((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




صَـفُّـوا قضاة دوائر
الأحوال الشخصية

خاتمة

خاتمة:


هكذا لا يحيق المكر السيء الاّ بأهله.. فهم قد أرادوا إدانتنا أمام المحاكم الجنائية بتهمة ((إزعاج الأمن العام)) ولكن الله فضح كيدهم وأظهرهم بهذا القصور الذي يطالع كل من قرأ هذه الوقائع.
إن دعوى إثارة الأمن أمر تعودنا سماعه من الدعوة السلفية عندما تعجز عن المواجهة الفكرية أو قل عندما ما يتضح لها هذا العجز.. والاّ فإنها عاجزة على طول المدى..
لقد دلت التجارب الطويلة أن تهمة إثارة الأمن هى أبعد شيء عن الجمهوريين.. ولقد كنا وما زلنا أكثر الناس حرصا على استباب الأمن، وعلى سيادة القانون، ونحن بهذا لا نمتن على أحد، فإن هذا أدنى واجبات المواطن المسئول..
ومن الناحية الأخرى، فان التجارب الطويلة قد دلّت أن الدعوة السلفية هى التي تثير الأمن بتحريضها على الفتنة وبحضّها على السير في طريق العنف.
إننا نحب لسفرنا هذا أن يكون قد وكّد في ذهن القارئ الكريم قصور قضاة دوائر الأحوال الشخصية، وهو قصور قد وكّدناه في عديد كتبنا، ونحن لا نرى بأسا من تكرار هذا المعنى بالأمثلة المختلفة.. ذلك أن قوانين الأحوال الشخصية هى أدق القوانين، وألصقها بحياة الأسر، وأكثرها تأثيرا في الأفراد.. ومع ذلك فإن أمرها ما زال موكولا لهذا اللون من القضاة..
إننا بطبيعة الحال ليست لنا قضية شخصية ضد أحد وقد آن لشعبنا أن يدرك أن مناهضتنا للقضاء الشرعي قضية عامة تخص كل مواطن، وبخاصة النساء.. تخصهم جميعا وبصورة فردية، ولذلك فإنه على الجميع واجب النهوض والتصدي لهذا الجهل المفضوح.. فإنه لم يبق وقت للمساومة في الحق بمجاملة المبطلين الذين آذنت شمسهم بغروب، بل إنها قد غربت تماما عند الذين يعلمون.. إن المحاكم الشرعية مصيرها التصفية الشاملة.. ما في ذلك أدنى ريب!! ولكننا نريد أن يتصعّد الوعي الشعبي للإسراع بهذا العمل المجيد، فإنه لا بد من إنهاء الوجود القانوني لقضاة دوائر الأحوال الشخصية ولا بد من إحالة سلطاتهم الى قضاة أكثر كفاءة وأكثر إقتدارا..
إن تطبيق قوانين الأحوال الشخصية بواسطة القضاة المدنيين يعيد لهذه الشريعة بعض ما تستحق من هيبة، ومن إحترام.. ثم إن هذا ليس هو نهاية المطاف، فلا بد من الحل النهائي المتمثل في تطوير التشريع، وفى توحيده على هدى الإسلام.. ومن وحدة التشريع، تجىء وحدة القضاء..
ختاما فإننا قد وجدنا هذه القضية هدية أهداها الله لنا ولشعبنا، فهي في المقام الأول قد وكّدت قصور القضاة الشرعيين، ولا يقدح في هذا كون هذا القاضي عاملا قضائيا في بداية السلم، إذ أن الطريق مفتوح أمامه للترقي حتى يصير قاضيا بالمحكمة العليا، ونحن لا نبالغ في شيء إذ قلنا أن قضاة المحكمة العليا بدوائر الأحوال الشخصية، لا يختلفون عن هذا القاضي الصغير، ونحن لا نلقي الكلم على عواهنه فقد رأى شعبنا مستوى الشيخ الجزولي نائب رئيس المحكمة العليا في كتابنا ((قانون وقضاة دوائر الأحوال الشخصية قصور عن الشريعة وتخلف عن العصر))، وها هو الشيخ الصديق عبد الحي القاضي بالمحكمة العليا يصدر فتوى تنشر في الصحف اليومية ينصح فيها رجلا حنث بيمينه أنه يمكنه ان يصوم ثلاثة أيام أو يعتق رقبة ..
فمن أين يجىء هذا السائل المسكين بالرقبة ليعتقها إرضاء لعلم هذا الشيخ الغزير؟؟ ونحن نتسآءل: هل يعيش هذا الشيخ في عصرنا، عصر حقوق الانسان؟؟ أو ليس من المسيء للقضاء ان يتحدث كبار القضاة الذين يتقلدون أرفع المناصب في بلادنا عن ((الرق)) الذي هو أيسر ما يقال عنه أنه جريمة يعاقب عليها القانون!! وما لنا نذهب بعيدا وقد رأى شعبنا مستوى الشيخ إبراهيم جاد الله وهو في درجة قاضي مديرية في قضية بورتسودان، ذلك المستوى العجيب الذي كشف عن جهالة ما كانت تخطر على البال.. ونحن في هذا المقام لا نحتاج ان نذكر محكمة الردة، فإن محكمة الردة قد ذهبت في التاريخ مثلا من أسوأ الأمثلة التي أُثِرت حتى عن عهود التأخر والإنحطاط الفكري.. ومع هذا فإنها ما زالت مدّونة بسجلات القضاء السوداني!! ألم يأن للقانونيين في البلاد أن يهبوا لمحو هذا العار المشين؟؟
لكل هذا، ولغير هذا فإننا نطالب بتصفية القضاء الشرعي، ونلح في هذا الطلب، فإنه لا يحتمل التأجيل.. وبالفعل قد رفع عدد من الأخوان الجمهوريين قضية دستورية ضد قوانين الأحوال الشخصية وسيصدر قريبا سفر ليشرح هذه القضية.. وكما يقولون فإن أول السيل قطرة..
وفى المقام الثاني، دعّمت هذه القضية اتجاهنا القديم في تثقيف الشعب ثقافة قانونية صحيحة تمكن الجميع من التمسك بحقوقهم..
إن العناية الإلهية قد قيّضت هذا القاضي ليكشف نفسه، وليكشف زملاءه من ورائه، بصورة أحكمت الحبل حول أعناقهم جميعا.. ومن عجب أن هذه القضية كان يمكن الاّ تكون، لأن أقل الناس علما قد يعلم أن هذه الوقائع لا يمكن أن تشكل جريمة.. ولكن لله الحكمة البالغة في ذلك، ونحن لم نجد تفسيرا لهذه القضية الاّ أنها هدية أهداها الله لشعبنا، وقدّمها له مع تباشير اشراقات العام الجديد.. ونحن نرفعها لشعبنا حتى يستثمرها كل الإستثمار..
هدانا الله جميعا الى سبل الرشاد وهدى بنا انه سميع مجيب..



الأخوان الجمهوريون
ام درمان ص.ب 1151
تلفون 56912
الخميس أول يناير 1976م
30 ذى الحجة 1395