((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




علماء!! بزعمهم
الكتاب الثاني

التمويل الأجنبى

التمويل الأجنبى


زعم أشياخ المذكرة، كما قد رأيتم، بأن حركة الجمهوريين لها صلات أجنبية، على حد تعبيرهم، وانهم من بين السطور، يتهموننا بالتمويل الخارجي، وحرصا منا على أن يكون الكلام محددا، فسننقل هنا أقوالهم الواردة في هذا الصدد، وسنرد عليها، واحدا واحدا.. قالوا:
((1- ثبت بما لا شك فيه، ان محمود محمد طه له صلات أجنبية...
2- يهاجم الإسلام بعنف ويزعم ان رسالته الثانية خير منه..
3- محاباته وعطفه لأهل الكتاب بعيدة المدى، يبدو ذلك مما تقدّم في اثارته للتفريق والجزية..
4- نفقاته كثيرة وباهظة على الكتب التي ينشرها وعلى الأتباع الذين ينفق عليهم بسخاء، ويغريهم ليتركوا دينهم الى رسالته الجديدة..))

ثم قالوا هذه الأمور الأربعة المجتمعة تفضّح عن سر وراءها..

1- الإتهام الأول


((ثبت بما لا شك فيه، ان محمود محمد طه له صلات أجنبية))

هذا اتهام ساذج، وهو لا يجد سنده، ولا تبريره، كما انه قد دلّل، وبما فيه الكفاية، على حالة الخواء الروحي والديني التي يتمتع بها اشياخ المذكرة، الذين خبرنا كذبهم، ورقة دينهم، بالدليل والبرهان القاطع.. وعليه فنحن لا نعتقد إن أحدا من الناس يقرأ كتابنا هذا يمكن ان يطمئن الى كلمة واحدة من اتهاماتهم المنكرة الجائرة.. هذا بالإضافة الى ان واسطة عقدهم، هو الشيخ الأمين داؤود، الذي اشتهر بالكذب، والتلفيق، وسوء التخريج، منذ أيام محكمة الردة، وحتى يوم الناس هذا.. ثم هو، بعد ذلك، رجل لا يحسن تصور ابعاد ممارساته، وأفعاله، وعليه سنعينه ليفهم عن طريق القانون الذي أبطأنا في الأخذ به امهالا له حتى يرعوي، ولكنه لم يرعو، فسنتركه يواجه مسئوليته عن الأكاذيب التي ينشرها، مع ثقتنا انه لا يستطيع أن يواجهها، لأنه لم يكن يتصرف بمسئولية، ثم ان هذه المذكرة التي حررت لرئيس الجمهورية والتي نباشر الرد عليها، لا بد أن تكون من صنعه هو، وفى محاولة ساذجة من جانبه ليحمى نفسه من سلطان القانون، ولكن هيهات!! اما اصحابه، وعصبته من الذين جاءوا بالإفك معه، في رفع، ونشر هذه المذكرة، فقد جمع بينه وبينهم سوء النية، وفساد الدين، ولكنهم جميعا سيواجهون مسئوليتهم كاملة أمام الله، وامام القانون، فلينتظر، ولينتظروا!!

2- الاتهام الثاني


((يهاجم الإسلام بعنف ويزعم ان رسالته الثانية خير منه))

هذا كذب واختلاق، لا وجود له الاّ في نفوس، وعقول، هؤلاء الأشياخ، الذين لا يرعون لاعراض الناس حرمة، ولا يحفظون للحق في قلوبهم مكانا.. والاّ فكيف جاز لهم أن يقولوا عن الأستاذ محمود محمد طه انه يهاجم الإسلام بعنف؟؟ وهو الداعية الإسلامي الوحيد في هذا العصر، وفى هذا البلد.. قد نختلف حول مفهوم ومحتوى الدعوة، التي يدعو بها الأستاذ محمود محمد طه، ولكن، برغم هذا، أو ذاك، هل يمكن أن نقول عنه أنه يهاجم الإسلام؟ في عنف، في الوقت الذي لم يحصل منه ذلك مطلقا، ولن يحصل، وما ينبغي له؟؟ ان هذه الأكاذيب الفجة لا تضر الأستاذ بشيء ولكنها، ومن غير شك، ستضر بالذين يؤلفونها، ويروجون لها.. جزاء وفاقا..

الرسالة الثانية.. ما هي؟؟


مسألة هؤلاء الأشياخ، مسألة محيرة تماما، اذ من الصعب جدا أن نتصور جماعة معينة تتوفر على الكذب، والتشويه، على هذا النحو الذي تعمل به هذه الجماعة في افتعال الأكاذيب وفى تشويه الحقائق، كما قد رأينا، على طول تجربتنا معهم في تعقب أقوالهم التي وردت في تلك المذكرة الشاذة، والتي اتهمتنا فيها بمهاجمة الإسلام الى الدرجة التي فضلنا عليه رسالتنا الثانية..
ذلك محض افتراء، ومحض تلفيق.. لماذا؟؟ لأن رسالتنا الثانية – موضوع الإتهام – اسمها "الرسالة الثانية من الاسلام".. وعليه نرجو أن ننقل فيما يلي من أقوال الأستاذ ما يؤكد أن الرسالة الثانية هي الاسلام، وهي سنة النبي.. التي بشر الغرباء بإحيائها..
كما جاء في صفحة ((5)) من مقدمة الطبعة الرابعة من كتاب "الرسالة الثانية من الاسلام" للأستاذ محمود محمد طه، وتحت عنوان: "السنة هي الرسالة الثانية" ما نصه:
((السنة شريعة وزيادة.. فإذا كانت العروة الوثقى هي الشريعة، فإن السنة أرفع منها.. وإذا كان حبل الإسلام متنزلا من الإطلاق إلى أرض الناس، حيث الشريعة - حيث مخاطبة الناس على قدر عقولهم - فإن السنة تقع فوق مستوى عامة الناس.. فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به.. هي مخاطبته هو على قدر عقله.. وفرق كبير بين عقله، وبين عقول عامة الناس.. وهذا نفسه الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس، وإنما كان ذلك ممكنا، بفضل الله، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان.. وحين بشر المعصوم ببعث الإسلام إنما بشر به في معنى بعث السنة، وليس في معنى بعث الشريعة.. قال: ((بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ.. فطوبى للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها)).. ويجب أن يكون واضحاً أنه لا يعني إحياء الشريعة، وإنما يعني إحياء السنة.. والسنة، كما قلنا، شريعة، وزيادة.. السنة طريقة.. والطريقة شريعة موكدة..))


3- الإتهام الثالث


((محاباته وعطفه لأهل الكتاب بعيدة المدى، يبدو ذلك مما تقدّم في اثارته للتفريق والجزية))..

عبارة "محاباته" ليست دقيقة، أما عطفه على أهل الكتاب فأمر مطلوب، ولا غبار عليه.. أما قولكم ((يبدو ذلك مما تقدّم في اثارته للتفريق والجزية)) فامر غريب أن تبنوا احكامكم على اعراض الناس في عفوية، وعلى افتراض.. فإن الأمر لأخطر من ذلك بكثير.. ومسئوليتكم فيه امام الله باهظة.. ثم ما بالكم تدخلون في اعراض الناس، وبهذه السهولة، وهذه البساطة، لمجرد انهم أثاروا فكرة، أو طرحوا رأيا؟؟
ومسألة "التفريق والجزية" التي تحدثت عنها مذكرة الأشياخ في موضعين من المذكرة، أو أكثر، هي قضية المساواة بين المواطنين في الوطن الواحد، مسلمين كانوا أو نصارى، وهي من التحديات التي يرفعها الجمهوريون لإقناع السلفيين بضرورة تطوير التشريع.. فهي ليست مسألة شبهة تحسب على الجمهوريين، وانما هي حجة ناصعة تجسد الحاجة القائمة لتطوير التشريع الى مستوى الرسالة الثانية حيث آيات الأصول..

4- الإتهام الرابع


((نفقاته كثيرة وباهظة على الكتب التي ينشرها وعلى الأتباع الذين ينفق عليهم بسخاء، ويغريهم ليتركوا دينهم الى رسالته الجديدة..))

هذه الجهالة اتجهت لإيهام الناس، ولتضليلهم بأنه لا بد من أن يكون هناك عون أجنبي، في مواجهة تلك النفقات الباهظة..
ان كل من يعرف الأستاذ محمود محمد طه، ولو من بعيد، يعرف كذب هذه القولة الفاجرة.. هذا بالإضافة الى أن الأستاذ محمود محمد طه قد تمكن، بفضل الله، ثم بفضل حسن توجيهه، من إنشاء وتأسيس، مجتمع جمهوري داخل المجتمع السوداني.. يضاف الى ذلك ان الأستاذ محمود محمد طه فوق الشبهات، وأكبر من أن يتهم، بمثل هذه الاتهامات الجوفاء، التي تفتقر الى الدليل، ويكذّبها الواقع المعروف عند القاصي والداني.. إن الأستاذ محمود محمد طه يا هؤلاء يعيد ذكرى النبي، صلى الله عليه وسلم، مجّسدة في اللحم، والدم، حتى انه يمكن ان يقال، وفى غير حرج، ان أكثر المتشنجين اليوم، حين يقرأون في السيرة، أو يسمعون عن أخلاقه، صلى الله عليه وسلم، ليعجزون، أشد العجز، عن تصور تلك الكمالات العالية، أما الجمهوريون فيتصورونها على خير وجوهها، لأنهم يعايشونها في معنى ما يجدون من علم الأستاذ، ومن كرمه، ومن تواضعه ومن زهده، ومن حسن معاملته للناس، على نحو لا يعرفه الاّ من عايشه.. وعلى هذا النهج قامت تربيته لأبنائه الجمهوريين الذين عرفوا في كل مكان بالأدب، وبالكرم، وبقضاء حوائج الناس.. وبسبيل من هذه التربية ازدهرت حركة الكتب، التي ضرب الجمهوريون، في حملها وتوزيعها، امثلة تقطع دونها الرقاب، وليس هذا مجال تفصيلها أو استقصاءها.. ثم ان ميزانية الكتب تغطى تكاليفها، وتحقق فائضا يستعمل في دعمها وتكثيفها..
وفى منزله المتواضع الصغير الذي يعيش فيه الكفاف يقبل الأخوان من كل صوب فيسعدون باللقاء ويتبركون بما يجدون من زاد..
ان حقيقة الأستاذ وحقيقة معاملته للناس عامة ولأبناءه الجمهوريين بخاصة أكبر من العبارة وأكبر من الإشارة وهي حجة تتضاءل امام انوارها الحجج وكرامة تتضاءل امام عظمتها الكرامات..
وبعد، فإن هذا الذي قيل قد اضطررنا اليه اضطرارا، وهو ما أمكن ان يقال، وبحرج شديد، لأنه حاجة دين وليس حاجة دنيا.. اما حقيقة الحال فهي أكبر من هذا، وذلك بكثير، وبما لا يقاس.. فمن سرّه ان يعرف فليقف على الحقيقة بنفسه، فهي مبذولة.. فما رأى أشياخ المذكرة إذن؟؟