((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




ليسوا علماء السودان
وَإنما علماء آخر الزمان

التحريض على القتل

التحريض على القتل


إنّ هؤلاء المشائخ ليس غرضهم من رفع المذكّرة إلى رئيس الجمهورية أن يفصل فيها، وإنّما غرضهم الحقيقي، حيث عجزوا عن المواجهة الفكرية، أن يضلّلوا الشعب، ويثيروا الفتنة ضدّنا.. فلقد ثبت أنّهم وزّعوا هذه المذكّرة على نطاق واسع، وأخذوا يتلونها من منابر المساجد.. وهذا هو هدفهم الحقيقي إذ أنّهم أوعزوا بخبث، ومكر، في مذكّرتهم، إلى من عسى يكون من البسطاء، والسذّج، والمهووسين، ومختلّي العقول، أن يعتدوا على الجمهوريين..
فقد قالوا في مذكّرتهم أنّهم يطالبون بـ((معاقبة محمود محمّد طه حتّى يقف عن تلك الأباطيل واستغلال السذّج من الشباب وبما أنّ الشريعة الإسلامية تقضي بوجوب قتله في الحال وتعتبر دمه هدراً أي لا شيء على قاتله)) إلخ.. هكذا قالوا!! ((تعتبر دمه هدراً أي لا شيء على قاتله)).. إنّ هذا القول لم يقصد به إلا تحريض المواطنين على القتل، وباسم الدين!!
ولقد تمادوا في مكرهم الساذج لدفع البسطاء من أفراد شعبنا الطيب، إلى التورّط في الاعتداء على الأبرياء.. فهم بعد أن قرّروا أنّ ((دمنا هدر)) رووا بعض القصص التي تروي قيام بعض الأفراد باغتيال من كانوا يؤذون النبي من الكفّار واليهود، فقالوا: ((وروى الترمذي أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: من يتكفّل لنا بقتل كعب بن الأشرف، أي من يندب نفسه لقتله، فقد آذى الله ورسوله، فأرسل إليه من قتله وهو محمّد بن مسلمة الأنصاري))..
وتمضي المذكّرة لتقول: ((وروي أنّ يهـودية كانت تؤذي رسول الله فخنقها رجل حتّى ماتت فأبطل الرسول ذمّتها))..
إنّ الإختلاق، والكذب، والتشويه، لممّا خبرناه جيّداً عن هؤلاء الشيوخ، وهم لا يتهرّبون من مواجهة الجمهوريين فكرياً وحسب، بل يتنصّلون من مسئولية أكاذيبهم حين يواجهون بها.. فهم كما رأينا آنفاً، إذ لا يتورّعون من إيراد مثل قصص الإغتيال ليوحوا بها إلى البسطاء وضعاف العقول بالتورّط في الإعتداء على الأبرياء، إنّما يؤثرون السلامة لأنفسهم، فإذا ما ووجهوا بمسئوليّتهم القانونية خاروا، وتهالكوا، وتهرّبوا عن تحمّلها بصورة تعف عنها الرجولة، ويأباها الدين.. وها نحن نقدم للقارئ هذا المثل الذي يتحدّث عن نفسه، بنفسه، ولا يكاد يحتاج منّا إلى تعليق..
فإنّ أحد هؤلاء الشيوخ بدلاً من أن يواجه أفكارنا بالنقاش والحوار، أخذ على عاتقه مهمّة تشويه أفكارنا بخطبه في مساجد مدينة كوستي، ووالى تحريض المصلّين على قتل الجمهوريين ممّا دفع بعض السذّج والبسطاء إلى التهجّم على الجمهوريين، فرفعنا أمره للقضاء لأنّ لغة القانون هي التي يفهمها فينتفع بها هو قبل غيره ممن يقعون تحت تأثير تضليله.. فلمّا وقف أمام المحكمة تلجلج واضطرب وجاءت أقواله وأقوال شهـوده، وهم من الوعّاظ وأئمّة المساجد، كاذبة ومتناقضة.. فتارة يقول أنّه لم يتعرّض قط للجمهوريين في خطبه، وتارة يقول أنّه يقصدهم بحديثه، ومرّة ثالثة يقول أنّه قصد الفرق الضالّة مثل البهائية والقاديانية وأنّه لم يعتبر الجمهوريين ضمن هذه الفرق الضالّة..
وإلى القارئ استجواب المحكمة الكبرى بكوستي للمتّهم، وتقييمها لأقواله وأقوال شهوده.. وسنضع نحن خطوطاً تحت أكاذيبه وتناقضاته..

القاضي: في يوم ٢٦/١٠ في جامع حي النصر في شهود قالوا إنّك رويت حديث ((في آخر الزمان يظهر إلخ..)) هل قلت هذا الكلام؟؟
المتّهم: قلت الحديث..
القاضي: قول لي الحديث
المتّهم: يوم ٢٦/١٠/٧٣ وبجامع ((حي النصر)) قمت في الناس خطيباً وتعرّضت للحديث الذي رواه علي ((رضي الله عنه)) قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ((سيخرج في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يتجاوز حناجرهم ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإنّ في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة)) أنا كرّرت هذا الحديث في أكثر من جامع..
القاضي: كنت بتقصد بالحديث ديه شنو؟؟
المتّهم: كنت بقصد بحديثي هذا الفرق الضالّة من حيث هي..
القاضي: تقصد شنو بالفرق الضالّة؟؟
المتّهم: أقصد بالفرق الضالّة.. الفرق التي خرجت عن إجماع المسلمين.
القاضي: بتوضيح أكثر، فرق بالإسم؟؟
المتّهم: حديثاً، منها.. الفرق البهائية، والفرق القاديانية.
القاضي: ما تحدّثت عن الجمهوريين؟؟
المتّهم: ما تحدّثت عن الجمهوريين ولم أعدّهم في الفرق الضالّة..
القاضي: حتّى بالنسبة للبهائية والقاديانية، ماذا تريد أن يفعل بهم المسلمون؟؟
المتّهم: أنا في شرحي للحديث قلت أن القتل يكون بيد الحاكم، وليس لعامّة الناس!!
القاضي: أبداً أنت في أحاديثك ذكرت فئة معيّنة تركت الأندية ودخلت الجوامع؟؟
المتّهم: أنا ذكرت في المساجد.. إنّه توجد فرقة تركت الأندية وتوجّهت إلى المساجد وأنّني سأتّصل بالمسئولين لمنع هذه الفرقة وإلا فليتحمّل المسئولون نتيجة الفتنة!!
القاضي: الفرقة ديه الحدّدتها.. هي منو؟؟
المتّهم: أنا كنت أقصد الفرقة التي تحمل أفكار محمود محمّد طه.
القاضي: لكن في الحديث لم تقصدهم؟؟
المتّهم: أنا ما قصدتهم بالحديث.. ولكنّي قصدتهم بالشكوى للسلطات..
القاضي: هل حصل في ردّك على المصلّين ذكرت أنّ الجمهوريين يمنعون الزكاة؟؟
المتّهم: أنا ذكرت أنّ الجمهوريين يمنعون الزكاة وكان ذلك ضمن حديثي عن الفرق الضالّة ومنها البهائية كما أنّهم يمنعون الصلاة..
القاضي: في ناس قالوا إنّك قلت أنّ الجمهوريين ضربوهم في بورتسودان؟؟
المتّهم: أنا ما ذكرت أنّ الجمهوريين ضربوا في بورتسودان بل ذكرت أنّ الذين ضربوا هم البهائية..
القاضي: تحدّثت عن ناس يبيعوا الكتب ويدخلوا الجوامع.. حصل الكلام ديه؟؟
المتّهم: ما حصل تحدّثت عن جماعة تبيع الكتب أو تدخل الجوامع.
القاضي: دعوتك إنّه في فرق ضالّة.. وإنّ الناس يقتلوهم.. أيه مناسبتها الأيّام ديك؟؟
المتّهم: ليست هناك مناسبة معيّنة جعلتني أتكلم عن الفرق الضالّة..
القاضي: أنت بتختلف مع محمود محمّد طه فكرياً؟؟
المتّهم: اختلف..
القاضي: لكنّك لم تحرّض مباشرة أو إيماءة، أو تلميحاً، بقتلهم؟؟
المتّهم: لم أحرّض المصلّين مباشرة أو إيماءة أو تلميحاً بقتلهم.
القاضي: ما بتعتقد أنّ العنف الواجه الفرقة ديه، مؤخّراً، ليهو أيّة صلة بالكلام القلته انت؟؟
المتّهم: ليس هناك أي ربط بين حديثي وما جابهه الجمهوريون من رفض الجمهور..
هذا كان استجواب المحكمة للمتّهم ولقد أدانت المحكمة المتّهم ومما جاء في حيثيّات حكمها ما يلي:
((المتّهم ذكر أنّه يقصد بالفئة الضالّة البهائية.. إلخ ولكن هذا قول مردود لأنّه لم يثبت للمحكمة أنّ جماعة تنادي بالبهائية أم خلافها ارتادت جوامع كوستي لنشر دعواها.. المتّهم أقرّ بأنّه تعرّض لفئة (تركت الأندية وتوجّهت للجوامع) وقد جاء في أقوال شهود الإتّهام أنّ السلطات منعتهم من التحدّث في الأندية وتوجّهوا للجوامع وعليه فدفوع المتّهم أنّه لم يقصد بالفئة الضالّة، الجماعة المسمّاة بالجمهوريين قول مردود)) إلخ..
لقد اجتزأنا من تقويم المحكمة لأقوال المتّهم بهذا القدر لأنّ تفصيل هذه القضية كامل قد أوردناه في كتابنا ((قضايا كوستي)) فيمكن الرجوع إليه لمن شاء من القرّاء..
وبقي أن يعرف القارئ أنّ الشيخ المتّهم في هذه القضية صاحب الأقوال المتناقضة الكاذبة يدعى سعد الدين محمد سالمين وهو ممن يسمّون ((العلماء)) يعمل مدرّساً للدين بالمدارس الثانوية العامّة وواعظاً بالمساجد في كوستي.. وأمّا شهود دفاعه فإنّهم جميعاً أئمّة مساجد ووعّاظاً قد أثبتنا أقوالهم بتناقضاتها كما أدلوا بها على اليمن أمام المحكمة، في كتابنا المذكور المسمّى ((قضايا كوستي.. هديّة لشعبنا لكيلا يخدع عن حقيقة من يتصدّون لتعليمه دينه))، فليراجعه من شاء من القرّاء فإنّ فيه تفصيلاً يعرّف بمستوى هؤلاء الناس الديني والعلمي والخلقي..