((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




من دقائق حقائق الدين

مقدمة الطبعة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم
(ولو أنَّ ما فى الأرض من شجرةٍ أقلامٌ، والبحرُ يمدُّه من بعده سبعةَ أبحرٍٍ، ما نفدت كلماتُ الله.. إن الله عزيز حكيم)..
صدق الله العظيم


مقدمة الطبعة الثانية:


هذا كتابٌ صدرت طبعته الأُولى فى صفر 1396 هجرية الذي يوافق فبراير 1976 ميلادية.. ولقد لقي من حسن الاستقبال والثناء ما شجّعنا على إعادة طبعه وتصديره بمقدمة جديدة..
إن أهمية هذا الكتاب عندنا، تجئ من كونه قد حوى شرحاً مبسطاً، ووافياً، لبعض المسائل الأساسية التى يقوم عليها أمر الدعوة الإسلامية الجديدة.. ولقد جرى كل أُولئك فى سلاسة، وفى وضوح، مما جعل بعض حقائق الدين الكبيرة فى متناول رجل الشارع العادي..
لقد بسط هذا الكتاب الخطوط العريضة لفكرة تطوير التشريع الإسلامي، معتمداً فى ذلك، على التفريق بين السنة والشريعة، وبين الإسلام البدائي والإسلام النهائي، ولقد أورد من النصوص الصريحة، والتسلسل المنطقي، ما يبعث الثقة، والطمأنينة فى النفوس.. ثم بعد ذلك عرض الكتاب المنهاج الفردي التعبدي في الصلاة، على مستوى كبير، يتقاصر عن شأوه كل مذهب، وكل دين.. وليس في هذا مفاخرة، ولا ادِّعاء، فإن أدب الحق يقضي ألاَّ تستحي من الحق، فإن هذه الدعوة هي الإسلام، وهي الإسلام الذي لا إسلام غيره..

الإسلام رسالتان:


الإسلام رسالتان، هذا أمر ليس هناك أدنى ريب فى صحته، وإن نازع فى ذلك المنازعون.. فالرسالة الأُولى هي مرحلة العقيدة من الدين، وهي تستند على آيات الفروع المدنية، والرسالة الثانية هي مرحلة العلم من الدين، وهى تستند على آيات الأُصول المكية.. والسالك فى الرسالة الأُولى يقطع ثلاث درجات: الإسلام، الإيمان والإحسان.. والسالك فى الرسالة الثانية يبدأ بالرسالة الأُولى ثم يتجاوزها ليقطع ثلاث درجات أيضاً هي: علم اليقين، علم عين اليقين وعلم حق اليقين.. ثم تُتَوّجُ هذه المراحل جميعاً بالإسلام من جديد، وهو هنا يعني الاستسلام الواعي (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن)..

ماذا يعارض المعارضون إذن؟؟


إذا كان الأمر بهذه البساطة، وبهذا الوضوح الذى أوردنا طرفاً منه، والذى سيجده القارئ الكريم مبسوطاً فى هذا الكتيب الصغير.. فماذا يعارض المعارضون فى هذه الدعوة؟ وماذا ينكرون عليها؟؟
إننا بالتجربة الطويلة فى ممارسة حمل الدعوة، لم نجد خصومنا فى الرأي يعارضون محتوى ما نقول.. على النقيض من ذلك هم يعارضون آراءً توهّموا أننا قد قلناها، ولو أنهم قد استأنوا قليلاً لكان لهم موقف آخر، فإن علم الله واسع، وإن كلماته لا تنفد، وإن هذه الدعوة إنما هي من هذا العلم الواسع الناطق بهذه الكلمات..
إن فى هذا الكتاب الموجز فرصة جديدة ليسمعوا منا، بعد أن ظلوا طول وقتهم يسمعون عنا.. ولقد أنكرنا عليهم هذا الوضع فى عديد المناسبات، ونحن إذ نجدد الدعوة الآن بهذا القول الليّن، فإننا نطمع أن هذا يجعلهم يتّقون، أو يحدث لهم ذكرا..
هذا.. وعند الله نلتمس العون أولاً، وآخراً..