((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

"الدعوة الإسلامية الجديدة" دعوة إلى بعث أصول القرآن

"الدعوة الإسلامية الجديدة" دعوة إلى بعث أصول القرآن:


جاء في كتاب “رسالة الصلاة” – من صفحة 69 الطبعة السادسة، صفحة 25 الطبعة الأولى – مايلى:-
(ومن الأمور التي لا بد من تقريرها لتعين على فهم القرآن هو أن القرآن كله مثاني.. كل آية فيه وكل كلمة بل وكل حرف.. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ((الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها، مثاني، تقشعر منه جلود الذي يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم، وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك هدى الله يهدي به من يشاء، ومن يضلل الله فما له من هاد)) ومعنى مثاني أنه في معنيين اثنين معنى بعيد عند الرب، ومعنى قريب، تنزل من الرب إلى العبد، وعلى مستوى هذا الفهم للقرآن تحدثنا آنفا عن آية ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) فقلنا إلا ليكونوا لي عبيدا بوسيلة العبادة.. فكأن لكلمة "ليعبدون" معنى بعيدا هو العبودية، ومعنى قريبا هو العبادة..) هذا ما جاء في كتاب "رسالة الصلاة".
فالقرآن كله مثاني، معنى بعيد، ومعنى قريب، والمعنى البعيد هو المعنى الباطن، والمعنى القريب هو المعنى الظاهر.. والمعنى الظاهر هو ما تعطيه اللغة العربية، وهو التفسير، والمعنى الباطن هو ما يعطيه التوحيد، وهو التأويل. والتفسير مشمول في التأويل، بمعنى أن كل تأويل يجب الا يتجافي مع ظاهر النص، وكل ما هناك أن الكلمات تنتقل من كثيف المعاني وغليظها إلى لطيف المعاني ودقيقها. وفي مضمار التأويل، وفي أدنى منازله من التفسير، تجيء معرفة الحكمة وراء النصوص، لأن النصوص إنما هي وسيلة إلى غاية، وليست غاية في ذاتها. ومن معرفة التأويل تجيء معرفة أصول القرآن وفروعه من الآيات المكية والآيات المدنية، وكيف أن آيات الأصول هي المقصودة بالأصالة، وآيات الفروع هي المقصودة بالحوالة.. ومعنى هذا أن الناس لما لم يستطيعوا التكليف في مستوى الأصول نزل بهم إلى مستوى ما يستطيعون، فكانت آيات الفروع. وآيات الأصول هي الآيات المكية، وآيات الفروع هي الآيات المدنية، وقد اعتبرت آيات الأصول، يومئذ منسوخة واعتبرت آيات الفروع صاحبة الوقت، وما نَسْخ آيات الأصول، يومئذ الا إرجاء لها ليوم يجيء فيه وقتها، وذلك حين تستعد البشرية لتطبيقها..
وآيات الأصول قائمة على المسئولية، ومن ههنا كانت آيات إسماح، ومنها: ((وقل الحق من ربكم!! فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر...)) وآيات الفروع قائمة على الوصاية، ومن ههنا كانت آيات اكراه، ومنها: ((وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة، ويكون الدين لله.. فان انتهوا فلا عدوان الا علي الظالمين)).. فآيات المسئولية منسوخة بآيات الوصاية..
وعلماء المسلمين يعتبرون أن آية الشورى ديمقراطية، وما هي بذلك، وإنما هي آية حكم الفرد الرشيد الذي جُعل وصيا على القصر، وأُمر بترشيدهم حتى يكونوا أهلا للديمقراطية بنهوضهم إلى مستوى حسن التصر في الحرية الفردية. وآية الشورى تقول: ((فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا، غليظ القلب، لأنفضوا من حولك.. فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر .. فإذا عزمت فتوكل علي الله .. ان الله يحب المتوكلين)).. فآية الشورى ليست بآية ديمقراطية، بل أنها ناسخة لآيتي الديمقراطية: ((فذكر!! إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر)). وآيتا الديمقراطية منسوختان على مستويين.. فأما في مستوى المشركين فمنسوختان بآية السيف.. وأما في مستوى المؤمنين فمنسوختان بآية الشورى. والإشتراكية في أصول القرآن، وليست في فروعه – أى لبست في شريعته، فآية الإشتراكية هي ((ويسألونك ماذا ينفقون!! قل العفو!!)) وهذه هي آية الزكاة الكبرى، آية زكاة النبي.. وهى في حق الشريعة، للأمة، غير ملزمة، وإنما هي منسوخة بالآية الفرعية، آية الزكاة الصغرى ((خذ من أموالهم صدقة، تطهرهم، وتزكيهم بها، وصل عليهم: إن صلاتك سكن لهم.. والله سميع عليم))..
(راجع كتاب "تطوير شريعة الأحوال الشخصية" من صفحة 39 إلى صفحة 43 – الطبعة الأولى)..
فكأن الآيات التي نُسخت إنما نسخت لحكم الوقت، فهي مرجأة إلى أن يحين حينها، فإذا حان حينها، فقد أصبحت هي صاحبة الوقت، ويكون لها الحكم وتصبح بذلك هي الآية المحكمة، وتصير الآية التي كانت محكمة في القرن السابع منسوخة الآن، هذا هو معنى حكم الوقت.. للقرن السابع آيات الفروع، وللقرن العشرين آيات الأصول، وهذه هي الحكمة وراء النسخ، فليس النسخ، إذن، إلغاءاً تاماً وإنما هو إرجاء يتحين الحين، ويتوقت الوقت.. ونحن في تطويرنا هذا إنما ننظر إلى الحكمة وراء النص.. فإذا خدمت آية الفرع، التي كانت ناسخة في القرن السابع لآية الأصل، غرضها حتى استنفدته، وأصبحت غير كافية للوقت الجديد – القرن العشرين- فقد حان الحين لنسخِها هى، وبعث آية الأصل، التي كانت منسوخة في القرن السابع، لتكون هي صاحبة الحكم في القرن العشرين، وعليها يقوم التشريع الجديد.. هذا هو معنى تطوير التشريع... فإنما هو إنتقال من نص خدم غرضه.. خدمه حتى استنفده، إلى نص كان مدخرا يومئذ إلى أن يحين حينه. فالتطوير، اذن ليس قفزا عبر الفضاء، ولا هو قول بالرأى الفج، وإنما هو إنتقال من نص إلى نص..
(راجع كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" صفحة 9 وصفحة 10 - الطبعة الرابعة)..
فالدعوة الإسلامية الجديدة، إنما هي دعوة إلى تطوير التشريع، وذلك بالإنتقال من نص إلى نص في القرآن. فأين هذا مما زعمه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية من أن آراءنا تصادم النصوص الصريحة في القرآن ..؟ إن آراءنا إنما هي دعوة إنما هي دعوة إلى الإنتقال من نص صريح في القرآن إلى نص صريح في القرآن، بل هي إنتقال من النصوص المقصودة بالحوالة إلى النصوص المقصودة بالأصالة، في القرآن.. هي استلهام أكبر لغرض القرآن. فإذا كان عصرنا هو عصر الإشتراكية، فقد وجب الإنتقال من نص الزكاة الصغرى (الزكاة ذات المقادير) إلى نص الزكاة الكبرى (زكاة النبي)، في القرآن، وإذا كان عصرنا هو عصر الديمقراطية فقد وجب الإنتقال من نص الوصاية (آية السيف وآية الشورى) إلى نص الديمقراطية، في القرآن. فآيات الأصول التي ندعو إلى الإنتقال إليها من آيات الفروع إنما هي قمة الدين، وهي التي بها يتم تحقيق غرض الدين – وهو كرامة الإنسان..