ولن يكون الإنسان خليفة الله على خليقته الا إذا اتسع قلبه للحب المطلق لكل صورها والوانها وكان تصرفه فيها تصرف الحكيم الذي يصلح ولا يفسد. ولا يعيق الحب في القلوب مثل الخوف. فالخوف هو الأب الشرعي لكل الآفات التي ايف بها السلوك البشري في جميع عصور التاريخ..

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)




قضية بورتسودان
البداية والنهاية

مقدمة


بسم الله الرحمن الرحيم
(وردّ الله الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويا عزيزا..)
صدق الله العظيم..


مقدمة


قضية بورتسودان الشهيرة، قضية ذات طابع فريد، أرّخت تحوّلا كبيرا في تصعيد المواجهة الفكرية بيننا وبين الدعوة السلفية، بجميع فرقها، ومذاهبها، من قضاة شرعيين، وفقهاء، وطائفيين، وأخوان مسلمين، وأنصار سنة..
لقد أولينا هذه القضية الهامة من العناية أعظمها، فقمنا بنشر تفاصيلها على قرائنا الكرام في ثمانية كتب، الأمر الذي أتاح للمواطن الفرصة ليحكم بنفسه على القضاة الشرعيين، الذين وضعوا، ولأول مرة، في مواجهة فكرية حاسمة مع الفكرة الجمهوري، وهي المواجهة التي طالما تهربوا منها في استعلاء فارغ.. وقد ظهر من هذه المواجهة مقدار جهل القضاة الشرعيين بالدين.. بل ظهر جهلهم بأمور في الحياة لا تغيب عن فطنة المواطن العادي.. وبذلك انهارت القداسة الزائفة التي كانوا يدّعونها باسم الدين، مما يفتح الطريق أمام المطالبة المشروعة بتصفيتهم بإعتبارهم أكبر مضلل للناس عن الدين.. كذلك أتاح نشر تفاصيل القضية الفرصة للمواطنين لإثراء ثقافتهم القانونية بإعطائهم نموذجا حيّا لكيفية إدارة عجلة العدالة الجنائية، مما يعتبر ترسيخا واعيا، لمبدأ احترام القانون..
والآن!! وقد إنتهت "قضية بورتسودان"!! إنتهت بإنسحاب النائب العام من المطالبة بتوجيه الاتهام ضدنا تحت المادتين (105)، (106) من قانون عقوبات السودان.. ثم انتهت، أخيرا، بانسحاب الشاكي: الشيخ إبراهيم جاد الله، بتنازل مكتوب عن شكواه تحت المادة (437)، من قانون العقوبات.. ونحن في هذا السفر سنروي لشعبنا كيف كانت البداية؟؟ وكيف كانت النهاية؟؟ ثم سنتبع هذا السفر بنشر خط الدفاع الذي كان سيكون مرافعتنا الختامية، لو قد قدّر لهذه القضية أن تستمر..
وأننا إذ نستقبل هذا العمل نجدد لشعبنا قولا، كثيرا ما ردّدناه، ولا نرى في تكراره من بأس.. بل إننا نحب تكراره لأننا نحب له أن يكون راسخا في الأذهان... هذا القول هو أننا لا ننطوي على حقد، ولا على ضغينة، على السلفيين.. على النقيض من ذلك!! فإننا لنبغيهم الخير.. فاننا إنما اخترنا أسلوبا قويا في مواجهتهم لنبيّن لهم ما يعيشون فيه من تناقض، ذلك التناقض الذي كان له أبلغ الآثار في تنفير الشباب المثقف من الدين..
ومهما يكن من أمر فإن كل ما صدر عنّا ضدهم يجد تبريره التام، ولهذا الإعتبار، ولغيره من إعتبارات أخرى، كنا ولا زلنا، نسعى لجرّهم لميدان الحوار الموضوعي، إذ أنه، في مثل هذا الميدان، يمكن كشف باطل كل مبطل، وهزيمة كل مدّع... ولا شك أن جو المحكمة، بطبيعته، يتيح مثل هذه الفرصة.. وهذا هو السر في فضح أمر السلفيين في قضية بورتسودان – فضيحة سارت بها الركبان...
إن قضية بورتسودان قضية فريدة، قد دخلت التاريخ، من أوسع الأبواب.. والآن الى التفاصيل: -