((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




علماء!! بزعمهم
الكتاب الثاني

بين محكمة الردة والتآمر الجديد

بين محكمة الردة والتآمر الجديد


من أجل حماية شعبنا من المؤمرات والدسائس، فقد اعتدنا ان نجدّد ذاكرته كل حين بذكرى مؤامرة محكمة الردة، حتى لا ينسى فيؤتى على غرة، وحتى نستخلص منها الدروس والعبر، لا سيما ونحن نواجه اليوم تآمرا جديدا يقوم على نفس المقومات الماضية، من رقّة في الدين، وطمس للحقائق، وتشويه للمعاني..
أكثر من ذلك أن شيخ الأمين داؤود محمد، المدعي الأول في محكمة الردة، من أبرز وجوه التآمر الجديد، وكذلك الحال بالنسبة لزميله حسين محمد زكي، المدعي الثاني في محكمة الردة..
خلاصة القول في أمر المدعيين، الأمين داؤود، وحسين محمد زكي، انهما قد ذهبا في تقديم دعواهما أمام محكمة الردة مذهبا يندي له جبين كل إنسان، وينقبض منه قلب كل حر، وذلك حيث ذهبا كمثلين من أمثلة المكر السيء، المكشوف، الذي لم يتحّرج صاحبه في أن يكون سببا في ردة إنسان عن دينه، مهما كان هذا الإنسان، ومن غير أن يعطيا، في حسابهما، أي اعتبار لمكر الله الذي أمناه حتى غفلا عنه..
وقد اطلعنا في هذا الكتاب على ما جرى من أقوال الأمين داؤود محمد أمام محكمة الردة ونحن نناقش أمر "الصلاة"، مما لا نحتاج معه الى اعادته هنا.. وكذلك كانت أقوال المدعي الثاني حسين محمد زكي، التي ذهبت أيضا مثلا لسوء الفهم، وسوء التخريج، وسوء الغرض أيضا..
نخلص من ذلك الى أن التآمر الجديد الذي سبقت اليه الإشارة، يسير نفس المسار ويحتاج منّا الى اليقظة الكاملة، والمواجهة الحاسمة، لا سيما إذا جعلنا في اعتبارنا أنه لأول مرة، منذ يوم الإثنين 18/11/1968، حيث كانت محكمة الردة، نسمع أحدا يتبجح بأنه رفع دعوى محكمة الردة، أو أنه كان من ورائها.. ولكن ما جرى في هذه الأيام من إعلان، واعتراف، الأشياخ الذين أسموا أنفسهم "علماء السودان" بأنهم كانوا من وراء قضية محكمة الردة المعروفة، وذات التاريخ الأسود، ليدل دلالة واضحة على أن هناك حركة تسعى، وفق مخطط مرسوم، لدى بعض الجهات الرسمية، وبغرض اصدار فتوى، أو حكم، أو قرار، يوقف نشاط الجمهوريين، بعد أن فشلت مؤامرة محكمة الردة وكل المحاولات التي جرت بعدها..
نحن نثق أن سلطة مايو الحاكمة سوف لا تسمح لأي تآمر جديد يحاول أن يستغل السلطة عن طريق الدين، ليزحف ضدنا بعد أن عجز عن مواجهتنا فكريا في كل المناسبات.. ولكن برغم كل ذلك فقد سبق أن ذكرنا للمسئولين في عديد من كتبنا، بأن بعض أعدائنا من السلفيين يستغلون بعض أجهزة الحكم الرسمية ليوظفوها ضدنا، وليكيدوا لنا ويعرقلوا مسيرتنا وقد حققوا في هذا السبيل نجاحات نعرفها لهم، ولكنهم لم يقتنعوا، أو يكتفوا بها.. فهم في انتظار المزيد من الفرص لينقضوا علينا بكل جهدهم وكل قوتهم، ولكن هيهات!!
إن مذكرة الأشياخ الذين طاب لهم أن يسموا أنفسهم "علماء السودان" استهدفت هذا الكيد الرخيص.. ولكن، لشيء من عدم اطمئنانها لإستجابة السيد رئيس الجمهورية، لتآمرها، سعت بطريقها، ومن غير أن تنتظر لتسمع رد السيد الرئيس، كما يقضي بذلك العرف، وتقتضي اللياقة، فتجاوزت هذه المرحلة، وأوصلت عددا من صور مذكرتها تلك لعدد من المسئولين، في أجهزة الأمن، كما أوصلت عددا منها لمجلس الشعب، ولبعض المساجد، وبعض الشخصيات..
وفى سرعة فائقة سعى بتلك المذكرة بعض أعضاء مجلس الشعب، فتمكنوا من تسجيل العدد القانوني المطلوب لإثارتها من داخل المجلس..
ونحن لا نشكو من ذلك شيئا، ولا نخشى ما ستكون عليه عاقبة مجلس الشعب، ولكنّا، مع ذلك، نؤكد أن خيوط التآمر التي كنا ننبه عليها دائما، قد بدأت بالفعل، وقد تتداعى الى الكثير.. ولكن سيجعل الله عاقبة كل ذلك خيرا..
ونحن من غير شك ننتظر أن يعي نواب مجلس الشعب دورهم، فلا يخوضوا في عرضنا على نحو ما يسعى أولئك المتآمرون من المشايخ الذين سعوا في هذا الأمر على غير بينة، ومن غير علم، وبغير دين، تماما كما فعلوا في محكمة الردة قبل حين..
نكتفي الآن بهذا القدر بعد أن نذّكر شعبنا الكريم بقولة: ما أشبه الليلة بالبارحة..