عالم الغد وما أدراك ما عالم الغد!؟ عالم واحد، تحكمه حكومة واحدة يسوده قانون واحد، تسكنه إنسانية واحدة، تقوم علائقها على العدل والرحمة، ويسعها السلام والحب، ويحركها للعمل حب الخير والجمال، فتعمر الخراب وتخصب اليباب وتعيد الفردوس المفقود من الأرض، وتفجر ينابيع الحب والجمال في قلب كل رجل وكل امرأة

محاضرة للأستاذ محمود محمد طه بنادي أمدرمان الثقافي سنة 1953م




قضايا كوستي

صفحة الغلاف والافتتاحية والإهداء

سعيد الطيب شايب
من الأخوان الجمهوريين

يقدم

قضايا كوستي


هدية لشعبنا لكيلا يخدع عن حقيقة
مـن يتصـدون لتـعـليمه دينه






الطبعة الأولى يوليو 1975 رجب 1395


بسم الله الرحمن الرحيم
((وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))
صدق الله العظيم


ان نشر تفاصيل المحاكمات، التي تتم في المحاكم السودانية، ليس أمرا غريبا، أو جديدا على القارئ، أو المستمع السوداني، فقد نشرت الصحف السودانية كثيرا من تفاصيل المحاكمات، وخاصة تلك التي تتعلق بجرائم القتل، والاختلاسات.. كما أن كثيرا من المحاكمات التي تمت أمام مجالس عسكرية ايجازية عالية قد نقلت الى المستمعين، والمشاهدين، عبر الاذاعة والتلفزيون في السنين الأخيرة.
ولعل القاريء الكريم يدرك أن نشر ما يدور في المحاكم يستند الى قاعدة قانونية راسخة، تقول بضرورة فتح المحاكم أمام الجمهور واعطاء الفرصة لمن يريد أن يشاهد كيفية وتحقيق العدالة.
وتثبيتا للقاعدة التي أشرنا اليها فقد نص الدستور الحالي للبلاد في المادة 194 على أن تكون (جلسات المحاكم علنية الا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام، أو الآداب، أو مقتضيات الأمن). وقد ورد في قانون الاجراءآت الجنائية سنة 1974، الذي يحدد الاجراءآت التي تسير عليها المحاكم الجنائية نص مماثل.
وحين نأتي الى الواقع العملي نجد أن الهدف الذي ترمي اليه قاعدة فتح المحاكم أمام الجمهور لا يتحقق الا في نطاق ضيق، ذلك أن قاعات المحاكم لا تسع الا لعدد قليل جدا من الناس ولذا أصبح مطلوبا نشر ما يدور في المحاكم والتعليق عليه. يقول الفقيه الهندي راتنلال في كتابه: ((LAW OF CRIMES)) الطبعة الثانية والعشرين بصفحة 1326 ما ترجمته:
((قد أصبح من المسلم به على نطاق واسع أن محاكم العدالة يجب أن تفتح أبوابها للجمهور، ولكن الفائدة من فتح المحاكم للجمهور لا تتحقق الا في نطاق ضيق جدا إذا منع القلة الذين يتمكنون من دخول قاعة المحكمة من نشر ما دار بداخل القاعة على الجمهور الكبير الذي لم يتمكن من الحضور. كذلك تكون الفائدة ضئيلة جدا إذا منع اولئك الذي تمكنوا من معرفة ما دار داخل قاعة المحكمة من التعليق على ما دار.))
في هذا الكتاب يجد القاريء الكريم تسجيلا لمحاكمة المتهم، سعد الدين محمد سالمين، الذي حوكم أمام محكمة كبرى، بمدينة كوستي، وأدين تحت المادة 90 من قانون عقوبات السودان (التحريض على القتل العمد) في اليوم الرابع والعشرين من فبراير سنة 1975، ويجد القاريء كذلك تعليقا وافيا، كتبه الأستاذ سعيد الطيب شايب أحد تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه، عن هذه المحاكمة، ومن محاكمات أخري على جرائم وقعت بمدينة كوستي، كنتائج مباشرة للتحريض، الذي قام به المتهم، سعد الدين محمد سالمين.
ان جريمة التحريض على القتل العمد جريمة خطيرة، وهي تتكون من قول، أو فعل يقصد به دفع شخص آخر لارتكاب جريمة القتل، والشخص المحرض هو صاحب الدافع الحقيقي، أما الشخص المدفوع لارتكاب جريمة القتل فانه تستمد دوافعه من الشخص المحرض، سواء أكان ذلك في صورة حافز مادي، أو معنوي، أو في صورة تأثير نفسي.
كان المتهم سعد الدين محمد سالمين يطوف بمساجد مدينة كوستي، ويقف في الناس خطيبا، وواعظا، ويقرأ عليهم حديثا مرويا في كتب الأحاديث، جاء فيه وصف لفرقة من الفرق، وأمر المسلمين بقتل أفراد هذه الفرقة، إذا لقوهم، ووعد لمن يقتل أفراد هذه الفرقة بالأجر يوم القيامة، وكان المتهم بعد فراغه من قراءة الحديث، يبدأ في شرحه، ويؤكد للمصلين أن المقصودين بهذا الحديث هم تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه.
وبعد أن كرر المتهم كلامه في المسجد، تأثر به بعض السذج، وصدقوه.. وقد أدي ذلك الى خلق جو من العداء، المسلح بالعنف، ضد تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه، بمدينة كوستي.. وكاد أن يؤدي الى فتنة يروح ضحيتها كثير من الأبرياء، ولكن انضباط تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه، وسلوكهم الموزون، فوت على المتهم غرضه، وأخيرا لجأ تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه الى تحريك القانون ضد المتهم، وغيره ممن عملوا على اثارة مشاعر الكراهية والحقد ضدهم، مثل سعد مصطفي، الذي أدين في محاكمة غير ايجازية تحت المادة (106) من قانون العقوبات، وابراهيم جعفر، الذي أدين تحت المادة (296) من قانون العقوبات، وبابكر عبد الرحمن ماجداب، الذي أدين تحت المادة (277)، وعمر محمد أحمد الامام، وبابكر محمد أحمد الامام، وعباس آدم، الذين أدينوا تحت المواد (386) و(296) و(127) (أ) من قانون العقوبات.
ويهمني في هذه المقدمة ان أشير الى عدة أمور هامة: -
أولا: إذا كان القانون هو الحد الأدنى من الأخلاق، الذي يلزم الفرد بمراعاته، ولما كان الدين انما جاء ليتمم مكارم الأخلاق، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (انما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فانه يكون من المؤسف حقا أن يجد المرء رجالا، يزعمون أنهم دعاة للدين وهم في نفس الوقت يعجزون عن الالتزام بالحد الأدنى من الاخلاق، الذي هو القانون، كما ذكرنا.
ثانيا: ان حق الآخرين في التعبير عن أفكارهم ونشرها من أهم المباديء التي نص عليها الدستور الحالي للبلاد في الفصل الثالث.. وقد ألزمت المادة (60) من الدستور الدولة نفسها بأن (تحترم حقوق الأفراد الثابتة تحت حكم القانون كما عليها أن تقدم الوسائل الفعالة لحمايتها والتمتع بها) ومع ذلك كله نجد بعض الفقهاء، من أضراب المتهم، يظنون أنهم أوصياء على عقول الناس، ومن ثم يحاولون الحيلولة بينهم، وبين الفكر المنفتح على التقدم والمعرفة.. ويحز في النفس أنهم يفعلون ذلك باسم الدين، ومن داخل المساجد، ويفعلونه، أيضا، مخالفة لقوانين البلاد، كما ثبت بالنسبة للمتهم سعد الدين محمد سالمين.
ثالثا: ان هذه الجريمة قد وقعت في داخل المساجد، بمدينة كوستي، تحت سمع، وبصر الشئون الدينية، وهي المسئول الأول عن (الاشراف على المساجد والعناية بها) حسب نص القرار الجمهوري – رقم3- ملحق (د) المنشور في غازيتة جمهورية السودان الديمقراطية (العدد الخاص الصادر بتاريخ 16/6/1973م. ويثبت محضر محاكمة المتهم سعد الدين محمد سالمين مشايعة أئمة ووعاظ الشئون الدينية للمتهم في ما كان يقترفه من مخالفات في المساجد.
ونري أن الشئون الدينية، وهي من أجهزة الدولة الرسمية التي يقع على عاتقها الاشراف على أماكن العبادة بما فيها المساجد، قد فرطت في هذا الواجب الكبير وذلك بجعلها منابر المساجد ميدانا لارتكاب الجرائم، وتهديد الأمن والقانون.
رابعا: ان نشر محاكمة المتهم سعد الدين محمد سالمين يقدم خدمة كبيرة للسائرين على درب المتهم، في طريق الخصومة الفاجرة ضد أفكار الأستاذ محمود محمد طه.. لأن في ذلك تعليما لهم بأن الأفكار لم تعد، في القرن العشرين، تنتصر بالعنف الذي يصل الى التحريض على القتل العمد، وانما تنتصر بما تحمله من قوة التمييز بين الأشياء، وبما تقدمه من حلول عملية لمشاكل الأفراد والمجتمعات.
أن نشر محضر المحاكمة يقدم، كذلك، خدمة للمواطن السوداني، بما يضيف الى ثقافته القانونية، والتي نري ضرورة تنميتها حتى يصبح كل فرد حريصا على سيادة الدستور والقانون.
((وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين)) صدق الله العظيم
أحمد سليمان دفع السيد المحامي



الإهــداء:


الي الذين اجتبوا، فجاهدوا في الله حق جهاده بليلهم ونهارهم، وبأموالهم وأنفسهم، لتكون كلمة الله هي العليا..
الى هؤلاء والي أخوانهم المقبلين على نهجهم نهدي هذا الكتاب.