((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




الميزان بين
محمود محمد طه
والأمانة العامة للشئون الدينية والأوقاف

"الدعوة الإسلامية الجديدة" دعوة إلى أحياء السنة

"الدعوة الإسلامية الجديدة" دعوة إلى أحياء السنة:


وزعم السيد/مدير مصلحة الدراسات الدينية بأن آراءنا ((تصادم النصوص الصريحة في القرآن والسنة الصحيحة...)) يقتضينا الحديث عن السنة... ما هي السنة؟؟
جاء في صفحة 13 من كتاب ((الرسالة الثانية من الإسلام))- الطبعة الرابعة – مايلى:-
((إن مما ألف الناس أن سنة النبي هي قوله، وإقراره، وعمله.. والحق أن هذا خطأ، فان قول النبي، وإقراره، ليسا سنة، وإنما هما شريعة.. وأما عمله في خاصة نفسه فهو سنة.. نعم هناك من قوله قول يلحق بالسنة، وذلك هو القول الذي ينم عن حال قلبه من المعرفة بالله.. أما أقواله التي أراد بها إلى تعليم الأمة في أمر دينها فهي شريعة، والفرق بين الشريعة، والسنة، هو الفرق بين الرسالة، والنبوة، أو هو الفرق بين مستوى الأمة، من أعلاها إلى أدناها، ومستوى النبي.. وذلك فرق شاسع وبعيد..
السنة هي عمل النبي في خاصة نفسه، والشريعة هي تنزل النبي، من مستوى عمله في خاصة نفسه إلى مستوى أمته، ليعلمهم فيما يطيقون، وليكلفهم فيما يستطيعون.. فالسنة هي نبوته، والشريعة هي رسالته.. وإنما في مضمار رسالته هذه قال: (( نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم))..
هذا ما جاء في كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام". والفرق بين عمل النبي في خاصة نفسه (السنة) وعمل الأمة (الشريعة) قد جاء مفصلا في كتاب "تطوير شريعة الأحوال الشخصية" – صفحة 38 وصفحة 39، الطبعة الأولى – كما يلى:-
((ولما كان النبي صاحب شريعة فردية، من حيث أنه نبي، فقد جاء تكليفه في القمة.. فهو، وإن كانت الصلاة المكتوبة مفروضة عليه، وعلى أمته، فهو يؤديها كما يؤدونها، من حيث الهيئة، إلا أنه كان مخصوصا بصلاة الليل.. فهي فرض عليه، حين لم تجيء في حق أمته إلا عن طريق الندب إلى التأسي به.. قال تعالى: (( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا  نصفه، أو انقص منه قليلا  أو زد عليه.. ورتل القرآن ترتيلا  إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا  إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا..)) وهو قد كان يؤدي الصيام المكتوب، من حيث الهيئة، كما تؤديه أمته.. وكان، في صيام التطوع، يواصل الصيام، بمعنى أنه قد يصوم، صوما متصلا ثلاثة أيام، وليلتين، من غير أن يفطر أثناءها.. فلما أراد أصحابه أن يقلدوه في ذلك نهاهم، وأمرهم بالصيام الشرعي المكتوب عليهم.. فلما قالوا: (( فإنا نراك تواصل يا رسول الله))، قال: (( إني لست كأحدكم.. فإني أبيت عند ربي، يطعمني، ويسقيني..)) وهو لم يكن، بالطبع، ليسقى، ويطعم، الشراب، والطعام، الماديين، وإنما هو اليقين بالله.. فهو لم يكن، من حيث اليقين، كأحدهم.. وكذلك اختلف عنهم.. فأركان الإسلام الخمسة، عنده، تختلف عنها، عندهم، وإن اتفقت في ظاهر الصورة.. وما ذلك إلا لمكان معرفته بالله..))
هذا ما جاء في كتاب (تطوير شريعة الأحوال الشخصية)، وقد سلف الحديث عن الفرق بين الزكاة الكبرى.. زكاة النبي (إنفاق العفو)، والزكاة الصغرى.. زكاة الأمة (الزكاة ذات المقادير). وجاء تحت عنوان (السنة هي الرسالة الثانية) في كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام" – صفحة 5 الطبعة الرابعة – مايلى:-
((فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. هي مخاطبته هو على قدر عقله.. وفرق كبير بين عقله، وبين عقول عامة الناس.. وهذا نفسه الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس، وإنما كان ذلك ممكنا، بفضل الله، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان.. وحين بشر المعصوم ببعث الإسلام إنما بشر به في معنى بعث السنة، وليس في معنى بعث الشريعة.. قال: (( بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ.. فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها )).. ويجب أن يكون واضحاً أنه لا يعني إحياء الشريعة، وإنما يعني إحياء السنة.. والسنة، كما قلنا، شريعة، وزيادة.. السنة طريقة.. والطريقة شريعة موكدة..))
هذا ما جاء تحت عنوان: (السنة هي الرسالة الثانية)، ونحن نحب أن نواجه السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية هذه العبارة التي وردت، وورد تفصيلها في النص السابق ((وما الرسالة الثانية الا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس)).. هل يقال عمن هذه دعوتهم أن دعوتهم ((تصادم النصوص الصريحة في القرآن والسنة الصحيحة..))؟!! هذه هي “الدعوة الإسلامية الجديدة” كما جاءت في مؤلفاتها، التي زعم السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية أنه أطلع على تسع منها قبل كتابة تقريره، وهي، كما ترون، دعوة إلى بعث أصول القرآن، والى أحياء السنة، ولم يسبق لها ضريب. فحكمه بأن آراءنا ((تصادم النصوص الصريحة في القرآن والسنة الصحيحة)) حكم لا يؤدى اليه الاطلاع الأمين على كتبنا، بأى حال من الأحوال، ولذلك عمدنا، في الرد عليه، إلى ايراد النصوص المطولة من هذه الكتب، حتى تتبين مجانبة حكمه للحق، أما قول السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية عن آرائنا انها ((تخالف أجماع المسلمين..))... وأنها لا يوافقنا عليها ((علماء الإسلام سلفا وخلفا))، فهو قول يقتضينا الحديث عن الاجماع.. أما اجماع السلف فهو ليس حجة على”الدعوة الإسلامية الجديدة”، وإنما حجيته في الشريعة الإسلامية الموروثة التي قامت على فروع القرآن، وما دعوتنا الا إلى تطوير الشريعة الإسلامية الموروثة بالإنتقال من فروع القرآن إلى أصوله. وبعد، فان الاجماع قد كان فيما ليس فيه نص، ودعوتنا إنما تقوم على نصوص هي أصول القرآن، وهي هي السنة النبوية..
أما أجماع الخلف فهو ليس حجة على “الدعوة الإسلامية الجديدة”، ومن باب أولى. ولنا رأى في الفقه الإسلامي ورد في كتاب (طريق محمد)، أغفله السيد مدير مصلحة الدراسات الدينية، ونورده هنا.. فقد جاء في صفحة 26 من هذا الكتاب (الطبعة السابعة) ما يلي:-
((وأما ما كان من أصحاب الدنيا - أصحاب معاوية - الذين بدأ عهدهم بانتصار معاوية، وهزيمة علي، فإنهم أخذوا ينظمون دنياهم وفق الشريعة الإسلامية، حتى إذا اتسعت وزاد إقبالهم عليها وتشعبت حاجاتهم فيها، نشأ الفقه الإسلامي، وأخذ يستنبط ويقيس ويجتهد، حتى أسرف على الناس في أخريات الأيام ، وبعد بهم عن المعين، واهتم بالقشور، وفرَّط في اللب، فأصبح صورا تحكي الدين، بلا دين، وجاء الفقهاء الذين يعيشون للدنيا ويأكلونها باسم الدين)).. هذا ما جاء في كتاب (طريق محمد) عن نشأة الفقه، واهتمام الفقهاء بالقشور، وتفريطهم في اللباب، مما يتبين منه أن الفقه، وعلى أيدي الخلف من الفقهاء، بخاصة، فقد بعد حتى عن سمو وسماحة الشريعة الإسلامية الموروثة، وصار الفقهاء غير صادقين في التزامهم بهذه الشريعة... وصارت هذه الشريعة على أيديهم مطولات فقهية جامدة، بعيدة عن واقع الحياة الجديدة.. فهل يعتد باجماع الفقهاء، وهذا حالهم؟ أما المسلمون، عامة، فقد أدركتهم، اليوم، نذارة المعصوم، اذ قال: ((يوشك أن تداعي عليكم الأمم كتداعي الأكلة على القصعة. قالوا: أومن قلة، نحن، يومئذ، يا رسول الله؟ قال: بل أنتم، يومئذ، كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل لا يبالي الله بكم))!! فإذا كان هذا هو حال المسلمين اليوم، فان الإسلام، حينما يعود إليهم، فانه لا يعود الا غريبا، تحقيقا لبشارة المعصوم، اذ قال: ((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدا، فطوبي للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)).. وقال عن الغرباء في رواية أخرى ((فئة قليلة مهتدية، في فئة كثيرة ضالة)).. فهل اجماع المسلمين اليوم، وهم على ما هم عليه من البعد عن الإسلام، حجة على دعوة تدعو إلى بعث الإسلام بعد طول عهد، والى أحياء السنة بعد اندثار؟!!
ان دعوتنا غريبة، ولكن غرابتها مدعاة صحة أكثر مما هي مدعاة خطأ... والنبي المعصوم إنما بشر، في عودة الإسلام، بالغرابة.. وليس معنى هذا أن كل غريب صحيح، ولكن معناه أن كل دعوة إلى الإسلام غريبة يجب أن تحمل الناس على التثبت، والتبين، حتى تتضح لهم صحتها من خطئها.
ونحن نعلم أن دعوتنا هذه غريبة حتى على من يعتبرون أنفسهم ((علماء))، ذلك بأنهم لا يفرقون بين أصول القرآن وفروعه، ولا بين السنة والشريعة، ولا يشعرون بالحاجات والطاقات الجديدة، في الحياة المعاصرة التي تقضى تطوير التشريع على هدى أصول القرآن، والسنة..
إذا كان المسلمون اليوم ينتظرون عودة الإسلام فلينتظروا الغرابة في هذه العودة، ذلك بأنهم ألفوا العيش على قشور الإسلام حتى حسبوها لباب الإسلام.. والأمر إنما يقتضي تفتح الذهن، وخلوص النية، لتقبل هذه الغرابة التي تصحب عودة الإسلام..
أما من يدعى العلم بالدين، ثم يدعى أنه قد استقصاه، حتى لم يعد يطلب علما مستأنفا، فانه ليس من علماء الدين، ذلك بأن العلم بالدين لا يستقصى.. ((وفوق كل ذي علم عليم))..
اننا على اختلاف ما يواجهنا به معارضونا من ألوان المعارضة، لم نظفر، إلى اليوم، بمن يعأرضنا في حقيقة ما ندعو اليه!! وكل معارضينا إنما يعأرضون ما يتوهمونه عن دعوتنا – مجرد التوهم. ونحن اذ ندعو الناس، كافة الناس، إلى أن ينظروا في أمر دعوتنا نظرا دقيقا، إنما نريد لهم أن يتفقوا معنا على بينة، أو أن يختلفوا معنا على بينة، فنحن لا نريد الا أجلاء وجه الحق، لنا أو علينا، والحق يعلو ولا يعلى عليه..