وثورة أكتوبر ثورة لم تكتمل بعد .. وإنما هي تقع في مرحلتين .. نفذت منهما المرحلة الأولى ، ولا تزال المرحلة الثانية تنتظر ميقاتها .. المرحلة الأولى من ثورة أكتوبر كانت مرحلة العاطفة المتسامية ، التي جمعت الشعب على إرادة التغيير ، وكراهية الفساد ، ولكنها لم تكن تملك ، مع إرادة التغيير ، فكرة التغيير ، حتى تستطيع أن تبني الصلاح ، بعد إزالة الفساد .. من أجل ذلك انفرط عقد الوحدة بعيد إزالة الفساد ، وأمكن للأحزاب السلفية أن تفرق الشعب ، وأن تضلل سعيه ، حتى وأدت أهداف ثورة أكتوبر تحت ركام من الرماد ، مع مضي الزمن .

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (لا إله إلا الله)

menu search

قضايا كوستي

بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

مقدمة الكتاب




ليل الوقت:


بشرية اليوم الحائرة الضاربة في التيه، تقف على مفترق الطرق، بعد أن استجمعت من صراعها الطويل عبر عهدي طفولتها ومراهقتها صنوفا من الألم وصنوفا من الرجاء... ثم هي لا تلبث تعيش الضنك والنكد والشقاء، ولكنها في نفس الوقت ظلت تتنفس الفينة بعد الفينة أملا ورجاء بحياة أفضل..
واليوم وهي تجتاز، بما اختزنت من تجارب الماضي، الثلث الأخير من ليل الوقت، فقد حددت حاجتها تحديدا لم يسبق له مثيل في تاريخها الطويل، وذلك بفضل البدايات المحرقة التي أسهمت في تعميق التجربة.. وتوكيد حتمية السلام، حتى أصبحت ضرورة حياة أو موت.
وبفضل الله وتوفيقه فقد أيقن الطلائع من أهل القلوب الكبيرة والعقول الحرة، بأنه لا سبيل لسد ومواجهة حاجة انسانية اليوم للسلام الا بقيام نظام سياسي، اقتصادي، واجتماعي، يوفق في آن معا بين حاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية الشاملة وحاجة الفرد للحرية الفردية المطلقة في ميزان لا يجور.
ومن حسن التوفيق أيضا أن الأنظمة السياسية القائمة في عالم اليوم، قد عرضت قامتها في وجه ذلك التحدي العملاق، الذي واجهتها به الحاجة الجديدة، في البيئة الجديدة، فعجزت وتقاعست عن مستواه، بسبب من التناقض الواضح عندها بين حاجة الجماعة وحاجة الفرد، مما طفف موازينها، فطفقت ترصد للحرب من القيم المادية والقيم الأدبية أضعاف مضاعفة مما ترصد للسلام.

والمسلمون ما خطبهم؟


المسلمون اليوم ليسوا على شيء من دينهم الا ما تعلق منه بالقشور، فقد أصبحوا يعيشون على هامش الحياة، وليس لهم فيها دور يذكر الا دور التابع المطبوع على الهوان، ذلك بما نسوا الله، فأنساهم أنفسهم، حتى أدركتهم نبوة نبيهم المعصوم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم حيث قال في حقهم "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه، قالوا: أاليهود والنصاري؟ قال: فمن؟!".. وكما وردت عنه صلى الله عليه وسلم في حقهم أيضا نذارة تقول "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة على القصعة!! قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء! كغثاء السيل لا يبالي الله بكم" وهكذا عاشوا حالة الضياع في كل مكان، وعلى اختلاف اقطارهم ونحلهم، مما جعلهم فعلا في مؤخرة القافلة الانسانية الصاعدة الى الامام، بل لكأنهم لا يكادون يسمعون حسيسها، وهي تصنع من حولهم الحياة، وتبحث عن وسائل الخلاص، وتستلهم طرائق التغيير... وكيف لا؟ ما دام بينهم علماء جهلة تنفق عليهم أممهم لنشر الجهل وتدعيم الخرافة. أليس بيننا اليوم من يعلن ان الأشتراكية كفر! وأن الديمقراطية كفر! والقول بالوصول الى القمر كفر والحاد!؟ فهل رأي الناس جهلا أبلغ من هذا الجهل، في التعبير عن نفسه والاعلان عنها!! اللهم لا.. شهدنا.

والسودان


والسودان الحبيب ليس بمعزل عن الحياة من حوله، اذ هو بالضرورة مشمول في تيار الحضارة الغربية بآلامها وآمالها، وجهلها وعلمها، وجوهرها وقشورها، ولكنه لم يبلغ في التأثر بها المبلغ الذي بلغه غيره من الشعوب الاسلامية والشعوب العربية المجاورة، حيث عكفوا على قشورها، يلتمسون عندها الهدى وأسباب الفلاح، فكانوا "كباسط كفيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه"... ثم أنه من فضل الله على هذه البلاد، أنها لم تعرف حالة الهوس والتعصب الأعمى الذي مني به غيرها من المسلمين، وأنها من عناية الله بها، لا تزال تحتفظ بحرارة الدين ومحبته، ومحبة النبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كما أنها تحفظ لأصحابه وأحبابه من الأولياء، من سمو المكانة، وعلو المنزلة، ما يعجز القلم عن وصفه وتسطيره، ولكن مع ذلك كله، وبعد ذلك كله، فقد أصابها ما أصاب المسلمين في كل مكان من الضعف والوهن، مما أعظم أمر الدنيا في قلوب ابنائها، وحقر عندهم أمر الآخرة، حتى وردوا مورد القوم قبلهم، اذ جعلوا الدين حرفة لطلب الدنيا، يحترفها من يسمون "رجال الدين".
وقصة احتراف الدين، قد ظهرت بظهور طبقة "رجال الدين".. وذلك أمر منيت به كل الأديان وأكتوت بناره كل الشعوب.. وقد أسهم عندنا هنا في السودان بنصيب وافر في تعطيل الطاقات الحيوية من أبناء هذه البلاد، الذين فقدوا ثقتهم في الدين والتمسوا هداهم عند سواه، حين حكموا عليه بأقوال وأعمال "رجال الدين" الذين طوعوه سببا من أسباب الرزق، يلتمسون به هوى الحكام ورضاء الأغنياء.. وليس هذا بالأمر الجديد على هذه البلاد، ولكنه اشتهر واتسع في عهدي الاستعمار والحكم الوطني على نحو لم يسبق له مثيل في ماضي هذه البلاد، اذ حرص كل فريق على تدعيم مركزه السياسي في البلاد، فعمد الانجليز الى انشاء المحاكم "الملية" التي أسموها امعانا في تضليل الشعب، وخداعه، "المحاكم الشرعية" حتى يتوهم المسلمون أن أمر دينهم بخير، وعلى هذا النهج سار التعليم الديني في المعاهد، فنشأت "الثنائية" المشهورة التي فرقت ولاء الأمة بين تعليم مدني وتعليم شرعي وبين تشريع ديني وتشريع مدني وبين قضاء مدني وقضاء شرعي مما مكن للاستعمار من أهداف البقاء لفترة أطول مما لو كان الأمر غير ذلك.
ثم ذهب الاستعمار في الظاهر حيث تم اجلاء الانجليز، وبقي في الباطن حيث جاء الحكم الوطني مرتجلا، فتطور الحال الى أسوأ، ودخل عنصر استغلال الدين في طلب الولاء السياسي، وفي سبيل كسب المعارك الانتخابية، مراحله الحاسمة، فتمكنت بذلك الطائفية من رقاب قادة الاحزاب ومن جماهيرها على نحو أوسع مما كان لها أيام الاستعمار... ثم ذهبت تستخدمهم في فنون الحيل، لخداع الشعب باسم الدين وتجميده في صفوفها، فاهتدوا الى حيلة الشئون الدينية، فاستثمروها في تدعيم مركزهم السياسي، ورفعوها كاعلان انتخابي من أجل الاحتفاظ بكراسي الحكم، ثم ساروا في اتجاه تضليل الشعب على هذا النحو حتى رفعوا شعار "الدستور الاسلامي" الذي لا يعرفون عنه شيئا، ولا يملكون مقوما من مقوماته، وانما أرادوا فقط استخدامه من أجل تدعيم الاحتفاظ بدنياهم الفانية، فأعلنوا عن رفع القضاء الشرعي فوق القضاء المدني وجعل التعليم الديني فوق التعليم المدني، وما الى ذلك من اساليب قصار الاحلام، التي لا يتسع هذا المجال لحصرها، فلنكتفي من ذلك بهذه الاشارة العابرة.