((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




بيننا وبين الشئون الدينية وأساتذتها
من أزهريين ومن سعوديين

الخطاب الثاني - الأزهر مجمع البحوث الاسلامية

الخطاب الثاني


صورة طبق الأصل

بسم الله الرحمن الرحيم
الأزهر مجمع البحوث الاسلامية
مكتب الأمين العام
5/6/1972
السيد/ الأستاذ وكيل وزارة الشئون الدينية والأوقاف بالسودان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فقد وقع تحت يدي لجنة الفتوي بالأزهر الشريف، كتاب الرسالة الثانية من الاسلام، تأليف محمود محمد طه، طبع في أم درمان الطبعة الرابعة عام 1971 م ص. ب 1151. وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية. وقد بلغ الرسالة الفرعية، وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعد، لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول.. وبما أن هذا كفر صراح ولا يصح السكوت عليه، فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على ايقاف هذا النشاط الهدّام، خاصة في بلدكم الاسلامي العريق.. وفقكم الله وسدد خطاكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأمين العام
لمجمع البحوث الاسلامية
دكتور محمد عبد الرحمن بيصار

خرافة "الأزهر الشريف" ليس لها، بحمد الله، اليوم وجود إلا في اعتبار بعض من السذج، والبسطاء من المسلمين، الذين لم تشملهم، بعد، حركة الوعي العام الصاعدة في أقطارهم، وفي غيرها من بلاد الله، ولكن الأمل معقود باضطراد، لاستنقاذهم سريعاً من براثن الجهل الديني وما يلحق به من عوامل الرجعية والتخلف، المتصلة بتقديس "الأزهر الشريف".. ونحن نرجو أن يكون لمحاولتنا هذه اليد الطولى، والفضل الأكبر ـ على الأقل ـ في استنقاذ السودانيين الذين لا يزالون تحت تأثير هذه الخرافة، لاسيما بعد أن أصبح الأزهر، في وقتنا الحاضر، من أكبر الدلائل على موت الإسلام، ومفارقة المسلمين، ولعلنا لا نأتي بجديد إذا قررنا أن الأزهر، كان ولم يزل، ركيزة من ركائز الحكام الإنجليز، والحكام المصريين، يستخدمونه في بسط نفوذهم، وتدعيم سلطانهم، بإشاعة روح الإرهاب الديني، وما يتصل بها من حماية الحكام باسم الدين، تحت شعار الشرع الحنيف.. ووجه الأزهر في هذا المجال، مجلل بالعار والسواد، كما أن مخازيه لا تقع تحت حصر، أو بيان.. فكم كفَّر!! وكم خذَّل!! وكم تواطأ!! وكم أكل مشائخته الدنيا باسم الدين، فبنوا لحومهم، وشحومهم، الفانية بغير الحق، فضربوا بذلك، وعلى مر الأيام، أسوأ مثل لرجل الدين الخائر، المتقاعس، الجبان!! ألم تسمعوا بما كتب الأستاذ أحمد حسن الزيات، رئيس تحرير مجلة الأزهر، أيام المرحوم جمال عبد الناصر، وحين ذهب يناقش، ويقارن، بين اشتراكية محمد، واشتراكية جمال، وما اتصل بتلك المقارنة من نقاش مع العقاد، فقرر الزيات، وفي غير حياء "أن وقفة جمال عبد الناصر في ميدان التحرير تعدل كل العهود التي انكفأ العقاد يؤلف عبقرياتها" أو كما قال؟؟ فما رأي القراء في هذا، وما رأي المدافعين عن الأزهر؟؟ هؤلاء وأولئك مدعوون للإطلاع على كتابنا: "الدين ورجال الدين عبر السنين" ليقفوا بأنفسهم على مخازي الأزهر، وعلى مفاسده، مبوبة، ومحددة، ومؤرخة..
والآن، وبسبيل من تلك المخازي، وتلك العيوب، التي اشتهر بها الأزهر، فقد سعى إن شاء الله إلى حتفه حيث دخل في عرضنا معتديا فرمانا بالكفر، وبالإلحاد، في غير ورع أو حياء، وبغير بينة، وفي جرأة على الحق، وعلى الدين، لا تتوفر إلا عند أشباهه من محترفي الدين، الذين لا يخافون الله، ولا يخشون لقاءه، من أمثال الدمي، والنماذج المفتعلة التي رأيناها، و "كرابطة العالم الإسلام بمكة"، "وكالشئون الدينية"، "وكمحكمة الخرطوم العليا الشرعية ".. ومن عجب فإنهم يفكرون على نحو واحد، ويتآمرون على نمط واحد، ويقررون، في أخطر الأمور، "كالردة عن الإسلام" مثلاً، على إشاعات يتلقفونها من الشارع، ولا يكلفون أنفسهم مسئولية التثبت منها، أو البحث عنها في مصادرها، ليهلكهم الله بأيديهم، ويقضي أمراً كان مفعولاً.. ونحن نزعم أن الناس سيشهدون قريباً نهاية هذه المؤسسات الرجعية الفارغة المحتوى، فينفتح لهم طريق الحق على مصراعيه، لينهلوا من معينه الصافي، فيعود فيهم الدين قوياً وخلاّقا، يحرر القلوب، ويحرر الرؤوس، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.. ولكي نجعل طريق الدين ممهداً، فلا بد إذن من مواجهة هذه المؤسسات، وفضح أمرها للناس، وتعريتها، حتى تزول عنها تلك القداسة المدعاة، وقد رأيتم ما جرى منا مع رابطة السعودية، وسنفعل مثل ذلك مع "الأزهر" ومع "الشئون الدينية".. وسوف لا تكون رحلتنا معهم طويلة كما كانت مع "رابطة العالم الإسلامي" وما ذاك إلا لأن أقوالهم متشابهة ومتكررة، وقد سبق الرد عليها في جملة ما أصاب "رابطة السعودية" المسماة "برابطة العالم الإسلامي".. ولكننا وحرصاً على الفائدة وتعميماً لها، سنقف معهم بعض الوقت لندفع الباطل بالحق فإذا هو زاهق، وعلى الله قصد السبيل، ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين..
وبعد، فقد اطلع القراء الكرام على خطاب الأزهر الذي مر بنا قبل قليل، والمعنون لوكيل الشئون الدينية والأوقاف بالسودان.. وقد قامت حجة ذلك الخطاب المتحامل، الرديء، على رمينا بالكفر، والإلحاد، بسبب فهم خاطئ قام عند "لجنة الفتوى"، أو قل بسبب غرض مبيت عندها للنيل منا، فانطلقت، من غير أن تتبين، وكعادة الأزهريين دائماً، في إصدار الفتاوي، للهوى والطغيان.. ولكن ذلك لن يجوز على شعبنا الذي نثق أن قامته أكبر من أن تنخدع بهذه المهازل التي لا تقوم على أساس من فكر أو دين.. هذا وقد بلغنا أن بعض أعوان الشئون الدينية ببورتسودان، ومدني، وعطبرة، وكوستي، يقومون هذه الأيام، بقراءة تلك الفتاوي، وتوزيعها على الشعب، بغية إثارته، ولكن، ولله الحمد، فقد كان الشعب أكبر من أكاذيبهم، وترهاتهم، فلم يعبأ بهم، ولم يلتفت إليهم، بل، على النقيض، فقد زاد إقباله علينا، وتنوع اهتمامه بالفكرة الجمهورية، فاقتنى كتبها، وتساءل عن تفاصيلها على نحو لم نعهده فيه من قبل.. وهكذا فإن الله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.. ومن أهم ما جاء في خطاب الأزهر قولهم عن دعوتنا ((وقع تحت يدي لجنة الفتوي بالأزهر الشريف، كتاب الرسالة الثانية من الاسلام، تأليف محمود محمد طه، طبع في أم درمان الطبعة الرابعة عام 1971 م ص. ب 1151. وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية. وقد بلغ الرسالة الفرعية، وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعد، لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول..))..
نبادر فنقرر أن كل هذا الكلام كذب واختلاق.. ولم يصدر من الأستاذ محمود محمد طه مطلقاً.. وعليه، ومن باب أولى، فإنه ليس موجوداً "بالرسالة الثانية من الإسلام" التي زعموا اطلاع لجنة الفتوى عليها.. فما رأي القراء إذن في هذا الافتراء الذي افتعله الأزهر افتعالاً، ونشرته الشئون الدينية، وفي غير ورع، أو حذر، من كليهما!! فدونكم كتاب "الرسالة الثانية من الإسلام"، فإن فيه لكم غناء؟؟ وأما في هذا المقام فسننقل للقارئ طرفاً مما جاء عن هذا الأمر، من نفس الكتاب ومن نفس الطبعة الرابعة التي وردت إشارتهم إليها.
جاء في صفحة 16 ، 17 من كتاب الرسالة الثانية، الطبعة الرابعة 1971م ما نصه: ((ومرحلة العقيدة هي مرحلة الأمة المؤمنة.. وهي أمة الرسالة الأولى.. ومرحلة العلم هي مرحلة الأمة المسلمة.. وهي أمة الرسالة الثانية.. وهذه الأمة لم تجئ بعد، وإنما جاء طلائعها، فرادى، على مدى تاريخ المجتمع البشري الطويل. وأولئك هم الأنبياء، وفي مقدمتهم سيدهم، وخاتمهم، النبي، الأمي، محمد بن عبد الله، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.. وهو قد بشر بمجيء هذه الأمة المسلمة، كما جاء برسالتها، مجملة في القرآن، مفصلة في السنة، وقد أسلفنا الإشارة إلى معنى السنة.. وحين تجيء هذه الأمة المسلمة فإنها لا تبدأ إلا بما بدأت به الأمة المؤمنة، وهي مرحلة العقيدة، ولكنها لا تقف في الدرجة الثالثة من درجات السلم التي وقف جبريل في أسئلته عندها، وإنما تتعداها في التطور إلى ختام الدرجات، فتكون بذلك صاحبة عقيدة، وصاحبة علم، في آن معا، فهي مؤمنة، ومسلمة، في حين أن الأمة الأولى مؤمنة، وليست مسلمة، بهذا المعنى النهائي للإسلام.. ويجب أن يكون واضحا فإن جبريل إنما وقف، في أسئلته، عند نهاية درجات العقيدة لأنه إنما جاء ليبين للأمة المؤمنة دينها، ولم يجئ ليبين للأمة المسلمة، التي لما تأت بعد..
إن محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء))..
هذا ما جاء في مقدمة الرسالة الثانية، الطبعة الرابعة، التي تحدث عنها خطاب الأزهر، فما رأي القراء؟ وما رأي الشعب في هذه الشئون الدينية التي يصف عليها من عرقه، ودموعه، وهي سادرة في تكريم الغي الموفي بأهله على النار؟ وماضية في تضليل الشعب؟ أوليس من المؤسف حقاً أن يصدر مثل ذلك الكلام الذي ليس له وجود في كتابنا المشار إليه، من هيئة كالأزهر تدَّعي قيادة العالم الإسلامي؟ وأليس من المؤسف أكثر أن تمضي الشئون الدينية في غيها مع الأزهر فتضلل الشعب وتخون أمانة المسئولية؟!
من قال لكم يا رجال الأزهر أن الأستاذ محمود محمد طه قد قال في كتابه الرسالة الثانية من الإسلام ما افتريتموه في خطابكم العجيب حين نسبتم إليه من قولكم ((وقد تضمن هذا الكتاب أن الرسول بعث برسالتين فرعية ورسالة أصلية. وقد بلغ الرسالة الفرعية، وأما الأصلية فيبلغها رسول يأتي بعد، لأنها لا تتفق والزمن الذي فيه الرسول..))!
ما رأي الشعب السوداني في هذا الكذب الواضح المفتعل؟ نحن نترك للشعب أن يقرر نفسه بعد أن نحيطه بالمعلومات الوافية ومنها ما جاء في صفحة 5 من كتاب الرسالة الثانية، مقدمة الطبعة الرابعة، حول هذا الأمر، وتحت عنوان "السنة هي الرسالة الثانية" ما يلي:
((السنة شريعة، وزيادة.. فإذا كانت العروة الوثقى هي الشريعة، فإن السنة أرفع منها.. وإذا كان حبل الإسلام متنزلا من الإطلاق إلى أرض الناس، حيث الشريعة - حيث مخاطبة الناس على قدر عقولهم - فإن السنة تقع فوق مستوى عامة الناس.. فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. هي مخاطبته هو على قدر عقله.. وفرق كبير بين عقله، وبين عقول عامة الناس.. وهذا نفسه الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس، وإنما كان ذلك ممكنا، بفضل الله، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان.. وحين بشر المعصوم ببعث الإسلام إنما بشر به في معنى بعث السنة، وليس في معنى بعث الشريعة.. قال: ((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ.. فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)).. ويجب أن يكون واضحاً أنه لا يعني إحياء الشريعة، وإنما يعني إحياء السنة.. والسنة، كما قلنا، شريعة، وزيادة.. السنة طريقة.. والطريقة شريعة موكدة..)) ورد هذا في كتاب الرسالة الثانية التي زعمت لجنة فتوى الأزهر الاطلاع عليه فافترت علينا بالباطل ما كان يمكن ألا يكون لو اصطنعت الأناة وتريثت في الأمر قليلاً ولكن القصد المبيَّت لإصدار الفتوى كان حاكما ومسيطراً، فذهبوا إلى حيث تآمروا من غير تدقيق، فجاءت فتواهم مثلاً للركاكة والاستعجال.. اقرأ معنا ما جاء في صفحة 134 من كتاب الرسالة الثانية، عن الرسالة الثانية لترى كيف أهان هؤلاء النفر أنفسهم ودينهم:-
((الرسالة الثانية هي الإسلام، وقد أجملها المعصوم إجمالاً، ولم يقع في حقها التفصيل إلا في التشاريع المتداخلة بين الرسالة الأولى وبينها، كتشاريع العبادات، وكتشاريع الحدود، قال تعالى ((اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا)) هذا اليوم يوم عرفة، من حجة الوداع، في السنة الثامنة من الهجرة، وقد كان يوم جمعة. وهذه الآية هي آخر ما نزل من القرآن.. وهي قمة رسالات السماء.))
هل بعد هذا البيان الواضح، فرصة لمتقول أن يقول ما قاله "علماء السوء" بالأزهر، أو أن يردد، أو ينشر، ما ردده ونشره "علماء الدنيا" بالشئون الدينية في سبيل الجاه، وفي سبيل الدنيا، ومن غير اعتبار لما يلحقوا بأعراض الآخرين من الأذى حين يرمونها بالكفر والإلحاد؟ اللهم إن هذا فسوق نبرأ إليك منه ونسأل اللطف منك لقومنا من وعيدك الحق حيث قلت وأنت أصدق القائلين: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة".
وفي كل الذي تقدم بيان مقنع وإشباع كاف لقومنا من عبث العابثين وخيانة المفسدين، الذين لا يرعون حرمات الله ولا حرمات الناس.. ونحن، وكما أكدنا دائماً، لا نقيم وزناً لأمثال هؤلاء المرتزقة، ولا نجعل لهم قيمة، ولكن غرضنا دائما أمامنا وهو هذا الشعب الأصيل الذي نأمل أن يكون دائماً محصناً بالوعي ومثبتاً بالحق ليملأ مكانه في الصدارة والقيادة.. ومن أجل هذه الغاية سننقل فيما يلي كلمة أخيرة من كتاب الرسالة الثانية، الطبعة الرابعة، 1971م التي زعم أساطين الغواية الاطلاع عليها.. فقد ورد في صفحة 106 من ذلك الكتاب ما نصه: ((فإذا كان هذا الحديث صحيحا، وهو صحيح، بلا أدنى ريب، فإن له أثرا بعيدا في مستقبل الفكر الإسلامي، ذلك بأنه يعني أن الإسلام، كما جاء به القرآن، ليس رسالة واحدة، وإنما هو رسالتان: رسالة في طرف البداية، أو هي مما يلي اليهودية، ورسالة في طرف النهاية، أو هي مما يلي المسيحية، وقد بلغ المعصوم كلتا الرسالتين، بما بلغ القرآن وبما سار السيرة، ولكنه فصل الرسالة الأولى بتشريعه تفصيلا، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الرسالة الأولى، والرسالة الثانية، فإن ذلك يعتبر تفصيلا في حق الرسالة الثانية أيضا، ومن ذلك، بشكل خاص، تشريع العبادات، ما خلا الزكاة ذات المقادير.)) فما رأي رجال الأزهر؟ وما رأي رجال الشئون الدينية؟ وما رأي الشعب في "رجال الدين" هؤلاء الذين مرضت قلوبهم وعميت أبصارهم، فأنكروا الحق الأبلج؟؟ أفي أمثال هؤلاء قال إمام المديح البصيري قولته الخالدة؟
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفم طعم الماء من سقم
ختاما نكتفي بهذا القدر في مواجهة ادعاءات الأزهر الكاذبة الجوفاء، وفي النفس حاجة للمزيد من الكتابة، ولكن صونا لهذا الحيز المحدود وكسباً للوقت نرجو أن نحيل القارئ لمؤلفات "الدعوة الإسلامية الجديدة" وعلى الخصوص 1ـ الرسالة الثانية 2ـ طريق محمد 3ـ تطوير شريعة الأحوال الشخصية.. وبالاطلاع على هذه الكتب يتمكن القارئ بفضل الرؤية الواضحة، من متابعة قضية الأصول والفروع وما تبعها من النسخ والإحكام والله ولي التوفيق.
هذا من ناحية "الفتوى" أما من ناحية القرار الذي اتخذه الأزهر والذي جاء كما يلي ((وبما أن هذا كفر صراح ولا يصح السكوت عليه، فالرجاء التكرم باتخاذ ما ترونه من مصادرة لهذا الفكر الملحد والعمل على ايقاف هذا النشاط الهدّام، خاصة في بلدكم الاسلامي العريق..))
يلاحظ القارئ الاتفاق التام بين قرار أزهر مصر، وبين قرارات رابطة السعودية، مما يؤكد التآمر على دعوتنا الإسلامية الجديدة التي أقلقت مضاجعهم وهزت عروشهم، والتي لن ينالوا منها شيئاً بفضل الله، ثم بفضل يقظة شعبنا العملاق.. وقرار الأزهر، برغم ضعفه وهوانه، نعتبره مثلاً آخر من أمثلة التدخل في شئوننا الداخلية، وهو تدخل سياسي لم تكتمل له عناصر النضج المطلوبة في مثل هذه الحالات، وهكذا شأن "رجال الدين" دائماً لا يعرفون عن السياسة شيئاً، ولا يعرفون عن الدين ما يكفي، ومع ذلك تستخدمهم، وتستغلهم، الجهات الرجعية المتخلفة، لأنها ليست بأكثر منهم حكمة، أو أوسع منهم تجربة، وعلى هؤلاء وأولئك تقع مسئولية بُعْد الشباب الأذكياء عن الدين، ونفورهم عنه..
ونحن نعلم أن ضمير الدين قد مات في الأزهر، واندثر، ولذلك فنحن لسنا في هذا المجال بسبيل محاسبته على قراراته الرديئة، الممعنة في الرداءة، وإنما نحن بسبيل توعية شعبنا ليأخذ بزمام المبادرة فلا يخدع على غرة.. ومن أولى واجباتنا في هذا الصدد أن نشدد النكير على الشئون الدينية التي تفتح مجال هذا البلد للأجانب ليعيثوا فيه الفساد، وليتدخلوا في شئونه الداخلية، على نحو ينفر منه كل كريم.. إن الشئون الدينية بتنكرها لهذا الواجب تقصر عن مسئوليتها في حماة الشعب وفي صون استقلاله.. وهي من ثم متهمة بالتآمر مع جهات رجعية وذات مصلحة في بسط نفوذها على السودان.. وإلا فبم تبرر مواقفها هذه المشبوهة؟ وبماذا تدافع عن نفسها وهي تحتفل بالجهل، وتكرِّمه، وتنشره على الشعب؟!
إن معاداة الشئون الدينية للدعوة الإسلامية الجديدة قد خرجت عن كل معقول، وهي في هذا السبيل لا ترعى حرمة الدين، ولا حرمة الوطن، ولا حرمة القانون.. ونحن لم ننزعج من مواقف الشئون الدينية، بل على النقيض كنا سننزعج لو لم تقف منا هذه المواقف.. لماذا؟ لأنه ما خلا في أمة نذير إلا قال أمثال ناس "الشئون الدينية" إنَّا بما أرسلتم به كافرون..