الموضوعية، وإلى عدم الحياد، ذلك أنها تعامل “الدعوة الإسلامية الجديدة” معاملة الضرة، حيث قامت هى، وبغير كفاءة، على الفكر السلفي، في حين قامت دعوتنا على فكر تقدمي جديد، وجريء، يدعو للبعث الإسلامي، في وضوح رؤية، وكفاءة، وموضوعية.. ثم قام على نهجها مجتمع جديد، من كل الوجوه، داخل المجتمع السوداني، تربى أفراده على نهج السنة، وذلك بسلوك طريق النبي محمد، عليه أفضل الصلاة، وأتم التسلبم، فعفت أخلاقهم، وطابت سيرتهم، حتى اشتهروا بحسن الأحدوثة بين الناس.. ثم هم، مع ذلك، دعاة متمرسون يحبون هذا الشعب السوداني، ويثقون فيه ثقة تامة، ويسعون بينه حثيثا لنشر الوعي الإسلامي في غير تكلف، ولا رياء، وبلسان رطب، صادق، مبرأ، بفضل الله، من أوضار الجهالات، وظلمات النفوس، وهكذا، دائما، فإن الرائد لا يكذب أهله..

رسالة المسجد:


يرى الجمهوريون أن للمسجد رسالة لما يضطلع بها بعد، وهى أنه المكان الطبيعى لنشر الفكرة الإسلامية الصحيحة.. كما كان العهد به أول الأمر، ولقد ظل المسجد بعيدا عن دوره ورسالته على طول المدى .. وفي العام الماضى حاول الجمهوريون نفخ الروح في مواته، حتى يعود حيا ومعافى، فقرروا دخول المساجد، وعلى نطاق الأقاليم المختلفة، من أجل تحقيق رسالة المسجد في نشر الوعي، وتبديد ظلمات التخلف والجهل، التي خيمت على مجتمعنا السوداني زمنا طويلا.. فوجدوا عند شعبنا الكريم استجابة طيبة، وإقبالا حارا، انبعثت، على اثرهما، فيه روح الدين قوية، وثابة، مشرقة، فعبر، بألسن مختلفة، عن إحترامه، وتقديره، وإعجابه.. ثم لم يلبث أن انتشر خبر الحركة بين الناس.. فانزعجت بذلك الشئون الدينية، ومن ورائها ائمتها، ووعاظها، لهذا الحدث الجلل، فلجأوا، في محاولة يائسة، إلى إثارة المصلين بساقط من القول، وساقط من التهريج، في غير صدق، وفي غير موضوعية.. فلم يستجب لهم الشعب، كما لم نستجب نحن لاستفزازهم، فتكبدوا هزائم منكرة إلى أن تداعى بهم الأمر أخيرا إلى اصدار المنشورات والتوجيهات إلى الأئمة تمنع حديثنا بدعوتنا داخل المساجد!! وقد تلقف هذه التوجيهات المغرضون من معارضينا وأخذوا يثيرون بعض البسطاء بالكذب علينا. عجبا!! فهل رأى الناس هوانا كهذا الهوان؟؟ لا ضير ما دام شعبنا العملاق قد كان واقفا إلى جانبنا في كل تلك اللقاءات الحية العامرة. وعليه فقد رأينا، درءا للفتنة، ونزولا عند وعد الله لنا بالعودة إلى المساجد، أن ننتظر قريبا منها حتى حين، وذلك مصداق قوله تعالى: ((ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها؟؟ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها الا خائفين.. لهم في الدنيا خزى، ولهم في الآخرة عذاب عظيم)).. فلتعلم، إذن، الشئون الدينية، ومن خلفها وعاظها، وائمتها، الذين يقبضون مرتباتهم، عند آخر كل شهر، لإمامة المصلين، ولحماية الدين!! أن تلك الجولة ليست الأخيرة، بيننا وبينهم.. فموعدنا معهم الصبح.. أليس الصبح بقريب؟؟ وهكذا خلت سنة الأولين، حيث أن الصراع المحتدم بين الجديد والقديم، وبين الدين والخرافة، لا بد أن يبلغ به الكتاب أجله، وهو أجل قصير، نكاد نراه، نكاد نراه، ونكاد نحدده، من فرط قربه، ويومها سينتصر الله للحق، وللدين، إنتصاراً باهراً، يغنى شعبنا، والإنسانية من ورائه، من مغبة التجارب الفاشلة، فينفتح الطريق لرسالة المسجد، فتتحرر العقول، وتتطهر القلوب، ويدخل الناس، بفضل الله، في دين الله أفواجا..

محكمة الردة:


من الأدلة القاطعة على فساد التقرير الذي رفعه السيد أحمد البيلي، مطالبته بتنفيذ حكم محكمة الردة، وهو بذلك يكشف قناعه، ويحدد شخصيته، ويدلل على مستواه العلمي، والثقافي.. فليعلم، إذن، ولتعلم معه أمانة الشئون الدينية، أن محكمة الردة ليست محكمة بالمعنى المفهوم عن المحاكم.. وإنما هي مؤامرة دُبِّرت بليل، ونُفِّذت بمن يسمون ((برجال الدين))، الذين عرفوا دائما بتنفيذ هوى الحكام، مهما كان حظ ذلك الهوى من مخالفة الدين، كل ذلك يهون في سبيل المحافظة على دنياهم.. وكاتب التقرير يعلم أن السبب الحقيقى لمحكمة الردة هو إنزعاج السلطة الحاكمة، يومئذ، ومن ورائها أدواتها من الطائفية والأخوان المسلمين، حين نهض الجمهوريون يعملون عملا واضحا، ومشهودا، في معارضة ما أسموه ((الدستور الإسلامي))، وما أسميناه ((الدستور الإسلامي المزيف))، خوف أن يلتحف قداسة الدين، فيزهق الحريات، ويحارب كل تقدم باسم ((الدين))، فيكبل الشعب بقيود الجهالة، والخرافة، مما يعطي الطائفية الفرصة الذهبية لبسط سلطانها على الشعب.. ولكن الله سلم.. ولن يسلم الله هذا الشعب لجلاديه ومضلليه.. هذه ثقتنا فيه حيث قلنا في كتابنا ((زعيم جبهة الميثاق الإسلامي في ميزان الثقافة الغربية والإسلام)) ما نصه: ((وقد بدأ يظهر لنا الخطر الحقيقي الذي تتعرض له هذه البلاد من وضع دستور قاصر من جميع الوجوه يدعي لنفسه شمول ، وإحاطة ، وكفاية الدستور الإسلامي .. وقداسته أيضاً.. ولكن الله لن يخلي بين هذا البلد وبين مضلليه ، فقد عوده الخير دائما، وسيصل عادته إن شاء الله ))..
هذا هو سر محكمة الردة مؤيدا بالمستندات الرسمية في مكاتب الدولة.. فما رأى السيد البيلي، ومن ورائه الشئون الدينية؟؟.. هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى، فإن محكمة الردة محكمة غير دستورية، لا يقرها دستور السودان المؤقت يومذاك، كما لا يقرها دستوره القائم الآن، لأنها تناقض، وتصادر نصوص حرية الاعتقاد، والتعبير، المكفولة في كليهما.. ثم هى، بعد ذلك كله، قبلت اتهامات من مدعيين كاذبين، ولم ترجع لنصوص الكتب موضوع الدعوة لتباشر مسئوليتها في تحري العدالة، وإحقاق الحق، إن كان للحق في عرفها حرمة.. ثم هي قبلت شهادة شاهد قال: ((في رأيي كذا وكذا..)) مما سيرد تفصيله في مكانه من متن هذا الكتاب، الذي نحن بصدد تقديمه للقراء.

.. ثم كلمة أخيرة:


وقبل أن نختم هذه المقدمة، نحب أن نؤكد للقراء الكرام أن تقرير السيد أحمد البيلي جاء متهافتا، فلا قيمة له ولا خطر.. وأننا ما كنا لنحفل به، على المستوى الذي ترون، لولا أنه جاء يحمل إسم مصلحة الدراسات الدينية، حيث أنه، بهذه الصفة، يمثل أمانة الشئون الدينية، ويتحدث باسمها ويعبر عن سياستها.. فعليها تقع تبعته، ومسئوليته، وهى مسئولية باهظة، ولا ريب.. فنأمل لأمانة الشئون الدينية أن تعي هذا الدرس جيدا..
وفي الختام.. فها نحن قد وضعنا القضية برمتها بين يدى الشعب السوداني ليحكم لنفسه بنفسه، فما ضاع حق لم ينم عنه أهله..