((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




علماء!! بزعمهم
الكتاب الثاني

الجهاد ليس أصلا في الإسلام

الجهاد ليس أصلا في الإسلام


نعم إن ذلك حق ما في ذلك أدنى ريب، وقد كان الأجدر بالأشياخ أن يواجهوا حجتنا لا ان يحاولوا اثارة الغبار بيننا وبين هذا الشعب الطيب، المتسامح، الذي أوسعوه، بتخلفهم عن مستوى الفكر والحياة، جهالة، وغثاثة..
وفى سبيل نشر الوعي وتحصين الشعب بالمعرفة الدينية الصحيحة ننقل للقراء بعضا مما جاء في كتب الأستاذ محمود محمد طه عن الجهاد، حتى تتضح الرؤية الواضحة امام الناس: بأن الجهاد ليس اصلا في الإسلام وانما الأصل الحرية والإسماح: -
جاء في الطبعة الرابعة من كتاب "الرسالة الثانية من الاسلام" صفحة (118) وتحت عنوان الجهاد ليس أصلا في الاسلام ما يلي:
((الأصل في الإسلام أن كل انسان حر، الى أن يظهر، عمليا، عجزه عن التزام واجب الحرية، ذلك بأن الحرية حق طبيعي، يقابله واجب واجب الأداء، وهو حسن التصرف في الحرية، فإذا ظهر عجز الحر عن التزام واجب الحرية صودرت حريته، عندئذ، بقانون دستوري، والقانون الدستوري، كما سلفت إلى ذلك الإشارة، هو القانون الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة، وقد قررنا آنفا أن ذلك هو قانون المعاوضة))..

وجاء ايضا في كتاب "تطوير شريعة الأحوال الشخصية" صفحة (41) ما نصه:
((فآيات الأصول هي قمة الدين.. وكانت تقوم على تقرير كرامة الإنسان - على الحرية - ومن هاهنا كانت آيات إسماح.. ومنعت الإكراه منعا تاماً.. وهي كثيرة جداً.. ومن أمثالها قوله تعالى: ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن.. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين)).. ومنها: ((وقل الحق من ربكم!! فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر..)).. ومنها قوله: ((فذكر!! إنما أنت مذكر  لست عليهم بمسيطر))..
وعند نهاية الفترة المكية التي بها ظهر القصور العملي عن شأو آيات الأصول، بدأ عهد التحول، ليجيء التنزيل في مستوى الأمة يومئذ.. وأول ما بدئ به التحول قوله تعالى: ((أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا.. وإن الله على نصرهم لقدير..)) هذا إذن، بعد أن لم يكن إذن بالقتال.. بل بعد أن قد كان نهي عنه.. ثم جاء في طريق التحول بنقلة أخرى، فقال: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا.. إن الله لا يحب المعتدين)).. ثم جاء بخاتمة العهد القديم، فنسخ آيات الإسماح جميعها، وذلك حيث قال: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله.. فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)).. فهو ها هنا قد جاء بالحكمة وراء القتال، وهي إنهاء الشرك، وتوطيد عبادة الله وحده، لا شريك له.. ((حتى لا تكون فتنة))..، أي شرك.. ((ويكون الدين لله)) خالصاً، من غير شريك.. قوله: ((فإن انتهوا)) يعني عن الشرك.. ((فلا عدوان إلا على الظالمين)).. يعني لا يكون قتال بالسيف، وإنما تكون إقامة الشريعة على الخارجين عليها من المؤمنين بالمعصية.. وفي هذا المستوى جاءت آية ((التوبة)) التي سميت: ((آية السيف)) واعتبرت ناسخة لجميع آيات الإسماح.. قال تعالى فيها: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم، واحصروهم، واقعدوا لهم كل مرصد.. فإن تابوا، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم.. إن الله غفور رحيم..)).. هذه الآية توجت الصورة التي بدأت منذ حين.. وقال المعصوم، في بدايتها: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا، عصموا مني أموالهم، ودماءهم، إلا بحقها.. وأمرهم إلى الله)).. فلكأن العهد الذي بدأ بعرض الحرية، وحمايتها، والحرص على توفيرها، إلى الحد الذي ينهى فيه النبي، على كمال خلقه، عن السيطرة على الأفراد: ((فذكر!! إنما أنت مذكر  لست عليهم بمسيطر))، قد انتهى.. وقد بدأت مصادرة حرية من يسيء التصرف في الحرية.. وهذا حق، وعدل، لا يأتيه الباطل، ولا الظلم، لا من بين يديه، ولا من خلفه.. فإنه في أصل الإسلام، أن الناس أحرار، على شرط أن يحسنوا التصرف في الحرية.. وحسن التصرف في الحرية معناه: إفراد الله بالعبادة، لأن الله، تبارك، وتعالى، يقول: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) فهو تعالى قد خلق الناس ليعبدوه، وحده، لا شريك له.. ووفر لهم من نعمة العقل، ونعمة البدن، ونعمة الرزق، ما يعينهم على حسن عبادته.. ثم إنهم انصرفوا عنها، وعكفوا على عبادة أصنام ينحتونها بأيديهم فأرسل لهم رسوله، وهيأه بكمال الصفات، وحلاوة الشمائل، وأنزل معه قرآنا معجزاً، يتلى، وأيده بكل البينات، ليذكرهم، بأيام الله ويدعوهم إلى عبادته ثم إن الرسول اجتهد في ذلك، لا يألو.. ومكث بين ظهرانيهم ثلاث عشرة سنة يبغيهم الخير.. يحتمل أذاهم، ويكف عنهم كل الأذى.. فلم يستجيبوا.. بل بلغ طغيانهم أن تآمروا على حياته، فظهر، من كل أولئك، أنهم قصر، وأنهم دون مستوى مسئولية الحرية، فسحبت منهم الحرية.. وجعل أمرهم إلى النبي، وصياً عليهم، (شأن القصر دائما)، وأمر أن يرشدهم، وأن يحملهم على مصلحتهم، بالإكراه، إن اقتضى الأمر.. وكذلك جاء الأمر بالجهاد.. وجاء حديثه الآنف الذكر.. وكانت مصادرة الحرية، للمشركين عن طريق السيف، وللمؤمنين عن طريق الشريعة.. والتشريع عادة لا يصادر الحرية، وإنما ينظمها.. ولكن التشريع في مرحلة الوصاية يشكل قدراً من المصادرة، فهو يصادر الحرية التي لا يطيق تحمل مسئولية حسن التصرف فيها القاصر))

وجاء في صفحة (124) من كتاب "الرسالة الثانية من الاسلام" ما نصه: -
((ومن أصول الجهاد في سبيل الله أن يعرض المسلمون على الكفار أن يدخلوا في الدين الجديد، فإن هم قبلوه، وإلا فإن يعطوهم الجزية، ويعيشوا تحت حكومتهم، مبقين على دينهم الأصلي، آمنين على أنفسهم. فإن هم أبوا عليهم هذه الخطة أيضا، حاربوهم))..