((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




علماء!! بزعمهم
الكتاب الثاني

خاتمة..

خاتمة..


لقد تتبعنا، في كتابنا هذا، الافتراءات، والتخرصات، التي طفحت بها المذكرة التي رفعها جماعة من الأشياخ، لم تمنعهم بقية من ورع، ولا من دين، ولا من حياء، عن أن يسموا أنفسهم "علماء السودان"، وان كان بينهم وبين العلم بعد المشرقين.. وهل يمكن أن يكون عالما من يسمي أو يرى نفسه عالما؟! أم هل يكون عالما من يبني نتائجه وأحكامه على الكذب وعلى تشويه أفكار وآراء الآخرين، ونقل أقوالهم نقلا مبتورا ومخّلا؟؟
إن مذكرة هؤلاء العلماء، بزعمهم، قد جاءت مثلا في الكذب الضار والتشويه المتعمّد للآراء، والنقل المخّل للأقوال، مما يوقع كاتبيها وناشريها والموقعين عليها تحت طائلة القانون.. ولما كانت لغة القانون هي اللغة الوحيدة التي قد يفهمها هؤلاء القوم، فسنسوقهم الى ساحته ليواجهوا بمسئولية هذا العمل الأخرق.. ولما لم نكن في هذا الكتاب بصدد هذا الجانب، الجانب القانوني، فإننا لم نقف عنده كثيرا... وانما ركزنا على فضح أمر هذه المذكرة المتهافتة بإيراد النماذج المستفيضة من كتبنا التي تخطّت السبعين كتابا، وغطّت الثلاثين عاما من الزمان...
ولقد كان من أبلغ أمثلة الأذى، وافتراء الكذب على الله التي طفحت بها هذه المذكرة هو إدعاؤها بأننا ننتقص من قدر النبي الكريم، ونقدح في مكانته.. وهذه تهمة لا يمكن أن يرمينا بها أقل الناس صدقا أو ورعا أو دينا.. ولكن هؤلاء العلماء، بزعمهم، يأتون بالعجائب!! ولقد وضحنا في هذا الكتاب بالمقتطفات المستفيضة من كتبنا كما يعلم الناس من سيرتنا، أننا اليوم وحدنا الداعون الى النبي، والى طريقه.. فإن محور دعوتنا، ومركزها، الإتباع التام للنبي، والتقليد المتقن، الواعي له.. ولقد ولدت دعوتنا في أحضانه، وتشّربت بمحبته، ونمت بالصلاة عليه وتشرّفت بالتفرد بمعرفة حقيقته العظيمة التي ما عرفها الماضون، والحاضرون، الاّ كالسيف في غمده... وانبعاثا من هذه المحبة، ومن هذه المعرفة، دعونا الى "طريق محمد" لأنه الطريق الوحيد، والأكيد، لعودة الإسلام، ومن ثمّ، لإستنقاذ البشرية المعاصرة الحائرة ولإحلال السلام على الأرض... ولقد يكفي أن يعلم القارئ، في هذا المجال، أن كتابنا "طريق محمد"، الذي وزع ما يقرب من الستين ألف نسخة والذي يعتبر اللائحة الداخلية التي تحكم وتوّجه سلوك الأخوان الجمهوريين، دعا، وبصورة حاسمة وجلية، عامة المسلمين، والمتطرقين، وشيوخ الطرق الصوفية، لترك كل عمل لم يكن يعمله النبي الكريم والعودة للعمل النبوي، دون زيادة أو نقصان، لأن النبي، وحده، هو الوسيلة الواسلة والموصلة لله تعالى... ولقد يكفيه، أيضا، أن يعلم أن كتابنا "طريق محمد" هو صلاة على النبي أكبر مما صلى عليه به المصلون، ومدح له أعظم مما مدحه به المادحون، وهو توقير له، وتقديس لحقيقته، وأدب في حضرته يليق بجنابه العظيم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم... ومع ذلك نؤذى باتهامنا بالطعن في مكانته والتقليل من شأنه... ولكن لا ضيّر!!! فإن الأذى سنة في حق كل من يهب لنصرة الحق في نفسه، وفيمن حوله.. ألم يقل الله تعالى: ((لن يضروكم الاّ أذى... وإن يقاتلوكم، يولوكم الأدبار.. ثم لا ينصرون..))؟؟ بلى!! قد قال... ولقد صدقنا وعده... فهزموا وولوا الأدبار.. كما قد باءت بالفشل كل محاولاتهم للكيد الإداري، وللإيقاع بيننا وبين السلطة، وللإيقاع بيننا وبين جماهيرنا الطيبة بنشر الأكاذيب والأراجيف..
ونحب أن نؤكد في خاتمتنا هذه، أننا لسنا من ينثنى أو ينحنى أمام الكيد أو التآمر، كما نحب أن نؤكد أننا ما تزال أبوابنا مفتوحة لكل من يود أن يدخل معنا في حوار صادق ونظيف حول ما نزعم، ونعلم أنه الحق.. فإن الحوار هو اسلوب العصر لحسم الخلافات والصراع... فليقلع اذن، المرجفون عن الخصومة الفاجرة، وعن الكيد الرخيص، وليدخلوا، ان استطاعوا، في الصراع الفكري النظيف...
وبعد، لقد كانت مذكرة هؤلاء العلماء، بزعمهم، هدية عظيمة ساقها الله الينا، من غير تدبير منا ولا تصيّد.. فقد جمعت في قفص واحد أبطال محكمة الردة، أو قل مهزلة محكمة الردة، واشياخا من الجامعة الاسلامية، وموظفين بالشئون الدينية، وشيوخا بالطرق الصوفية، وموظفين بما كان يسمى بالمحاكم الشرعية، فمكنتنا بذلك من كشف الزيف، وعدم الصدق، وقلة الورع، والجهل بالدين الذي يتمتع به هؤلاء القوم والمؤسسات التي يمثلونها... وقد أنّى لشعبنا، شيبه وشبابه، نسائه ورجاله، أن يعلم أن هؤلاء القوم ليسوا علماء السودان، وانما هم أكبر عقبة أمام العلم وأمام عودة الدين... وهذه الحقيقة هي خلاصة هذا الكتاب، تقبله الله ونفع به، انه سميع مجيب..