((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




قضية بورتسودان
البداية والنهاية

كيف كانت البداية؟؟

كيف كانت البداية؟؟


اقام الأخوان الجمهوريون بمدينة بورتسودان معرضا للكتاب الجمهوري بنادي الخريجين في الفترة ما بين 20/4/1974 و26/4/1974.. ولقد لقي ذلك المعرض إقبالا عظيما من الجمهور.. وزاد من رواج الفكرة، وذيوعها بين الناس، مما أزعج الدوائر السلفية، وجعلها تفتنّ في أساليب الكيد للجمهوريين.. لا سيما ان مدينة بورتسودان قد كانت في طليعة المدن التي كان يتصّعد فيها أمر الفكرة الجمهورية كل يوم جديد.. واساليب السلفيين معلومة عندنا.. فهم يرسلون البرقيات من المساجد للسلطة، أو يستغلون مواقعهم الرسمية، أو يثيرون لدى السلطات مسألة الأمن، أو يفتعلون التهريج في المحاضرات، أو غير ذلك من وسائل الكيد، والمكر.. ولكنهم في هذه المرة قد بلغ بهم التآمر استهداف الفكرة الجمهورية في قمتها.
بدأت القضية بداية بسيطة، بأن سجل الشيخ إبراهيم جاد الله قاضي مديرية البحر الأحمر، دائرة الأحوال الشخصية، بلاغا جنائيا بموجب عريضة متضررا فيها، على حد زعمه، مما أصاب سمعته الاجتماعية من النقد القوي الذي وجهه الجمهوريون للقضاة الشرعيين، من ثلاث لوحات، من جملة ما عرض في معرض الكتاب الجمهوري الذي أقيم بنادي الخريجين ببورتسودان.. وما جاء في اللوحات الثلاث قد سبق أن نشر، ووزّع، على نطاق السودان، منذ عام 1968، حيث كان ضمن المادة الواسعة التي أذعناها على شعبنا في مواجهة، ونقد، وكشف، مؤامرة: "محكمة الردة"، والتي سبق أن توّعد قاضي القضاة السابق الشيخ عبد الماجد أبو قصيصة بتقديمنا بسببها للمحاكمة، ولكنه لم يفعل شيئا، اذ أن مستوى الجمهوريين في المواجهة، ومستوى الشعب في الوعي، قد شلّ منهم كل حركة... وفيما يلي نورد طرفا مما جاء في تلك اللوحات الثلاث التي قامت عليها دعوى الشاكي: -

اللوحة الأولى


عبارة عن منشور أصدره الأستاذ محمود محمد طه يوم 19/11/1968 غداة إعلان حكم محكمة الردة بعنوان "مهزلة القضاة الشرعيين" ونشرته جريدة السودان الجديد، كما وزع على نطاق القطر، ومما جاء فيه: - (أما أمركم لي بالتوبة من جميع أقوالي، فإنكم اذلّ وأخسّ من أن تطمعوا فيّ... وأما إعلانكم ردتي عن الإسلام، فما أعلنتم به غير جهلكم الشنيع بالإسلام، وسيرى الشعب ذلك مفصّلا في حينه..) إنتهى

اللوحة الثانية


عنوانها ("محكمة الردة" ما قبلها وما بعدها).. وقد جاء فيها: - (نريد أن تسحب السلطة من القضاة الشرعيين، فإنهم أذل من أن يؤتمنوا على الأحوال الشخصية لأنها أخص، وأدق القوانين، لارتباطها بحياة الأزواج والزوجات والأطفال – في كلمة واحدة – العرض.) انتهى

اللوحة الثالثة


فهى عبارة عن مقتطفات من كتاب "بيننا وبين محكمة الردة" للأستاذ محمود محمد طه الصادر في ديسمبر 1968، وهي لوحة قد خصصت لكشف عدم الأمانة التي اتصف بها المدّعيان أمام تلك المحكمة..
على هذا الأساس تم فتح بلاغ جنائى ضد الأخوان القائمين على أمر المعرض وهم: بدر الدين يوسف، بكري الحاج، خيري أحمد خيري، عبد الرحيم هلاوي، أحمد مصطفى دالي.. على إثر هذا تم إنزال اللوحات الثلاث موضوع البلاغ من معرض الكتاب الجمهوري، وقد أصبحت فيما بعد، معروضات أمام المحكمة..
جرى التحري مع الأخوان الخمسة، وقد أكدّوا جميعهم مسئوليتهم عن كل ما جاء بالمعرض.. هذا وقد امتد التحري فشمل الأستاذ محمود محمد طه، الذي أكدّ مسئوليته التامة عن كل ما جاء بالمعرض، وأنه هو المسئول عن كل شىء فيه حيث أن المعرض قام على أفكاره وصمم وحمل لبورتسودان بتوجيهه وإرشاده..
إن المادة موضوع الاتهام والتي بموجبها جرى هذا التحري هي المادة (437) من قانون العقوبات لسنة 1925، والتي تنص على الآتي: - (كل من يرتكب جريمة القذف يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سنتين، أو بالغرامة، أو بالعقوبتين معا)..
ولقد جاء تعريف القذف في المادة (436) من ذات القانون على النحو الآتي: -
(فيما عدا الإستثناءآت فيما بعد، يعد مرتكبا جريمة القذف كل من يسند الى شخص، أو ينشر عنه واقعة، أو بكلام يجهر به، أو ينقله بأية وسيلة اليه، أو يراد أن يقرأه الناس، أو بالإشارات، أو بطرق التعبير المرئية، قاصدا بذلك خدش سمعة ذلك الشخص، أو مع علمه، أو وجود ما يحمله على الإعتقاد، بأن تلك الواقعة قد تخدش سمعته)..

إجراءات ما قبل المحاكمة


لقد استغرقت هذه الإجراءات ما يقرب من الأربعة عشر شهرا.. ذلك أن أوراق البلاغ ظلت لشهور عديدة بديوان النائب العام بناء على طلب منه... في هذا الأثناء اتخذ النائب العام إجراءات إدارية ضد المتهم بدر الدين يوسف الذي يعمل بديوان النائب العام.. بدأت باستيضاح من المدّعي العام.. فأجابه الأخ بدر الدين كتابة، مؤكدا أقواله التي أدلى بها للمتحري، وأضاف عليها تقريرا مستفيضا لموقف الجمهوريين المبدئي من القضاء الشرعي.. ثم بعد ذلك شكل مجلس تأديب.. وقد أعلن ذلك المجلس براءة الأخ بدر الدين حيث أنه لم يأت بعمل يعاقب عليه قانون تأديب الموظفين.. الاّ أن النائب لم يؤيد قرار مجلس التأديب.. فتم توقيع عقوبة إسمية..
كان هذا في سبتمبر 1974 وبعد ذلك بأربعة أشهر أرسل النائب العام أوراق البلاغ لمحكمة الموضوع للاستمرار في إجراءات المحاكمة... وبالفعل أمر السيد القاضي المقيم ببورتسودان بتحديد جلسة يوم 2/6/1975 بداية للمحاكمة..