((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




ليسوا علماء السودان
وَإنما علماء آخر الزمان

توقير وتعظيم شأن النبي الكريم

توقير وتعظيم شأن النبي الكريم


لقد زعم من أسموا أنفسهم ((علماء السودان)) في مذكّرتهم أنّنا ننتقص من مكانة النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث قالوا:
((ومحمود محمّد طه قد انتقص الرسول بل اتّهمه بالخيانة وعدم التبليغ وهذا أكبر انتقاص له صلّى الله عليه وسلّم فيقول في كتاب الرسالة الثانية من الإسلام ما نصّه (إنّ الإسلام رسالتان: رسالة أولى قامت على فروع القرآن، ورسالة ثانية تقوم على أصوله ولقد وقع التفصيل على الرسالة الأولى، ولا تزال الرسالة الثانية تنتظر التفصيل، وسيتّفق لها ذلك حين يجيء رجلها، وحين تجيء أمّتها، وذلك مجيء ليس منه بد..)))..

وقول الشـيوخ: ((ومحمود محمّد طه قد انتقص الرسول بل اتّهمه بالخيانة وعدم التبليغ)) قول كاذب.. ذلك بأنّ الأستاذ محمود، في صفحة ١٠٦ من نفس الكتاب الذي نقلوا منه نقلهم (هذا النقل الذي أساءوا فهمه)، يقول:
((وقد بلّغ المعصوم كلتا الرسالتين، بما بلّغ القرآن، وبما سار السيرة، ولكنّه فصّل الرسالة الأولى بتشريعه تفصيلاً، وأجمل الرسالة الثانية إجمالاً، اللهم إلا ما يكون من أمر التشريع المتداخل بين الرسالة الأولى، والرسالة الثانية، فإنّ ذلك يعتبر تفصيلاً في حق الرسالة الثانية أيضاً، ومن ذلك بشكل خاص، تشريع العبادات، ما خلا الزكاة ذات المقادير))

وقال الأستاذ محمود أيضاً في صفحة ١٧ من نفس الكتاب:
((إنّ محمّداً رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية.. وهو قد فصّل الرسالة الأولى تفصيلاً، وأجمل الرسالة الثانية إجمالاً.. ولا يقتضي تفصيلها إلا فهماً جديداً للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين أيدي القرّاء))..

ويزيد الأستاذ محمود أمر ((الرسالة الثانية من الإسلام)) وضوحاً، في صفحة ٥ من الكتاب المذكور بما يلي:
((فالسنّة هي شريعة النبي الخاصّة به – هي مخاطبته هو على قدر عقله – وفرق كبير بين عقله وعقول عامّة الناس.. وهذا نفسه الفرق بين السنّة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنّة لتكون شريعة عامّة الناس))..

ويقول الأستاذ محمود أيضاً في كتاب ((تعلّموا كيف تصلّون)) صفحة ٩٧، عن أمر البعث الإسلامي المرتقب:
((هذه البشـرية التي سيجيئ منها الأخوان رسولها (محمّد)، وكتابها القرآن، ودينها الإسلام))..

لقد أخذ المشائخ نصّاً واحداً، ثم هم لم يفهموه، وذهبوا ليخرّجوا عليه فهمهم المغرض بأنّ هناك رسولاً آخر ((هو خاتم النبيين)).. وأنّ هناك اتّهاماً للنبي الكريم بالخيانة، وبعدم التبليغ، وهذا ما لا يعطيهم إيّاه قول من أقوال الأستاذ محمود المضمّنة في كتبه، بل إنّ النصوص التي أوردناها آنفاً تدل على نقيض فهم المشائخ الشائه، وتخريجهم المتعمّل هذا.. ولكن لا ضير!! فلنزد المشائخ بما يزيد في دحض اتّهامهم لنا، يقول الأستاذ محمود في كتاب ((الإسلام وإنسانية القرن العشرين)) ما يلي:
((لقد جاء محمّد، في العهد المكّي، بنبوّه أحمدية، ورسالة أحمدية، فدعا إلى الإسلام، فلم يستجب له، وذلك لحكم الوقت المتمثّل، يومئذ، في قصور المجتمع، فأُمر بالهجرة، وجاء عهد المدينة، وسحبت (الرسالة الأحمدية)، فاستبدلت بـ(الرسالة المحمّدية) فأصبح محمّد ذا (نبوّة أحمدية)، و(رسالة محمّدية)، فدعا إلى الإيمان، فاستجيب له.. وسيجيء محمد بـ(نبوّة أحمدية)، و(رسالة أحمدية) فيدعو إلى الإسلام، كما دعا أوّل أمره في العهد المكّي، وسيستجاب له هذه المرّة، وذلك لحكم الوقت المتمثل في نضج المجتمع، واستوائه، وطاقته الفكرية، والمادّية..
وستسأل وكيف يجيء محمّد بنبوّة أحمدية، ورسالة أحمدية؟؟ وأجيب بأنّه يجيء في قلوب، وعقول، وشمائل، الذين يحيون سنّته، ويسيرون سيرته، ويظهرون كمالات أخلاقه للناس، بعد طول العهد، وانقطاع الإرشاد))
انتهى قول الأستاذ محمود..
لقد تعامى الشيوخ عن هذا التوكيد للمجيء المحمّدي الذي يصحب عودة الدين.. ولكن إصرارهم على التغاضي عن الحقيقة لا يزهقها، ولا يزيدها إلا نصاعة، وإلا وضوحاً وتوكيداً..
يقول الأستاذ محمود في كتاب ((الإسلام وإنسانية القرن العشرين)) قولاً فصلاً:
((القول بالرسـالة الثانية من الإسـلام لا يعني أنّ في الأمر وحياً، ولا نبوّة.. النبوّة ختمت.. الحكمة في ختم النبوّة خير أريد بمن في الأرض، لا شر.. فإنّما ختمت النبوّة لأنّ البشرية قد تهيّأت للأخذ من الله بلا واسطة.. البشرية تهيّأت، في جملة أفرادها، للعلم اللدنّي.. ولقد ختمت النبوّة بمحمّد الذي كانت حياته تجسيداً للأخلاق الإلهية – تجسيداً للقرآن – وحياته اليوم هي مفتاح القرآن.. فمن ترسّمها، وحاذاها، وأتقن تقليدها، فتح له في القرآن، فأخذ علمه من الله كفاحـاً.. الأمر وارد في القرآن: (واتّقوا الله، ويعلّمكم الله).. ووارد في الحديث: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم..).. الناس اليوم إنّما يستغربون حديثنا لجهلهم العظيم بدقائق حقائق الدين.. ولقد أنى لهم أن يتدبّروا القرآن، بعد أن يتّخـذوا لهذا التدبير، الوسـائل الصحائح، وجماعـها إتّباع سنّة المعصوم..))..

إنّ هذه النصوص المستفيضة التي نقلناها آنفاً من كتب الأستاذ محمود نصوص شافية وهي لا تحتاج إلى تأويل، وإنّما تدل، وتقرّر، وبشكل حاسم، أنّ النبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم هو رسول الرسالة الثانية مثلما هو رسول الرسالة الأولى، وأنّه قد بلّغ الرسالة الثانية كما بلّغ الرسالة الأولى..
ومن هنا فإنّنا نقرّر أنّ من أسموا أنفسهم ((علماء السودان)) حجّتهم داحضة، وقولهم عن الأستاذ محمود بأنّه: ((قد انتقص الرسول واتّهمه بالخيانة وعدم التبليغ)) قول كاذب، وهم عنه مسئولون..
إنّنا نحب أن نورد هنا نماذج مختصرة لأقوال الأستاذ محمود المستفيضة التي تدل على المعرفة الدقيقة والتقدير الوافر للذات المحمّدية المشرّفة، ففي كتاب ((أسئلة وأجوبة، الثاني)) صفحة ٤٤ يقول:
((أمران مقترنان، ليس وراءهما مبتغىً لمبتغ، وليس دونهما بلاغ لطالب: القرآن وحياة محمّد، أمّا القرآن فهو مفتاح الخلود، وأمّا حياة محمّد فهي مفتاح القرآن.. فمن قلّد محمّداّ، تقليداً واعياً، فهم مغاليق القرآن، ومن فهم مغاليق القرآن، حرّر عقله، وقلبه، من أسر الأوهام، والأباطيل..))..

ويقول أيضاً في كتاب ((طريق محمّد)) حيث يقوم الكتاب جميعه على الدعوة لتقليد النبي وتعظيمه ومعرفته المعرفة الدقيقة: يقول الأستاذ في وصف النبي الكريم، في صفحة ١٨ من ذلك الكتاب:
((هذه نفس اكتملت لها عناصر الصحّة الداخلية، واتّسقت قواها الباطنية، وتحرّرت من الأوهام والأباطيل، وسلمت من القلق، والخوف العنصري البدائي الساذج..
ما أحوج بشرية اليوم، كلّها، إلى تقليد هذه النفس التي اكتملت لها أسباب الصحّة الداخلية تقليداً متقناً يفضي بكل رجل، وكل إمرأة إلى إحراز وحدة ذاته، ونضج فرديّته، وتحرير شخصيّته، من الإضطراب، والقلق، الذي استشرى في عصرنا الحاضر بصورة كان من نتائجها فساد حياة الرجال، والنساء، والشبّان، في جميع أنحاء العالم))..

وبعد هل يستطيع من أسموا أنفسهم ((علماء السودان)) أن يوفّقوا بين اتّهامهم لنا بانتقاص النبي، وبين أقوال الأستاذ محمود التي تكرّم النبي أكبر التكريم وتدعو إلى تقليده وترسّم طريقه؟؟..