((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها
من أزهريين ومن سعوديين

الخطاب الثالث - وزارة الشئون الدينية والأوقاف

الخطاب الثالث


صورة طبق الأصل


23/7/1972 النمرة وش دو/1/1/8/1

السيد/ الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار
الأمين العام لمجمع البحوث الاسلامية
الأزهر – القاهرة.
تحية طيبة
بالإشارة إلى خطابكم المؤرخ 5/6/1972 والخاص بكتاب الرسالة الثانية من الإسلام تأليف الأستاذ محمود محمد طه، إن موضوع مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية، وستتخذ فيه الاجراءات المناسبة بعد اكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه.
هذا وتجدر الاشارة الي ان المحكمة الشرعية العليا بجمهورية السودان الديمقراطية كانت قد أصدرت حكمها غيابيا في القضية نمرة 1035/1968 في 18/11/1968م ضد الأستاذ محمود محمد طه وحكمت غيابياً بأنه مرتد عن الاسلام وأمرته بالتوبة من جميع الأقوال والأفعال التي أدت الي ردته، وتجري الآن عملية جمع هذه الحقائق للمساعدة في الدراسة واتخاذ الاجراءات اللازمة وشكرا.
محمد أحمد ياجي
وكيل وزارة الشئون الدينية والأوقاف.


أولاً ما رأي الشعب السوداني في هذا الخطاب الهزيل المتهافت؟ ثم ما رأيه في هذه "الشئون الدينية" التي تعمل دائماً على إظهاره بهذا المظهر الضعيف المستكين؟ إن الشئون الدينية بنشرها لأسرار متابعة أجهزة الأمن لنشاط الأستاذ محمود محمد طه ونقلها لدولة أجنبية، ذات مصلحة في متابعة تلك الأسرار يشكل جريمة أمام القانون.. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن هذا الشعب يعز عليه أن تكون أخبار وأسرار قادته وأبنائه في ملفات دولة أجنبية في الوقت الذي لا يعرف هو شيئا عن تلك الأسرار.
اقرأوا مرة ثانية لكي لا تنسوا، ماذا قالت "الشئون الدينية" على لسان وكيلها: ((إن موضوع مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به، موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية، وستتخذ فيه الاجراءات المناسبة بعد اكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه.)).. هكذا قالت الشئون الدينية فما رأي القراء في هذا العبث وفي هذا الهوان؟ نحن لا نعجب من هذا الهوان الذي وضعت فيه الشئون الدينية نفسها، حينما رضيت أن تقوم بدور الموظف الصغير الذي يرد على استجواب رئيسه الكبير، وهو مأخوذ، بهيبته وأسير لعظمته! ولكننا نعجب أشد العجب أن تكون بيننا وزارة سودانية تتطوع بنقل أسرار البلد وأسرار المواطنين ولاسيما ما يتعلق منها بمتابعة أجهزة الأمن لهم، إلى دولة خارجية، هي صاحبة مصلحة تعادي الأستاذ محمود محمد طه معاداة عمياء، خرجت عن طور المعقولية والاتزان، وبلغت حظر دخوله للأراضي المصرية.. أكثر من ذلك بلغت مستوى مضايقة الآخرين، لأنهم يحملون إسماً مشابهاً لإسمه أو إسماً مطابقاً له؛ ومن حق القراء أن يعرفوا أن كل تلك المعاداة، قد قامت بسبب آرائه السياسية ومواقفه الجريئة الشجاعة في سبيل المحافظة على تراب هذا البلد، ومن أجل تأمين وحماية استقلاله.. وبهذه المناسبة يحق لنا أن نذكر هنا ما ندعم به اتهامنا للشئون الدينية عن سوء غرضها وسوء قصدها حينما رضيت أيضاً أن ترعى تدخلاً رجعياً صدرته السعودية تحت إسم "رابطة العالم الإسلامي" في الوقت الذي تعلم فيه "الشئون الدينية" أن السعودية تعادي الأستاذ محمود محمد طه كما تفعل مصر، وقد منعته هي الأخرى من دخول أراضيها، لا لسبب إلا لكشفه لجهالات الفكر الديني السلفي المتخلف الذي كانت تقوم عليه "جبهة الميثاق الإسلامي" في هذا البلد، والتي كانت ترجو بفضل المعونات السعودية وغيرها أن تبلغه ما تريد من فرض دستور إسلامي مزيف وقاصر من جميع الوجوه، ولكن هيهات! فإن الله قد حمى الشعب من جهالاتهم!!
كل ذلك معلوم عند الشئون الدينية التي تزخر بأساطين الفكر السلفي المتخلف، والذين يعز عليهم أن ينتصر الإسلام في هذا البلد على حساب جهالاتهم وتخلفهم، لهذا السبب، ولغيره من الأسباب، طوعت أجهزة "الشئون الدينية" في نقل الأخبار ومتابعة المعلومات عن رجل أقل ما يقال عنه أنه المفكر الإسلامي الوحيد في هذا العصر، وأنه الداعية الوحيد الذي لا تنتابه الشكوك ولا تبلغه الظنون، وأنه أعف الناس، وأبعد الناس عن معاداة الناس، والعنف بهم، لأنه داعية "الحرية لنا ولسوانا".. فلماذا تتعقب الشئون الدينية مثل هذا الرجل؟ ولمصلحة من تفعل ما تفعل؟ ثم لماذا تنشر على الشعب، وبطرق ملتوية، تلك الفتاوي الجاهلة، وتلك القرارات الطائشة؟ إن الشئون الدينية لا تعرف أقدار الرجال في هذا البلد، وقديماً قيل إن من جَهِل العزيز لا يعزه! والآن فهل تعلم الشئون الدينية أن الأستاذ محمود محمد طه هو أول وأصلب من قاوم الإستعمار البريطاني في هذا البلد، ثم هل تعلم أنه الرجل الوحيد الذي عفَّ وعزف عن غنائم الجهاد الوطني حينما تسابق عليها الكثيرون؟ وبعد الإستعمار!! هل تعلم الشئون الدينية بأنه الرجل الوحيد الذي ظل على رأيه وعلى دعوته في معارضة كل حكومات العهد الوطني؟ معارضة الناقد البصير والصادق العفيف؟ الذي لم يفرط في حق البلد ولا في حق من يخالفونه الرأي لحظة من ليل أو لحظة من نهار.. فما بال الشئون الدينية التي لا تعرف شيئاً عن تاريخ هذا البلد، وتاريخ الرجال، تتطاول على رجل في قمة الوطنية، وفي قمة المسئولية؟ ثم ماذا دهاها لتغري بنا أجانب لا يعرفون لقيم الرجال حرمة؟ ولا يرعون لمسئوليات الدين عهداً..
مما تقدم يتضح، بجلاء، أن قضيتنا مع الشئون الدينية وحلفائها من "رابطة العالم الإسلامي" و "الأزهر الشريف" ليست قضية دينية، وإنما هي قضية سياسية، ألبست لبوس الدين لتجوز على شعبنا المستهدف من ورائها، وعلى غيره من الشعوب، وإلا فما علاقة الدين بتحريم الأفكار، ومصادرة الكتب؟ وهل قيمة الدين في غير مقدرته على مواجهة ما يثار في وجهه من المشاكل والآراء، وحسمها بقوة الحجة، وقوة الفكر، حتى يتبوأ الدين مكانه السامي الذي يحرز به إقناع الجميع واحترام الجميع؟ ثم بم تدفع الشئون الدينية عن فتوى الأزهر، الذي اتضح أنه لم يطلع على كتاب الرسالة الثانية الذي بنى حكمه عليه، وذلك بدليل أن العبارات موضوع الدعوى والتي أصدر حكمه على أساسها لم ترد مطلقاً في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام، الطبعة الرابعة، وكما سبقت الإشارة إليها، وإنما كانت من صنعهم ليبرروا فتواهم المتهالكة، المغرضة، وليخدعوا عن الله، ويضلوا عن سبيله، مثلهم في ذلك مثل من قال تعالى في حقهم:- "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون"
إن خطاب "الشئون الدينية" موضوع هذا الباب من الكتاب لم يصل إلى نهايته في النقاش حتى الآن، رغم أننا كنا نود أن لو اكتفينا بما كان، لأن "الشئون الدينية" لا تستحق منا أكثر مما وجدت، ولكن حرصنا أن قد تكون ببعض القراء حاجة إلى متابعته والرد عليه تجعلنا نواصل الحديث عنه، أملاً في محو آثار عدوانها إن تبقى منه شيء حتى الآن.. ومما يذكر في هذا الصدد ما ورد عنهم في آخر الفقرة الماضية، التي أوردناها بعاليه وهو قولهم "وسـتتخذ فيه الاجراءات المناسبة بعد اكمال دراسة الموضوع من جميع جوانبه." جاءت هذه العبارة تكملة لقولهم السابق "إن موضوع مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه ونشاطه الذي يقوم به، موضوع دراسة دقيقة بواسطة هذه الوزارة وسلطات الأمن المختصة في جمهورية السودان الديمقراطية" وكأني بكاتب الرسالة الذي هو وكيل الشئون الدينية قد قصد بهذه العبارة التكميلية أن ينساق مع اتجاه الأزهر، لفرض العقوبات ومصادرة الكتب حيث حاول أن يستنطق العبارة لتقول: اصبر قليلاً فنحن ماضون في تنفيذ رغبتك لمصادرة الكتب وإيقاف النشاط المتصل بها.. ثم لما راجع عبارته ووجدها لا تفي بغرض الأزهر وأنها لم تعبر عن استجابة الشئون الدينية لتوجيهات الأزهر بما يكفي، لجأ ليقول وفي غير موجب للقول ((هذا وتجدر الاشارة الي ان المحكمة الشرعية العليا بجمهورية السودان الديمقراطية كانت قد أصدرت حكمها غيابيا في القضية نمرة 1035/1968 في 18/11/1968م ضد الأستاذ محمود محمد طه وحكمت غيابياً بأنه مرتد عن الاسلام وأمرته بالتوبة من جميع الأقوال والأفعال التي أدت الي ردته، وتجري الآن عملية جمع هذه الحقائق للمساعدة في الدراسة واتخاذ الاجراءات اللازمة وشكرا))
واضح من سيرة هذا الخطاب كيف أن الشئون الدينية قد حددت موقفها في الوقوف بجانب سياسة الأزهر التعسفية، وأن كل ما جاء في هذا الصدد عن الدراسة الدقيقة إنما جاء متحذلقاً ومتهافتاً، فهو لا يخلو أن يكون دعوى كاذبة، ولا تتعدى أن تكون حبراً على ورق.. هذا ما وقع عندنا من الفهم لسياق ذلك الخطاب العجيب! ثم هو بعينه ما قد صدقته تصرفات الشئون الدينية مع الدعوة الإسلامية الجديدة وعلى طول المدى، ومما يذكر في هذا الصدد ما جاء في تقرير تقدم به السيد أحمد البيلي مدير مصلحة الدراسات الدينية بالشئون الدينية قائلاً ((حتى الآن لم تتخذ الجهات الرسمية من دعوة محمود موقفا محددا لوقف نشاطه بكل ضروبه وقد حان الوقت لكي تقف الدولة منه موقفا محددا وحاسما حماية للإسلام دين الأغلبية))..
أما تطوع الشئون الدينية بذكر محكمة الردة وقراراتها في معرض ردها على الأزهر، فإنما جاء ليؤكد عزمها على مواصلة ما بدأته المحكمة الشرعية العليا في هذا الصدد، وهو عزم مفلول بعون الله وتوفيقه.
إن الشئون الدينية بتحاملها على الدعوة الإسلامية الجديدة إنما تدلل دائماً وفي كل يوم، على جهلها الشنيع بمبادئ الإٍسلام الذي تتسمَّى به وتعيش عليه، وهو منها براء. وفي الحق إن الشئون الدينية هي آخر من يتحدث عن الإسلام الذي تتبجح به، وتتباكى عليه، وإلا فلتدلنا على سندها الشرعي الذي يبيح لها رعاية الكنائس.
قلنا قبل قليل أن الشئون الدينية لا تعرف أبعاد مسئولياتها القانونية، ونضيف اليوم أنها لا تعرف أيضاً أبعاد مسئولياتها الشرعية، وهي في هذا الجانب الذي تدعي معرفته أجهل منها في غيره، فما الحل إذن والحال كما قد وصفنا؟ هل الحل أن تبقى الشئون الدينية أم تذهب إلى الجحيم؟ الجوب بكل تأكيد أن تبقى، لأن حكم الوقت لا يزال يتطلب جهازاً يرعى المسئوليات الدينية في الدولة العلمانية! ولكن لا بد لذلك الجهاز أن يكون مقتدراً وأن يكون في مستوى الكفاءة العلمية، والمسئولية الأخلاقية، وألا يتعدى حدوده، وأن يرعى حرمات الآخرين.. فإن عجز بعد ذلك عن التزام كل أولئك فإن ذهابه يصبح ضرورة لا بد منها.. وعلى نفسها جنت براقش..