((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

لقاء الأخ عصام عبد الرحمن مندوب الأخوان الجمهوريين بالسيد أحمد البيلي

لقاء الأخ عصام عبد الرحمن مندوب الأخوان الجمهوريين
بالسيد أحمد البيلي:


نمى إلى علمنا خبر التقرير، وحصلنا على صورة خطية منه، إذ أن مصلحة الدراسات الدينية لم تعمل على توصيل نسخة مطبوعة منه لنا، ذلك مع أن التقرير يتعلق بنا – نحن الأخوان الجمهوريين – من عدة وجوه.. فهو (تقويم وتقييم) لدعوتنا – على حد تعبير كاتب التقرير، وهو قد تضمن في ((توصياته)) قيام حملة مكثفة من هذه المصلحة ضد دعوتنا، وإفساح المجال لنا للمناقشة، ودعوة الأستاذ محمود محمد طه (الى مناظرة علنية تذاع وتتلفز...)!! وقد سعينا إلى الحصول على نسخة مطبوعة من التقرير.. وفي هذا الصدد قام مندوب من الأخوان الجمهوريين (الأخ عصام عبد الرحمن) بالإتصال بالسيد مدير مصلحة الدراسات الدينية – كاتب التقرير- وبالسيد مدير مكتب السيد الأمين العام للشئون الدينية والأوقاف..
ففي يوم الأحد 24/11/1974 قصد مندوبنا – الأخ عصام عبد الرحمن – إلى مصلحة الدراسات الدينية، وذلك لمقابلة السيد أحمد البيلي (كاتب التقرير)، فلم يجده، فقابل نائبه، وموظفا آخر، وعلم أن السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية في إجتماع بمصلحة الدعوة.. كما علم، من ذلك الموظف، أن مساعدى المحافظين للشئون الدينية يرسلون في طلب نسخ من التقرير، وأنه يمكن أن يقابل السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية بمصلحة الدعوة، أو السيد مدير مكتب الأمين العام للشئون الدينية والأوقاف، وذلك للحصول على نسخة من التقرير.. حيث أن التقرير قد طبع بمكتب الأمين العام. فقصد الأخ عصام إلى الأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف، وعلم أن السيد مدير مكتب الأمين العام غير موجود، كما علم أن السيد أحمد البيلي في اجتماع ببعثة الحج، فكتب إليه خطابا أدخل اليه في الإجتماع.. وهذه صورته:-

بسم الله الرحمن الرحيم
الخرطوم في 24/11/1974
السيد/ أحمد البيلي.. المحترم
من عند الله تحية مباركة طيبة وبعد
منذ يومين وأنا أسعى لمقابلة سيادتكم، ولكن انشغالكم بأمر بعثة الحج حال دون ذلك..
وأحب أن أعرِّف سيادتكم بأننى جمهوري، من تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه.. وأنا أود مقابلتكم لأحصل على نسخة من تقريركم المبدئى عن ((تقويم وتقييم آراء الأستاذ محمود محمد طه)) الذي أصدرتموه في 15/7/1974. وقد حضرت الآن لمصلحة الدعوة لمقابلتكم بهذا الخصوص، ولكنى علمت أنكم مجتمعون في مكتب مدير الدعوة. ولقد طلب منى السيد السكرتير أن أدخل اليكم طلبي هذا لأرى إن كنت استطيع الحصول على نسخة من هذا التقرير، أو مقابلتكم في أى وقت تقترحونه..
وفي الختام تقبلوا تحياتى مرة أخرى..
المخلص
عصام عبد الرحمن أحمد
ص ب 1151 امدرمان – أو
قسم الرياضيات كلية العلوم
جامعة الخرطوم

ولما اطلع السيد أحمد البيلي على هذا الخطاب أوقف الإجتماع، وطلب إدخال الأخ عصام عليه.. فدخل، وعلم منه أنه يمكنه الحصول على نسخة من التقرير من السيد مدير مكتب الأمين العام، فقصد الأخ عصام إلى السيد مدير مكتب الأمين العام، فلم يجده، وترك خطابه إلى السيد أحمد البيلي مع أحد الموظفين بالمكتب، على اعتبار أنه طلب رسمي للحصول على نسخة من التقرير. وعلم من ذلك الموظف أن المكتب قد أصدر مئات النسخ من التقرير، وأنه ربما تكون قد نفدت، وأن الطلبات للحصول على نسخة من التقرير تنهال عليهم.. ولكنه وعد بإحالة طلب الأخ عصام للسيد مدير المكتب..
وفي يوم الاثنين 25/11/1974 قصد الأخ عصام إلى السيد/ عبد الرحيم حماد مدير مكتب الأمين العام للشئون الدينية والأوقاف، وأخبره بأمر الطلب الذي قدمه في اليوم السابق، فذكر له السيد مدير مكتب الأمين العام أن التقرير ممهور بإسم السيد أحمد البيلي مدير مصلحة الدراسات الدينية، وأنهم إنما قاموا بطبعه بمكتبهم فقط، وأنه ليس لديهم أية نسخ من التقرير. فطلب الأخ عصام من السيد مدير مكتب الأمين العام كتابة رد على طلبه في هذا المعنى، فلم يستجب، وأعاد إليه الطلب..
وفي يوم الخميس 28/11/1974 قصد الأخ عصام إلى مكتب السيد أحمد البيلي، فدخل عليه، ووجد معه أحد الموظفين.. وعلم من السيد أحمد البيلي أنهما يقومان بأمر يتعلق ببعثة الحج، وأنه مشغول هذه الأيام بهذه البعثة، ودخل أثناءها أحد الشيوخ المصريين في زي الأزهريين، وجلس.. قال الأخ عصام للسيد أحمد البيلي: ((لقد جئتك بخصوص التقرير الذي أحلتنى، للحصول على نسخة منه، إلى السيد مدير مكتب الأمين العام. وقد اعتذر السيد مدير المكتب بأنه ليست لديهم أية نسخ، وذكر أنهم أعطوك عددا منها، وأنه يمكننى الاتصال بك للحصول على نسخة منك.)) فذكر له السيد البيلي أنهم لم يعطوه أكثر من خمس نسخ، وقد وزعها جميعا، كما ذكر له أنه كتب التقرير كموظف، اذ طلبت منه الأمانة العامة للشئون الدينية كتابة هذا التقرير، وذلك عندما طلب السيد رئيس الجمهورية الرأى الرسمي للشئون الدينية في أفكار الجمهوريين. فطلب منه الأخ عصام أن يعطيه ولو نسخته الخاصة ليصورها ويرجعها له، فاعتذر عن ذلك قائلا بأنه كموظف لا يحق له أن يتصرف في تقرير رسمي. فذكر له الأخ عصام أننا حصلنا على نسخة خطية من التقرير ولاحظنا فيها بعض الأخطاء الإملائية والنحوية البسيطة.. وذكر له الأخ عصام بعض محتويات تلك النسخة فقاطعه السيد البيلي بقوله: ((بالضبط، هذا ما حواه التقرير)). فقال له الأخ عصام: ((نحن لا نشك أن هذا هو تقريركم، ولكننا كنا نرجو أن نحصل على نسخة موثقة وخالية من تلك الأخطاء البسيطة التي نعتقد أنكم قد لا ترتكبونها. كما نعتقد أيضا، أن تقريركم قد احتوى على اقتراحات محددة كالمناظرة، ولذلك فقد كان واجبكم أن ترسلوا لنا، ونحن الطرف المقترح مناظرته، نسخة منه فور صدوره، خاصة وأن التقرير ليس معروضا للبيع في السوق.)) فقال السيد البيلي: ((يمكنك أن تطلب نسخة من الدكتور عون، فلديهم نسخة مصححة)). وعبر السيد البيلي عن استغرابه لاحجام مكتب السيد الأمين العام عن اعطائنا نسخة من التقرير. وقال له الأخ عصام: ((ان كنت تعتقد أن لدى مكتب الأمين العام نسخا فيمكنك أن تطلب لنا نسخة وسوف نعيدها اليهم)). فقال السيد البيلي أنه كموظف قد كتب التقرير كما طلب منه وأن دوره ينتهي هنا.
وسأله الأخ عصام عن الرأى الرسمي في التقرير، فقال إن شيئا من ذلك لم يصلهم، وقال أنه ربما رؤي عدم الأخذ بالاقتراحات التي تضمنها التقرير، أو أنه رؤى أن الأستاذ محمود لا يقتنع بالمناظرات، اذ جرت معه العديد منها، ثم قال للأخ عصام: ((لعلك تذكر مناظرتى له؟ وأنا على استعداد لأن أناظره اذا لم تفعل الجهات الرسمية شيئا.)) فقال له عصام: ((لا أذكر أنك ناظرت الأستاذ محمود، والذي أعلمه انك لم تناظره، كما أعلم أن المناظرات التي تحدثت عنها لم تتم)). وهنا ودعه الأخ عصام، وهم بالخروج، ولكنه سمع من السيد البيلي هذه العبارة: ((هدى الله الجميع)) فعاد اليه وقال: ((ان الله سيهدى الجميع اذا كان الجميع صادقين في طلب الهداية.)) وهنا قال السيد أحمد البيلي للأخ عصام: ((كمتعلم وتابع للأستاذ محمود.. هل يمكن أن تكلمني قليلا عن نقطتي حول أن الأستاذ محمود رسول؟)). فقال له عصام: ((أنا على استعداد للحديث معك عن كل ما جاء في تقريرك)). فقال السيد البيلي: ((حدثنى عن ذلك بسرعة)). فقال عصام: ((لو كنت فعلا حريصا على ذلك، ووقتك ضيق فيمكننى أن أضرب معك موعدا لأناقشك)) فقال: ((تناقشني أنت؟)) فقال عصام: ((أنا او الأستاذ محمود، أو أى واحد من الجمهوريين.. وبهذه المناسبة أحب أن أذكر سيادتك بأننى كنت من بين خمسة من الأخوان الجمهوريين حضرنا لزيارتك منذ أكثر من العام ونصف العام للحديث حول الفكرة الجمهورية، فاستقبلتنا، وتركتنا بالمنزل لنكرم في غيابك، معتذرا بأنك لديك درس بجامع فاروق، وأخذت منا نمرة التلفون لتحدد ميعادا نلتقى فيه لنتناقش حول الفكرة الجمهورية.. وأحب أن أقول لك أننا ما زلنا في انتظار اتصالك التلفوني بنا منذ ذلك الزمن، فلماذا لم تتصل بنا كما وعدتنا. ألم يحدث ذلك؟)). فأجاب السيد أحمد البيلي بالايجاب. فقال له الأخ عصام: ((إذاً لماذا وعدتنا ولم تتصل بنا؟)) فقال السيد البيلي: ((لقد كنتم ضيوفي، فماذا كنت تتوقع مني أن أفعل؟)) فقال له عصام: ((كوننا ضيوفك لا يعنى أن تجاملنا وتعطينا وعدا ثم تخلفه!! وأنت، كرجل دين، لا شك تعلم معنى وأهمية وضرورة الوفاء بالوعد. بل إن عامة الناس يقولون أن وعد الحر دين عليه.. فلماذا لم تف بوعدك؟)) فقال السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية: ((لم أتصل بكم تلفونيا لأني رأيت أن النقاش معكم غير مجد، خاصة وأني ناقشت إمامكم فلم يقتنع)).. فقال له عصام: ((لا أسألك الآن عن جدوى النقاش أو عدم جدواه، وإنما أسألك عن الوفاء بوعد، فأنا أعلم أن هناك واحد من إحتمالين: إما أن النقاش معنا مجد، وإما غير مجد، فإذا رأيت أن النقاش معنا غير مجد فهذا لا يعفيك من مسئولية وعدك بأن تتصل بنا تلفونيا.. وقد كان يمكنك، بل كان يجب عليك، أن تتصل بنا لتخبرنا أنك أدركت أن النقاش معنا غير مجد.. ولذلك فأنت تتصل بنا لتفي بوعدك ثم تعتذر عن مقابلتنا.. وحتى لو كنا كفارا فلقد كان ينبغى عليك أن تبريء ذمتك وتفي بوعدك، فلماذا لم تتصل بنا تلفونيا كما وعدت؟)) فقال السيد/ مدير مصلحة الدراسات الدينية: ((ما بتصل.. مش على كيفى؟)).. هنا تركه الأخ عصام، مودعا، فسمع، وهو يغادر المكتب، السيد أحمد البيلي وهو يقول للرجلين الجالسين معه: ((شايفين نوعهم؟))..
هذا ما كان من أمر سعينا للحصول على نسخة مطبوعة من التقرير.. وما جرى بين الأخ عصام عبد الرحمن مندوب الأخوان الجمهوريين والسيد/ مدير مصلحة الدراسات الدينية.. ومنه يتبين ما يلى:-
1- أن السيد/ مدير مصلحة الدراسات الدينية قد كلف بكتابة تقرير رسمي عن “الدعوة الإسلامية الجديدة”..
2- وأن التقرير طبع بمكتب الأمين العام للشئون الدينية والأوقاف...
3- وأن مئات من النسخ قد طبعت منه ووزعت..
4- وأن الطلبات للحصول على نسخ من التقرير تتوالى، وخاصة من مساعدي المحافظين للشئون الدينية والأوقاف....
5- وأن الأخوان الجمهوريين لم تصلهم نسخة رسمية، مع أن التقرير يتعلق بهم من عدة وجوه..
كما نتبين مما سبق ان الأخوان الجمهوريين كانوا قد سعوا إلى السيد أحمد البيلي في داره لإدارة الحوار حول “الدعوة الإسلامية الجديدة”، ولكنه أخلف وعده في الاتصال بهم في هذا الصدد، حتى كلف بكتابة تقرير حول دعوتهم.. وسنرى، في هذا الكتاب الذي بين يدي القراء، مجانبته للأمانة العلمية والموضوعية فيما زعم أنه ((تقويم وتقييم)) للدعوة الإسلامية الجديدة. ومن عجب أن يرد في ((توصية)) التقرير، بالرغم من كل هذا مايلى:-
((أن تقوم حملة مكثفة مركزة على أباطليه في جميع المدن الكبرى وأن يفسح المجال لأتباعه لكى يناقشوا ما يسمعون حتى ينفضوا عنه وهم على يقين من أنهم كانوا ضحية الجهل بحقائق الإسلام))..
ونحن نتساءل: لماذا لم يتصل السيد أحمد البيلي بالأخوان الجمهوريين لمناقشتهم، لا سيما وقد فتحوا مجال النقاش من جانبهم، وذلك بدافع مما يراه هو واجبا دينيا عليه في إنقاذهم من ((الجهل بحقائق الإسلام)) – على حد تعبيره؟ .. لماذا؟؟.. الاجابة قريبة: سوء الغرض!!